رصد - أثير
تشهد سلطنة عُمان تطورًا كبيرًا في الألعاب الرقمية، وبات لها متابعون، ولم تبقَ هذه الرياضات في محل الألعاب الترفيهية، بل اتجهت إلى جوانب اقتصادية هامة، وأصبحت منصةً للتنافس الإيجابي بين الشباب الوطني العُماني.
ومشاركة الفريق العُماني في تصفيات كأس العالم للألعاب الرقمية والبدنية (Phygital World Cup 2026) في كازاخستان، ما هي إلا دليل على بروز كفاءات وطنية قادرة على صياغة معادلات تنافسية جديدة عابرة للحدود الجغرافية.
ويعكس هذا الانتقال من المحلية إلى الدولية، وتمثيل أسماء عُمانية في المحافل الدولية، انتقالًا من نمط “الهواية الفردية” المعزولة إلى سياق “الاحتراف الفعلي”، هذا الصعود المتسارع يفرض عدة مواضيع هامة تستدعي مراجعةً شاملةً لآليات الدعم والتمكين الإستراتيجي، لما له من فوائد اقتصادية تنسجم مع التوجهات الاقتصادية الكلية التي تتبناها “رؤية عُمان 2040” الرامية إلى بناء اقتصاد معرفي مرن ومستدام.
القيمة المحلية المضافة والتدفقات الغائبة
على الضفة الأخرى من المشهد، تتبدى إشكالية عميقة عند مقارنة توازنات السوق العالمية للألعاب الرقمية، التي باتت عوائدها تتجاوز مجالات صناعية راسخة، كالسينما والموسيقى مجتمعتين، بحجم الحصة الاقتصادية المحلية المتولدة عنها. إن هذا التباين الكبير يضع الأداء الاستثماري المحلي أمام تساؤلات بنيوية تتصل بمدى القدرة على توطين هذه التدفقات المالية واستبقاء قيمتها المضافة داخل الدورة الاقتصادية الوطنية. بلغ حجم سوق الألعاب العالمي في نهاية عام 2025 نحو 201.6 مليار دولار أمريكي (بزيادة قدرها 9.1% على أساس سنوي)، ما يعادل ميزانيات دول صغيرة.
وفي هذا السياق، يظهر غياب التصنيف التجاري والمهني الواضح لفئات “اللاعب المحترف” أو “مطور الألعاب المستقل” في الهياكل التنظيمية للمؤسسات، حيث يؤدي هذا الفراغ الإجرائي إلى توجيه العوائد المالية التي يحققها محترفو البث وصناع المحتوى الرقمي إلى خارج منظومة الاقتصاد الوطني، ويحرم الاقتصاد المحلي من قراءة إحصائية دقيقة لحجم هذا السوق.
دور الآباء والهلع الرقمي
انقسم المشهد التربوي غالبًا بين تيارين ودورين للأهالي؛ أحد الأدوار يتبنى سياسة المنع المطلق والتخويف الممنهج من الشاشات، والآخر يترك المساحة لعشوائية تفتقر إلى التوجيه والرقابة. فقد أصاب الناس في عصرنا هذا نوعان من الهلع: هلع الابتعاد عن عصر التكنولوجيا، وهلع الاقتراب منها. هذا الاختلاف المتناقض يتطلب إدراكًا متقدمًا بأن الألعاب الرقمية لم تعد مجرد أداة لقطع الوقت، بل أصبحت بيئةً تفاعليةً تسهم في تشكيل وعي الناشئة في الجيل ألفا والجيل زد الذي سبقه. ومن هنا، فإن الرقابة الذكية والواعية، التي تقوم على المشاركة والتوجيه وتحديد الأوقات وتصنيف المحتوى، تمثل البديل الموضوعي لسياسات العزل التي أثبتت عدم فاعليتها. وأصبحت اليوم التكنولوجيا في الألعاب الإلكترونية تمتد إلى تطوير مهارات إدراكية لدى الأفراد، كالتفكير الإستراتيجي، وحل المشكلات المعقدة، والعمل الجماعي الافتراضي. هذه المهارات تشكل النواة الأساسية لمتطلبات الاقتصاد المعرفي ووظائف المستقبل.
ضرورة وجود تشريعات قانونية
تتطلب دراسة قطاع الألعاب وضع أسس مالية تهدف إلى مجاراة التسارع التقني العالمي وطرق تحقيق الأرباح الجديدة المبتكرة. وبرزت جهود اللجنة العُمانية للألعاب والرياضات الإلكترونية في محاولة تأطير هذا المجال وتحويله إلى مسار مهني وتعليمي واعد، ويتكامل هذا التوجه مع الخطوات القاعدية المعززة للمجال، مثل إدراج “دوري المدارس للألعاب الإلكترونية” ضمن خطط الاتحاد العُماني للرياضة المدرسية للعام الدراسي 2025/2026.
يأتي التحول التشريعي الأحدث المتمثل في قانون الهيئات الرياضية الجديد الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم (59/2026)، إذ يمنح هذا الإطار القانوني المرونة التشريعية اللازمة لإعادة تنظيم اللجان المتخصصة، ويمهد السبيل لبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، قادرة على نقل هذه الرياضات من الطابع التطوعي المحدود إلى تحقيق الأرباح. القانون الجديد فتح الباب للاستثمار المؤسسي الشامل، حيث نصت المادة (20) على أنه “يجوز للنادي تغيير الشكل القانوني للنادي إلى شركة تجارية”، كما استحدثت المادة (21) نصًا يتيح للنادي “تأسيس شركة تجارية لتحقيق أغراضه وللدعاية والتسويق واستثمار أمواله”، وأجازت المادة (15) منح هذه المشروعات الاستثمارية مزايا وحوافز خاصة.
