أثير- محمد حسن
كاتب وباحث سوري
في مطلع الألفية، ابتكرت شركات التكنولوجيا مجموعة من المنتجات التي غيرت العالم وحولت مجرى الحياة، ليس للبالغين فحسب، بل للأطفال أيضاً. كان الشباب يمكنهم مشاهدة التلفاز منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن التكنولوجيا الجديدة كانت أكثر قابلية للتنقل، وأكثر تخصيصاً، وجاذبية من أي شيء سبقها. ومع ذلك، فإن الشركات التي طورتها لم تجرِ سوى أبحاث ضئيلة أو معدومة حول تأثيراتها على الصحة النفسية.
وعندما واجهت هذه الشركات أدلة متزايدة على أن منتجاتها تؤذي الشباب، لجأت إلى الإنكار، والتعمية، وحملات العلاقات العامة، وكانت الشركات التي تسعى إلى زيادة التفاعلإلى أقصى حد باستخدام الحيل النفسية لإبقاء الشباب على الشاشات، فقد جذبت الأطفال خلال مراحل نموهم الضعيفة، بينما كانت أدمغتهم تعيد بناء شبكاتها بسرعة استجابةً للتحفيز الوارد إليها. وشمل ذلك شركات وسائل التواصل الاجتماعي، التي ألحقت أكبر أضرارها بالفتيات، وشركات ألعاب الفيديو، التي غرزت أشواكها بعمق في الفتيان. وعبر تصميم سيل من المحتويات التي تدخل عبر عيون الأطفال وآذانهم، وإزاحة اللعب البدني والتواصل الاجتماعي المباشر، أعادت هذه الشركات صياغة الطفولة وغيرت التطور البشري على نطاق لا يكاد يُصدق.
الجيل زد
أصبح الجيل المولود بعد عام 1995، وقد أطلق عليه تسمية “الجيل زد” أول جيل في التاريخ يمر بمرحلة البلوغ وفي جيبه بوابة تصرفه عن الأشخاص القريبين منه وتجذبه إلى عالم موازي مليء بالإثارة الافتراضية والإدمان وعدم الاستقرار. ويتطلب النجاح الاجتماعي في ذلك الكون الافتراضي تخصيص جزء كبير من وعي رواده لإدارة ما أصبح “علامتهم التجارية عبر الإنترنت”، ونشر صور ومقاطع فيديو منسقة بعناية لحياتهم.
لقد غيّر وصول الهاتف الذكي عام 2007 حياة الجميع. كان المراهقون يمتلكون هواتف محمولة منذ أواخر التسعينيات، لكنها كانت هواتف لا تحتوي على إنترنت، ومفيدة للتواصل المباشر مع الأصدقاء والعائلة، فرداً لفرد. وكان لبعض المراهقين إمكانية الوصول إلى الإنترنت عبر كمبيوتر منزلي أو كمبيوتر محمول، وبقي الأمر كذلك حتى حصلوا على الهواتف الذكية ليصبحوا متصلين بالإنترنت طوال الوقت، حتى عندما يكونون بعيداً عن المنزل.
ومع حصول المراهقين على الهواتف الذكية، بدأوا يقضون وقتاً أطول في العالم في تصفح المنشورات البراقة والمبهجة، للأصدقاء، والمعارف، والمؤثرين. ويشاهدون كميات متزايدة من مقاطع الفيديو والمحتوى الترفيهي التي يصنعها المستخدمون، والتي تغذيها خوارزميات صُممت لإبقائهم عبر الإنترنت لأطول فترة ممكنة. وبالتالي أصبحوا يقضون وقتاً أقل بكثير في اللعب مع أصدقائهم وعائلاتهم، أو التحدث إليهم، أو لمسهم، أو حتى التواصل البصري معهم، مما قلل من مشاركتهم في السلوك الاجتماعي الضروري للنمو البشري الناجح.
جيل القلق في كتاب جوناثان هايدت
في مقدمة كتاب عالِم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت " جيل القلق “، والذي تربع على عرش قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في صحيفة “نيويورك تايمز” لعدة أسابيع، يتحدث الكاتب عن ملياردير اختار طفل في التاسعة من عمره للانضمام إلى أول مستوطنة بشرية على كوكب المريخ، وقام الطفل بالتسجيل في البعثة مع أصدقاءه بسبب حبهم للفضاء الخارجي وذلك دون موافقة الوالدين، وعند مجادلة الوالدين لأبنائهم بأن ظروف المريخ غير مؤاتية لإقامتهم بسبب الإشعاع الموجود على الكوكب والجاذبية المنخفضة التي قد تجعل الأطفال عرضة لخطر الإصابة بتشوهات الهيكل العظمي والقلب والعينين والدماغ وأن المنظمين للرحلة لم يأخذوا هذه الهشاشة لدى الأطفال بعين الاعتبار، وأنهم لا يعرفون شيئاً عن تطور الطفل ولا يهتمون بسلامة الأطفال ولم يحصلوا على إذن الوالدين، وهذا هو بالضبط حال شركات التكنولوجيا، فقد فعلت الشيء نفسه بالأطفال والمراهقين، عبر وضع الهواتف الذكية في أيديهم، لذا فإن أفراد الجيل زد هم حقول تجارب لطريقة جديدة وجذرية في تنشئة الأطفال وتربيتهم، بعيداً عن التفاعلات الواقعية للمجتمعات الصغيرة التي تطور فيها البشر. وهذا ما أسماه الكاتب بـ “إعادة الأسلاك الكبرى للطفولة”، كأنهم أصبحوا أول جيل ينشأ على كوكب المريخ، وقد حولهم هذا إلى “جيل القلق “.
أربعة أضرار يجب تجنبها وأربعة معايير يجب اتباعها
لم تعد الطفولة قائمة على اللعب في الواقع، بل أصبحت قائمة على الهاتف. وإذا سألنا أنفسنا لماذا تحدث الطفولة “القائمة على الهاتف” هذا التأثير السلبي؟ فالهواتف الذكية تسحبنا بعيداً عن محيطنا المباشر وعن الأشخاص الأقرب إلينا، مما يجعلنا، على حد تعبير عالمة الاجتماع شيري توركل، “في مكان آخر دائماً”. والمراهقون ليسوا فقط الأكثر استخداماً للهواتف الذكية بشكل قهري، حيث وجد تقرير لمركز بيو للأبحاث عام 2022 أن 46% منهم متصلون بالإنترنت “بشكل شبه دائم” بل هم أيضاً الأكثر عرضة للخطر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المراهقة هي فترة تطور اجتماعي وعاطفي سريع. حيث وجدت “دراسة فوج الألفية البريطانية”، التي تتبعت 19,000 طفل، أن معدلات الاكتئاب ارتفعت تزامناً مع عدد الساعات التي نقضيها على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما بين الفتيات. فالفتيات اللواتي يقضين أكثر من خمس ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي كن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بثلاث مرات مقارنة باللواتي لا يستخدمنها على الإطلاق. هذه الدراسة وحدها قد لا تكون كافية لإثبات أن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب الاكتئاب. لذا تم تقديم تطبيق فيسبوك لطلاب عدد محدود من الجامعات، ومن ثم قارنت إحدى الدراسات، الصحة النفسية للطلاب في المؤسسات التي توفرت بها شبكة الانترنت، بالطلاب في الجامعات التي لم تصلها بعد، ووجدت أن فيسبوك أدى إلى تدهور الصحة النفسية في الحرم الجامعي. كما أظهرت خمس دراسات أخرى وجود صلة بين وصول الإنترنت عالي السرعة وارتفاع معدلات الأمراض النفسية
.
هذا ما دفع هايدت عالم النفس الأمريكي للقول بأن الهواتف الذكية أشعلت ناراً مستعرة من القلق والاكتئاب لدى “الجيل زد” في جميع أنحاء العالم، من خلال منحهم “إمكانية الوصول المستمر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو عبر الإنترنت، والأنشطة الأخرى القائمة على الإنترنت”. ويتابع بأن هناك أربعة أضرار أساسية في هذا التدهور الذي أصاب الشباب: الحرمان الاجتماعي، والحرمان من النوم، وتشتت الانتباه، والإدمان.
