ماذا يكشف توسع أسياد في أوزبكستان عن الاستراتيجية اللوجستية لعُمان؟

أغلقت مجموعة أسياد صفقة استحواذ على حصة مسيطرة في بوابتين لوجستيتين بطشقند لتأمين ربع حركة حاويات السكك الحديدية في أوزبكستان وتوجيه الشحن لموانئ عُمان.

ماذا يكشف توسع أسياد في أوزبكستان عن الاستراتيجية اللوجستية لعُمان؟
ماذا يكشف توسع أسياد في أوزبكستان عن الاستراتيجية اللوجستية لعُمان؟
أثير – محمد الدغيشي
أعلنت مجموعة أسياد، المزود العالمي للخدمات اللوجستية المتكاملة والذراع اللوجستية لجهاز الاستثمار العماني، إغلاق صفقة استراتيجية للاستحواذ على حصة مسيطرة في منصات لوجستية رئيسية داخل أوزبكستان، في خطوة تمثل أول دخول مباشر للمجموعة إلى سوق الخدمات اللوجستية الأسرع نموًا في آسيا الوسطى. وبخلاف ما قد يبدوعليه الخبر في ظاهره كصفقة استحواذ خارجية عابرة، فإن توقيته ومضمونه يكشفان عن تحول أعمق في الفلسفة التي تحكم تموضع عُمان داخل سلاسل التجارة العالمية.
ما الذي امتلكته أسياد فعليا؟
نفذت الصفقة بالشراكة مع مجموعة أورينت الأوزبكية والشركة الأوزبكية العُمانية للاستثمار، وتمنح أسياد ملكية لبوابتين لوجستيتين حيويتين في شبكة الشحن بطشقند: الخدمات اللوجستية العالمية (ULS) ومركز الخدمات اللوجستية للطرق السريعة (HLC) . تستحوذ هذه الأصول، بحسب البيان الصادر عن المجموعة، على ما يقرب من ربع حركة حاويات السكك الحديدية في أوزبكستان، إلى جانب حصة مهيمنة في قطاع التخزين المتميزهناك.
الأهم من حجم الأصول هو موقعها الوظيفي: محطات داخلية متعددة الوسائط (Dry Ports) تقع على تقاطع ممرات تربط الصين وأوروبا بالشرق الأوسط واقتصادات آسيا الوسطى المجاورة. تقول أسياد إنها تنشئ “اتصالاً مباشرًا” بين موانئ عُمان وهذا السوق، أي أن البضائع التي تعبر طشقند كما يمكن نظريًا توجيهها عبر السكك الحديدية والطرق إلى الموانئ العُمانية بدلاً من مسارات أخرى.
من ميناء إلى شبكة بضائع
هنا تكمن الزاوية الأهم بالنسبة لعُمان. فلسنوات طويلة، كانت استراتيجية الموانئ العمانية (الدقم، وصحار، وصلالة) تقوم على افتراض أساسي، وهو بناء بنية تحتية تنافسية على الساحل، ثم انتظار أن تختار خطوط الشحن العالمية وشركات إعادة التصدير المرور عبرها بحكم الموقع الجغرافي والكفاءة التشغيلية. ما تشير إليه صفقة أوزبكستان هو منطق مختلف، أن تمتلك سلطنة عُمان، عبر أسياد، حلقات من السلسلة اللوجستية نفسها في نقاط منشأ أو عبور البضائع، بعيدا عن الساحل العُماني تماما. حين تصبح أسياد مالكة لمحطة داخلية في طشقند تتحكم في ربع حركة الحاويات بالسكك الحديدية، فإنها لا تنتظر أن “تأتي” البضائع إلى عُمان، بل تصبح جزءًا من القرار الذي يحدد إلى أين تذهب هذه البضائع من الأساس. الفرق بين الوضعين هو الفرق بين “ميناء ينافس على استقبال شحنة; و”شبكة تملك جزءًا من قرار توجيه الشحنة.
سياق سياسي
قد يبدو اختيار أوزبكستان لأول وهلة مفاجئا، فهي دولة حبيسة لا تطل على أي بحر، في حين أن جوهر نشاط مجموعة أسياد يقوم على إدارة الموانئ والخدمات البحرية. لكن هذا التناقض الظاهري هو في الواقع ما يفسرأهمية الصفقة لأنه في الاقتصاد اللوجستي الحديث تبدأ السيطرة من النقطة التي تتخذ فيها البضائع قرارها الأول بشأن الطريق الذي ستسلكه نحو الأسواق العالمية.