معضلة التمويل وإشكالية الوعي الاستثماري التقليدي
الواقع الفعلي يوحي بوجود فجوة واضحة لدى مؤسسات القطاع الخاص العُماني، تتجسد في استمرار توجيه ميزانيات الرعاية الضخمة نحو قطاعات الرياضة التقليدية، ككرة القدم، رغم أهميتها، على الرغم من اختلاف مؤشراتها الإنتاجية. وبالمقابل، يُلاحظ إحجام البعض عن رعاية النخب الرقمية الوطنية التي تتمتع بقواعد جماهيرية واسعة النطاق عبر المنصات الافتراضية.
إن هذه الإشكالية تكشف عن حاجة ملحة لتطوير الوعي بالعوائد الاستثمارية غير التقليدية، وتفكيك النظرة القاصرة التي تصنف الألعاب الرقمية كأدوات للتسلية فقط، والتعامل معها كصناعة متكاملة الأركان قادرة على تحقيق عوائد تسويقية وتجارية تتجاوز بكثير النطاقات الجغرافية المحلية.
أهمية استثمار الألعاب الإلكترونية كمصدر دخل
على الصعيد الوطني، يشكل الاستثمار في قطاع الألعاب الإلكترونية رافدًا حيويًا لجهود التنويع الاقتصادي وبناء المحتوى المحلي. إن تحويل الناشئة من مستهلكين للمنتجات الرقمية إلى صناع ومطورين لها، يسهم مباشرةً في خلق فرص عمل جديدة في مجالات البرمجة، والتصميم، والأمن السيبراني، مما يعزز موقع السلطنة في مؤشرات الابتكار العالمي، ويفتح آفاقًا استثماريةً واعدةً غير تقليدية.
ولا تتوقف أبعاد المشهد عند حدود التنافس الرياضي الرقمي، بل تمتد لتشمل ما يواجه مطوري الألعاب المستقلين في السلطنة، حيث لا توجد حاضنات للأعمال التقنية والفنية المتخصصة. ولذلك دعت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات منذ أيام الشركات المحلية والمستثمرين المختصين في قطاع الرياضات الإلكترونية وصناعة وتطوير الألعاب التقنية إلى تقديم طلب إبداء رغبة في إنشاء وإدارة وتشغيل مركز صناعة الألعاب الإلكترونية بسلطنة عُمان.
كما تبرز كفاءة شبكات الاتصالات في منطقة الشرق الأوسط كمخدمات عالمية وليست محلية، كأحد العوائق التقنية المؤثرة بشكل مباشر على تنافسية اللاعب العُماني في البطولات الدولية الكبرى، التي تُحسم نتائجها بأجزاء من الثانية.
إن تحويل قطاع الألعاب والبرمجيات الرقمية في سلطنة عُمان إلى رافد اقتصادي حقيقي يتطلب صياغة مقاربة تكاملية تجمع بين التمكين التشريعي، والوعي الاستثماري، وتطوير البنية التحتية التقنية، بما يضمن تحويل الشغف الشبابي إلى طاقة إنتاجية تدعم التوجهات الاستراتيجية للدولة.
كوريا الجنوبية مثالًا
يُذكر أنه بين عامي 2019 و2023، توسع سوق الألعاب المحلي في كوريا الجنوبية بنسبة 47%، لتصل قيمته إلى 22.96 تريليون وون (11.7 مليار جنيه إسترليني)، مع ارتفاع صادرات الصناعة بنسبة 41% في ذلك الوقت لتصل إلى 10.96 تريليون وون (5.6 مليار جنيه إسترليني)، وشكل هذا السوق ما يقرب من ثلثي إجمالي صادرات المحتوى الكوري، متجاوزًا بفارق كبير أي قطاع ثقافي آخر، بما في ذلك موسيقى الكي-بوب (K-pop).
أهمية التكامل بين الأسرة والحكومة
لتحقيق الأرباح من هذا القطاع الواعد، الذي يحقق أرباحًا ملياريةً إن تم استخدامه بالشكل الصحيح، يتطلب الأمر صياغةً لتوزيع الأدوار بين الأسرة والحكومة، إذ يقع على عاتق الأسر والمجتمع تحويل النظرة السلبية التقليدية تجاه هذه الألعاب إلى توجيه إيجابي يكتشف المواهب المبكرة ويدعمها كمسارات مهنية مستقبلية، بالتوازي مع تعزيز الوعي التربوي بآليات الاستهلاك الرقمي الرشيد.
ومن جهة ثانية، يأتي دور الحكومة في وضع الأطر التشريعية والتنظيمية المحفزة، وتقديم التسهيلات للمستثمرين، وتضمين مهارات التطوير الرقمي في المناهج التعليمية بجرعات مدروسة، وهذا ما تشهده السلطنة في خطوات مدروسة. كما تكتمل هذه الحلقة بقيام الشركات والمؤسسات التمويلية بدورها في رعاية الابتكارات المحلية، وتمويل المشاريع الناشئة في مجال صناعة المحتوى والبرمجيات، لتحقيق تحول حقيقي ينتقل بالمجتمع والدولة من مرحلة الاستهلاك إلى ريادة الإنتاج الرقمي.
المصادر:





