رصد - أثير
عادت الولايات المتحدة وإيران إلى حالة الحرب مجدداً مع تدفق السفن عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن للجانبين من الناحية الجوهرية الهدف الاستراتيجي النهائي نفسه، وهو إعادة فتح المضيق في كلا الاتجاهين.
ويكمن خلافهما الحقيقي حول حجم السيطرة والنفوذ الذي سيتمتع به كل طرف في إدارة هذا الممر الملاحي العالمي الحرج في مرحلة ما بعد الحرب.
وترى إيلي جرانمايه نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مقال منشور في فورين بوليسي، إن الفجوات بين الطرفين يمكن جسرها، وسيكون من قبيل التهور البالغ أن تواصل الولايات المتحدة وإيران عمليات القصف المتبادلة.
وأشارت جرانمايه في مقالها الذي رصدته ”أثير“، إلى حروب العام الماضي، إذ أثبتت لكلا الجانبين بالفعل أن الخيارات العسكرية محدودة. وبينما يتنافس الطرفان لتعزيز أوراق ضغطهما على مضيق هرمز ، فإنهما يخاطران بالإنزلاق إلى حرب أوسع نطاقاً قد تشمل ضربات إسرائيلية على البنية التحتية الحيوية لإيران وهجمات حوثية في البحر الأحمر، مما يعني فعلياً إغلاق ممر ملاحي رئيسي آخر في العالم.
وبالنسبة لإيران، أصبح المضيق رمزاً للانتصار على الولايات المتحدة وإسرائيل وضمانة لبقائه. كما أن قدرته على قطع الطريق المؤدي إلى المضيق أثبتت أنها سلاح لتعطيل الاقتصاد العالمي بشكل جماعي، وربما تكون أقوى أداة ردع يملكها ضد أي هجمات مستقبلية. وبالتالي، سيتعين على أي رئيس أمريكي أن يفكر مرتين قبل السير في طريق حرب تهدف إلى تغيير النظام في إيران.
وكلما ضاعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب" من ”سياسة الضغوط القصوى“ ضد إيران، زادت طهران من تصلب موقفها بشأن المضيق. وفي الأيام الأولى لقرار وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، أعلنت إيران أن المضيق مفتوح بالكامل" أمام جميع السفن التجارية عبر ”مسار“ منسق”، في إشارة إلى أنها سترفع الرسوم الفعلية التي فرضتها خلال الحرب وستسهل حركة العبور ولكن في اليوم نفسه، أكد ترامب أن الولايات المتحدة ستواصل حصارها البحري، مما أثار رد فعل عنيف من جانب الجيش الإيراني الذي اعتبر ذلك انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
وبناءً على ذلك، تراجعت إيران عن موقفها ، وأغلقت المضيق مؤقتاً، وأنشأت هيئة" مضيق الخليج الفارسي الجديدة في مايو لإدارة العبور التجاري بشكل أكثر رسمية.
وقد تلا ذلك تجاذب مماثل عقب مذكرة التفاهم الأخيرة بين البلدين؛ إذ فسرت إيران المادة الخامسة على أنها تمنحها الحق في الإشراف على الملاحة في المضيق خلال فترة الهدنة البالغة ٦٠ يوماً. وفي المقابل، وسعت الولايات المتحدة دعمها للسفن التي تستخدم مساراً جنوبياً يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية، لكن طهران أدركت أن واشنطن كانت تكرّس هذا المسار كأمر واقع جديد، مما يقلل من سيطرة إيران على المضيق، ويضعف أوراق ضغطها في المفاوضات وقدرتها على الردع مستقبلاً. ورداً على ذلك، أطلقت إيران النار على السفن التي تستخدم ذلك المسار
وبإقدامها على ذلك، كانت إيران مستعدة للمخاطرة بإنهيار مذكرة التفاهم بالكامل. وكما أوضح مؤخراً معلق إيراني مقرب من فريق التفاوض عبر التلفزيون الحكومي: ”إما أن نتمسك بهذا المضيق، أو نذهب ونستشهد من أجله واحداً تلو الآخر“ . وبالفعل، أدى هذا إلى إطلاق أكبر قصف أمريكي داخل إيران منذ أشهر، مما دفع ترامب لإعلان إنهاء وقف إطلاق النار.
آفاق التسوية والدور الصيني
بينما يمثل الاحتفاظ بالسيطرة على المضيق خطاً أحمر لطهران حالياً، فقد أبدت بالفعل انفتاحاً على التفاوض مع سلطنة عُمان بشأن درجة هذه السيطرة. وفي نهاية المطاف، تدرك إيران أن التوصل إلى حل وسط أمر ضروري؛ فما لم تعد حركة الشحن إلى طبيعتها، ستظل إيران نفسها مقيدة بالحصار البحري الأمريكي الذي أعاد ترامب فرضه.
كما أن الصين، التي تشتري ما يقرب من ٩٠٪ من صادرات النفط الإيرانية، تعتمد هي الأخرى على إعادة فتح المضيق ولم تؤيد أسلوب إيران في السيطرة على الممر المائي.