تعد أوزبكستان أكبر دول آسيا الوسطى من حيث عدد السكان، إذ يتجاوز عدد سكانها 37 مليون نسمة، كما تقع في قلب شبكة النقل الإقليمية التي تربط الصين شرقا، وروسيا شمالًا، وإيران والخليج جنوبًا، والقوقاز وأوروبا غربًا. وبحكم هذا الموقع، أصبحت طشقند محطة عبور رئيسية للحاويات القادمة من المصانع الصينية والمتجهة نحو أسواق متعددة، ليمنحها دورًا يتجاوز حدود السوق المحلية إلى كونها عقدة لوجستية إقليمية. وتزداد أهمية هذا الموقع في ظل التحولات التي يشهدها النظام التجاري العالمي. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تعرضت الممرات التقليدية التي كانت تعبر الأراضي الروسية إلى ضغوط سياسية وعقوبات اقتصادية، بينما دفعت الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر كثيرًا من شركات الشحن إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا. وفي الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تنويع منافذ مبادرة الحزام والطريق وعدم الاعتماد على مسار واحد أو دولة واحدة، الأمر الذي منح آسيا الوسطى مكانة متقدمة في حسابات التجارة الدولية.
في هذا السياق، برز ما يعرف بـ“الممر الأوسط” الذي يربط الصين بآسيا الوسطى ثم بحر قزوين والقوقاز وأوروبا، كأحد أهم البدائل للممرات التقليدية. ورغم أن جزءا كبيرًا من الاهتمام انصب على دوره في ربط الصين بأوروبا، فإن الأهمية الحقيقية بالنسبة لعُمان تكمن في أن هذه الشبكات لا تتحرك في اتجاه واحد، بل يمكن أن تتفرع جنوبًا نحو الخليج العربي والمحيط الهندي إذا توافرت بنية لوجستية قادرة على استيعابها. على هذا الأساس، يمكن فهم استثمار أسياد في طشقند. فالهدف لا يقتصر على دخول سوق جديدة أو زيادة الإيرادات من خدمات التخزين والمناولة، وإنما يتمثل في التواجد داخل إحدى أهم نقاط اتخاذ القرار في حركة البضائع. فالشحنة التي تصل إلى محطة داخلية في أوزبكستان لا تكون قد حسمت بعد الميناء الذي ستغادر منه، أمام تنوع الخيارات، منها الموانئ الإيرانية، والموانئ الروسية، وبعض الموانئ الخليجية. وكلما امتلكت أسياد حضورا تشغيليًا داخل هذه الحلقة، ازدادت قدرتها على توجيه جزء من تلك التدفقات نحو موانئ صحار والدقم وصلالة.
وللصفقة بعد سياسي لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي. فسلطنة عُمان تنتهج منذ سنوات سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي والانفتاح على مختلف الشركاء، ومعناه البحث عن قدرة أكبر على العمل مع أطراف متنافسة في النظام الدولي. فبينما تنظر بعض الدول إلى آسيا الوسطى باعتبارها ساحة تنافس بين الصين وروسيا والغرب، تظهر عمان أكثر اهتماما بتحويل هذا التنافس إلى فرصة اقتصادية، من خلال بناء روابط لوجستية مع الجميع دون الانخراط في الاستقطابات السياسية. كما تمنح هذه الاستثمارات عمان هامشا أوسع في مواجهة التحولات الجيوسياسية التي قد تؤثر في حركة التجارة مستقبلا. فبدلاً من الاعتماد على موقعها الجغرافي وحده لجذب السفن، تصبح شريكا مباشرا في إدارة شبكات النقل داخل القارة الآسيوية نفسها. وهذا التحول يعكس انتقالًا من مفهوم “الدولة التي تنتظر التجارة” إلى مفهوم “الدولة التي تشارك في صناعة مسارات التجارة“. وبهذا المعنى، لا تمثل أوزبكستان سوقًا جديدة بالنسبة لأسياد فحسب، بل تمثل نقطة ارتكاز في استراتيجية أوسع تسعى إلى نقل المنافسة من الأرصفة البحرية إلى الشبكات اللوجستية العابرة للحدود. ذلك أن الموانئ اليوم تنافس على امتلاك النفوذ داخل سلاسل الإمداد قبل أن تصل البضائع إلى البحر، وهو ما قد يفسر لماذا اختارت أسياد أن تبدأ توسعها في آسيا الوسطى من قلب طشقند، لا من ساحل جديد.