وطرح في المقابل “أربعة معايير” يجب على الآباء، والمجتمع ككل، تبنيها من أجل عكس، أو على الأقل علاج، ما يسميه “إعادة الأسلاك الكبرى” لحياة الأطفال؟ لا هواتف ذكية قبل سن 14 عاماً، ولا وسائل تواصل اجتماعي حتى سن 16 عاماً، ومدارس خالية من الهواتف، ومزيد من اللعب غير الخاضع للرقابة واستقلالية الأطفال.
ثورة تشريعية بدأت من استراليا إلى سلطنة عُمان
أقنع طرحه للمشكلة ونصائحه المباشرة صناع السياسات أيضاً. حيث أقرت أستراليا أول تشريع في العالم يحظر على من هم دون سن ال ١٦ عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي وفرضت على الشركات المخالفة غرامات مالية باهظة. حيث أصدرت التشريع في أواخر عام 2024، ودخل حيز التنفيذ الفعلي في ديسمبر 2025. وقد استثنى هذا القانون التطبيقات التي تخدم أغراضاً تعليمية، أو التواصل مباشر، أو الدعم صحي، كما أتاح للأطفال دون 16 عاماً تصفح المحتوى العام على يوتيوب أو المواقع الأخرى بشرط أن يكونوا في حالة تسجيل الخروج، أي يمكنهم المشاهدة والقراءة للاستفادة المعرفية، ولكن لا يمكنهم إنشاء ملف شخصي، أو التعليق، أو النشر، أو الوقوع في فخ خوارزميات التوجيه المخصصة.
وهذا ما ذهبت إليه سلطنة عُمان في يونيو 2026، حيث وجه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه خلال اجتماع مجلس الوزراء بتقييم موضوع الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال من جوانبه المختلفة، وتشخيصه وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، وبما يساعد الأسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفية الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
وبناءً عليه طرحت هيئة تنظيم الاتصالات مسودة لائحة تنظيمية للمشورة العامة (الاستطلاع المجتمعي) لحماية الطفولة في الفضاء الرقمي، حيث نصت المسودة العُمانية: على حظر تقديم أو إنشاء أو الإبقاء على أي حساب في منصات التواصل الاجتماعي للأطفال الذين لم يبلغوا سن 16 عاماً سواء كانت حسابات جديدة أو قائمة بالفعل، دون وجود استثناءات لولي الأمر، كما تقترح المسودة إلزام المنصات بالتحقق من العمر عبر وسائل موثوقة مثل الهوية الرقمية الحكومية، مع فرض قيود صارمة على الحسابات المسموح بها للفئة (16-17 سنة) مثل منع الخوارزميات التوجيهية وحظر الإعلانات المستهدفة سلوكياً.
النداء الأخير للعودة إلى مجتمعاتنا الأسرية والتواصل البصري
لقد اعتقدنا أن الشخص إذا كان في غرفة نومه فهو آمن، وأطلقنا على هذا الجيل بحسب صفاته أنه جيل غرف النوم، فهم يعيشون نوعاً ما داخل غر ف نومهم متصلين بالإنترنت طوال الوقت من غير انفصال وتساهم وسائل التواصل الاجتماعي التي يدمنون عليها، بحسب بعض الأدلة إلى حدوث ضعف وظيفي، وتغيير في أنماط النوم ومستويات التركيز وهو ما يؤثر سلباً في القدرة على العمل. فلا يصاب الناس بالاكتئاب عندما يواجهون التهديدات بشكل جماعي، بل يصابون به عندما يشعرون بالانعزال، أو الوحدة، أو عدم الجدوى. فهناك فراغ على شكل الله في كل قلب بشري، وإذا لم يمتلئ بشيء نبيل وسامٍ، فإن المجتمع الحديث سيضخ فيه القمامة بسرعة" هذا النداء أطلقه الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال قبل وجود معضلة الهواتف الذكية، لذلك ربما ينبغي لنا أن نبدأ في التفكير أكثر في كل الأشياء التي لم ننظر إليها، وكل الأشخاص الذين لم نتحدث إليهم، وكل الأفكار التي لم نسمح لأنفسنا بإكمالها، لأننا كنا ملتصقين بهواتفنا الغبية.





