أثير: أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الأسرية
تُعد العلاقة بين الأب وأبنائه من أهم العلاقات التي تُسهم في بناء شخصية الأبناء واستقرار الأسرة إلا أن هذه العلاقة لا تتشكل بمعزل عن دور الأم فهي غالبًا الأقرب إلى الأبناء والأكثر اطلاعًا على مشاعرهم واحتياجاتهم والأقدر على التأثير في الصورة التي يحملونها عن والدهم. ومن هنا فإن الأم لا تقوم بدور تربوي مع الأبناء فحسب، بل تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز مكانة الأب داخل الأسرة.
قد يظن البعض أن علاقة الأب بأبنائه مسؤولية الأب وحده لكن الواقع يؤكد أن الأم تستطيع أن تقوّي هذه العلاقة أو تضعفها أحيانًا بكلمة عابرة أو بتصرف غير مقصود أو بأسلوب يتكرر يومًا بعد يوم. فالطفل الذي يسمع أمه تتحدث عن والده باحترام وتُظهر تقديرها لجهوده ينشأ وهو يحمل صورة إيجابية عنه، حتى وإن كان الأب قليل الكلام أو مشغولًا بمتطلبات العمل.
وفي المقابل فإن التقليل من شأن الأب أمام الأبناء أو السخرية من قراراته أو تحميله مسؤولية كل تقصير ينعكس سلبًا على مكانته في نفوسهم ويؤدي مع مرور الوقت إلى ضعف احترامه وتراجع تأثيره التربوي. فالخلافات الزوجية أمر طبيعي لكن نقلها إلى الأبناء أو استخدامهم طرفًا فيها يترك آثارًا نفسية وتربوية قد تستمر سنوات.
ومن أجمل الأدوار التي تقوم بها الأم أن تفتح للأب أبواب التقارب مع أبنائه فتشجعهم على الجلوس معه وتحفزهم على مشاركته الحديث وتذكرهم بفضله وتفرح بلحظات وجوده بينهم. كما يمكنها أن تخبر الأب باهتمامات الأبناء وإنجازاتهم وما يمرون به من تحديات ليجد موضوعات يتحدث معهم عنها ويشعروا بقربه منهم.
ومن الأدوار التربوية المهمة التي قد تغفل عنها بعض الأمهات ألا تكون هي البوابة الوحيدة التي يعبر منها الأبناء لقضاء جميع احتياجاتهم. فعندما يطلب الأبناء مصروفًا أو يرغبون في شراء شيء أو يحتاجون إلى موافقة على أمر ما فمن الجميل أن توجههم الأم إلى والدهم بعبارات بسيطة مثل: ”اذهبوا وسلموا على والدكم، ثم تحدثوا معه"، أو ”اسألوا أباكم“، أو ”شاركوا والدكم بما تريدون“. فمثل هذه المواقف اليومية ليست مجرد وسيلة لقضاء حاجة بل هي فرص ثمينة لبناء الحوار، وتقوية الصلة وتعويد الأبناء على الرجوع إلى والدهم والثقة به.
وفي المقابل فإن استئثار الأم بكل التفاصيل وإن كان بدافع الحب أو الحرص أو تسهيل الأمور قد يضعف حضور الأب في حياة أبنائه تدريجيًا. ومع مرور السنوات قد تجد الأم نفسها تتحمل العبء التربوي وحدها ثم تشعر بالإحباط، لأن الأب لا يشاركها مسؤولية التربية أو يبدو بعيدًا عن تفاصيل الأبناء، بينما تكون – من حيث لا تشعر – قد أسهمت في تشكيل هذا النموذج حين أصبحت المرجع الوحيد لكل صغيرة وكبيرة داخل المنزل. فالسلطة التربوية قد تنتقل إليها بصورة غير مباشرة، ودون قصد أو تعمد، فتضعف مساحة حضور الأب في حياة أبنائه.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تمنح الأم الأب مساحة ليؤدي دوره التربوي وأن تدعم قراراته أمام الأبناء ما دامت قائمة على الحكمة والمصلحة. فإذا كان هناك اختلاف في وجهات النظر، فالأفضل أن يُناقش بين الزوجين بعيدًا عن مسامع الأبناء، حفاظًا على هيبة الوالدين ووحدة الموقف التربوي.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا أن يُستخدم الأب وسيلةً لتخويف الأبناء كأن يقال لهم: ”إذا عاد والدكم سيعاقبكم“ أو ”سأخبر أباكم بما فعلتم“. فتكرار هذه العبارات يرسم في أذهان الأطفال صورة للأب باعتباره مصدرًا للخوف والعقاب، لا مصدرًا للأمان والاحتواء. والأولى أن يشعر الأبناء بالشوق إلى والدهم، وأن يفرحوا بعودته إلى المنزل، وأن يجدوا فيه الحضن الآمن الذي يلجؤون إليه كما يلجؤون إلى أمهم.
كما أن تشجيع الأب على المشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، كحضور المناسبات المدرسية، أو ممارسة الأنشطة مع الأبناء، أو تخصيص وقت للحوار واللعب، يعزز الروابط الأسرية ويجعل الأب حاضرًا في ذاكرة أبنائه، لا مجرد شخص يوفر احتياجاتهم المادية.
ومع ذلك، فإن هذا الدور لا يعفي الأب من مسؤوليته؛ فالأم تستطيع أن تهيئ الأجواء، لكنها لا تستطيع أن تصنع علاقة من طرف واحد. فالأب مطالب بأن يكون قريبًا من أبنائه، يستمع إليهم، ويحتوي مشاعرهم، ويمنحهم من وقته واهتمامه، فالحضور العاطفي لا يقل أهمية عن الحضور الجسدي.
إن الأسرة الناجحة ليست تلك التي يؤدي فيها كل فرد دوره منفردًا، بل التي يعمل فيها الأب والأم بروح الفريق الواحد، يتعاونان على تربية الأبناء، ويحرص كل منهما على تعزيز صورة الآخر في نفوسهم. فحين يرى الأبناء الاحترام المتبادل بين والديهم، يتعلمون معنى المحبة والتقدير، وينشأون في بيئة يسودها الأمن النفسي والاستقرار.
إن أعظم هدية يمكن أن تقدمها الأم لأبنائها ليست فقط الحب والرعاية، بل أن تساعدهم على بناء علاقة دافئة ومتينة مع والدهم. فالأم الحكيمة لا تستحوذ على قلوب أبنائها بعيدًا عن أبيهم، بل تفتح لهم الطريق إليه، وتدرك أن نجاحها الحقيقي لا يقاس بمدى تعلق أبنائها بها وحدها، وإنما بقدرتها على بناء أسرة متماسكة يكون فيها الأب حاضرًا في القلوب كما هو حاضر في البيت. فالأب والأم ليسا متنافسين على محبة الأبناء، بل شريكان في صناعة هذه المحبة، وكل كلمة تُقرب الأب من أبنائه هي استثمار في أسرة أكثر تماسكًا، وأبناء أكثر توازنًا، ومجتمع أكثر استقرارًا.