سياق إحصائي
لوضع هذا التوسع في سياقه، تشير النشرة الإحصائية الشهرية للمركزالوطني للإحصاء والمعلومات (مايو 2026) إلى أن نشاط النقل والتخزين ساهم بنحو 2.3 مليار ريال عماني في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة خلال الربع الرابع من عام 2025، بنمو طفيف نسبته نحو 0.2% مقارنة بالربع المماثل من العام السابق، وبنمو سنوي أكبر عند النظر إلى إجمالي الفترة من يناير إلى ديسمبر. هذا النمو المتواضع نسبيًا في القطاع التقليدي يجعل من توسعات أسياد الخارجية رافعة محتملة لخلق تدفقات شحن جديدة لا تعتمد فقط على السوق المحلي أو الإقليمي التقليدي. كما تظهر بيانات التجارة الخارجية ارتفاعًا ملحوظًا في الواردات من الصين بنسبة تقارب 23% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، في وقت شهدت فيه الصادرات غيرالنفطية تراجعًا طفيفًا. هذه الأرقام تؤكد أن المحور الصيني الآسيوي يكتسب وزنا متزايدا في الميزان التجاري العماني، وهو بالضبط المحور الذي تستهدفه أسياد عبر بوابتها الجديدة في أوزبكستان، التي تصف نفسها بأنها جسر بين الصين وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
“نملك القطارات وليس الحقول”
يضيء هذا التوسع اللوجستي على نمط استثماري أوسع تتبناه المؤسسات السيادية العمانية. ويرى رئيس جهاز الاستثمار العماني، معالي عبدالسلام بن محمد المرشدي، الجهاز لا يسعى لزراعة كل ما تحتاجه السلطنة محليًا، وهو أمر تحدّه طبيعة عُمان الجغرافية والمائية، بل يمتلك حصصا في شركات تتاجر بالقمح والحبوب التي تشكل ما بين 25% و30% من استهلاك دول مجلس التعاون الخليجي، بل ويملك أسطولا من عربات القطارات (79 ألف عربة في دولة واحدة، و6 آلاف عربة أخرى مخصصة لنقل الحبوب إلى موانئ تديرها عُمان في دولة ثانية) يمتد من وسط آسيا إلى أمريكا الجنوبية.
أسئلة لا تزال مفتوحة
يبقى التحول من “نية استراتيجية” إلى “تدفق شحن فعلي” نحو الدقم وصحار وصلالة رهينًا بعوامل تشغيلية لم تحسم بعد. فالمسافة البرية والسككية بين طشقند والموانئ العُمانية تستلزم عبور حدود وأنظمة جمركية متعددة، وهو ما يفسر إشارة المسؤولين في البيان الرسمي إلى أهمية “التخليص الجمركي” و“تسليم الميل الأخير” كجزء من القدرة المتعددة الوسائط التي تسعى أسياد لبنائها. كما أن المنافسة على ممرات التجارة الأوروبية الآسيوية تشمل لاعبين إقليميين آخرين يطورون ممرات بديلة عبر إيران أو روسيا أو الموانئ الخليجية المنافسة. السؤال الذي سيحدد نجاح هذا التوسع، ليس فقط حجم الأصول التي امتلكتها أسياد في طشقند، بل مدى قدرتها على تحويل هذه الملكية إلى مسارات
شحن تفضل عمليًا من حيث التكلفة والزمن عبور عُمان، في منافسة مفتوحة مع مسارات تجارية راسخة منذ عقود. وهنا يصبح الاستحواذ، كما وصفه الرئيس التنفيذي لأسياد، “موطئ قدم تشغيلي” أكثر من كونه ضمانة نتائج، بداية لمرحلة تحتاج عُمان خلالها إلى إثبات أن امتلاك حلقات من السلسلة كافي لإعادة توجيه جزء من تجارة تبلغ مليارات الدولارات نحو سواحلها.
المصادر:

Enhancing the Competitiveness of the Trans‑Caspian Transport Corridor in Central Asia

Study on sustainable transport connections with Central Asia

شارك هذا الخبر