وبناءً على ذلك، يُرجح أن تكون بكين الطرف الأكثر تأثيراً في دفع طهران نحو تبنى حل وسط. علاوة على ذلك، كلما طالت فترة تعطيل إيران للمضيق، تراجعت قيمته المستقبلية مع سعي الدول الأخرى لتنويع مساراتها بعيداً عنه.
وتفتح هذه العوامل مساحة للتسوية، إذ ينبغي لجهود الوساطة أن تركز أولاً على وضع ترتيب عبور مؤقت للأسبوعين أو الأسابيع الستة المقبلة، إلى حين التوصل إلى حل دائم يحظى بدعم إقليمي. وتتمثل إحدى الأفكار المطروحة بحسب كاتبة المقال، في إنشاء مركز تحكم عُماني إيراني مشترك جديد بضوء أخضر أمريكي) يمنح تصاريح أمنية لأعداد متساوية من السفن لاستخدام المسارين الشمالي والجنوبي للمضيق دون رسوم، كما نصت على ذلك مذكرة التفاهم. وهناك خطوة رئيسية أخرى تتمثل في التوصل إلى اتفاق علني بين الولايات المتحدة وإيران لمنع الاحتكاك في المضيق، بما في ذلك تعليق عبور السفن العسكرية التي قد تؤدي سريعاً إلى تجدد القتال.
وخلال فترة بناء الثقة هذه، يتعين على الولايات المتحدة وإيران الاتفاق على نظام لتطهير الألغام في خط تقسيم حركة المرور الأصلي الذي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة عام ١٩٦٨. وقبل الحرب، كان هذا المخطط هو المسار المفضل نظراً لسلامته وعمقه، إلا أن السفن تجنبته منذ أن أعلنت إيران أنه غير آمن، وسط مخاوف من قيام إيران بتلغيم المنطقة.
وكانت إيران قد رفضت القيام بعمليات إزالة الألغام بواسطة البعثة البحرية التي تقودها أوروبا، على الرغم من قدراتها المتقدمة والمجهزة بالفعل للانتشار السريع في المضيق.
ومن غير المرجح أن تسلم طهران مهمة حساسة كهذه لجيوش حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبدلاً من ذلك، قد تقبل الدعم من دول تعتبرها محايدة أو صديقة، بما في ذلك اليابان التي تمتلك قدرات متطورة في في كنس الألغام. وسيتعين على طرف ثالث، يحظى بثقة قطاع الشحن العالمي، أن يضمن خلو المضيق من الألغام قبل استئناف حركة الشحن.
حتمية الرسوم والحلول طويلة الأجل
على المدى الطويل، قد يكون فرض هيكل رسوم خدمات إقليمي، يفيد إيران ويعكس دورها، أمراً لا مفر منه. وقد أضفى ترامب الشرعية على هذا المفهوم عندما أعلن سابقاً عن قيمة ابتزازية تبلغ ۲۰% كرسوم على السفن الراغبة في عبور هرمز، ورغم تراجعه السريع عن ذلك بعد ضغوط من شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن ترامب سيصر على الأرجح على مشاركة الولايات المتحدة أيضاً في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية
للرسوم.
ولكي يكون هذا النظام قابلاً للتطبيق، يجب أن يتماشى مع القانون الدولي، بحيث تغطي الرسوم خدمات مثل مكافحة التلوث، والأمن، ودعم الملاحة ومن الناحية السياسية، سيتطلب ذلك أيضاً دعماً إقليمياً ومشاركة نشطة من الدول المشاطئة للمضيق. وينبغي للأطراف الدولية تشجيع طهران وواشنطن على قبول إشراف طرف ثالث على مثل هذا الصندوق ؛ وستكون المنظمة البحرية الدولية (IMO)، التي تدير بالفعل صندوقاً ائتمانياً لمضيق مؤهلة تماماً للقيام بهذا الدور.
إن الاستعانة بجهة تابعة لطرف ثالث من شأنه أن يمنح نظام إدارة مضيق هرمز مصداقية واستدامة أكبر. ويُفترض أن تكون إيران منفتحة على مثل هذا الهيكل لأنه سيعزز فرص تأمين الإعفاءات من العقوبات الأمريكية اللازمة للسماح للشركات التجارية بدفع الرسوم لإيران.
وكلما ظل المضيق نقطة نزاع، زاد تمترس الجانبين في مواقعهما، مما يوقع طهران وترامب في حلقة مفرغة ومستمرة من الحرب. وسيكون من الغباء أن يتخلى أي من الطرفين عن مذكرة التفاهم ويواصل القتال عالي المخاطر الذي شهدته الأيام الأخيرة، فليس من المرجح أن يحقق أي طرف ما عجز عام كامل من القصف المتقطع عن تحقيقه. وفي نهاية المطاف، سيتعين على الجانبين العودة إلى الدبلوماسية، ولكن بعد إهدار المزيد من الأرواح والموارد، مع احتمالية إضعاف أوراق الضغط التي يمتلكانها حالياً.





