سباق المعادن يصل إلى قاع المحيط: هل تخبئ بحار عُمان كنوز المستقبل؟

عن الكاتب

سباق المعادن يصل إلى قاع المحيط: هل تخبئ بحار عُمان كنوز المستقبل؟
المحيط
رصد - أثير
بينما تتجه أنظار العالم إلى الفضاء بحثاً عن موارد جديدة، تنفتح على كوكب الأرض جبهة اقتصادية مختلفة تماماً، لكن هذه المرة في أعماق المحيطات.
فمع إعلان السلطة الدولية لقاع البحار التابعة للأمم المتحدة اليوم استعدادها للنظر في أول طلب تجاري للتعدين في أعماق البحار خلال شهر يوليو الجاري وفقًا لما نشرته وكالة الأنباء العُمانية، يقف العالم أمام مرحلة قد تعيد رسم مستقبل الصناعات المعتمدة على المعادن الحيوية.
وفي خضم هذا التحول العالمي، يبرز تساؤل مهم بالنسبة لسلطنة عُمان: هل تخبئ بحار سلطنة عُمان، الممتدة على أكثر من 3165 كيلومترًا والمطلة على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، ثروات معدنية يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني مستقبلاً؟
جذور السباق نحو أعماق البحار
لم يبدأ الاهتمام بالتعدين البحري من فراغ؛ إذ تسارع خلال العامين الماضيين بعدما فعّلت دولة ناورو بنداً قانونياً يلزم السلطة الدولية لقاع البحار بالنظر في طلبات التعدين التجاري، ما وضع الهيئة الأممية أمام ضرورة الإسراع في وضع قواعد تنظيمية واضحة قبل بدء مرحلة الاستغلال التجاري.
ويرى مؤيدو التعدين البحري أن العالم يواجه تحدياً متزايداً في تأمين المعادن الحيوية، مثل النحاس والكوبالت والنيكل والمنغنيز، التي أصبحت مكونات أساسية في صناعات المستقبل، خصوصاً السيارات الكهربائية وبطاريات تخزين الطاقة وتقنيات التحول نحو الطاقة النظيفة.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على هذه المعادن قد يتضاعف أربع مرات بحلول عام 2040، مدفوعاً بالتوسع في صناعة السيارات الكهربائية وبطاريات الشبكات لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ. إلا أن الاعتماد المتزايد على التعدين البري قد يعني استمرار هيمنة الصين على سلاسل توريد هذه المعادن، إلى جانب الكلفة البيئية المرتفعة المرتبطة بإزالة الغابات، والعمل القسري، وتشريد المجتمعات.
كيف تُستخرج المعادن من أعماق البحار؟
تختبر المجموعات البحرية حالياً 3 طرق رئيسية لاستخراج المعادن من قاع المحيط، أبرزها استخدام سفن متخصصة لشفط العقيدات متعددة المعادن من الأعماق ونقلها عبر خراطيم مرنة ضخمة يصل طولها إلى نحو 4 كيلومترات.
وتشبه هذه العقيدات كرات صخرية صغيرة غنية بالمعادن، تتكون على مدى ملايين السنين في قاع المحيط، وتحتوي على عناصر استراتيجية مثل النحاس والكوبالت والنيكل والمنغنيز، وهي معادن يثير استخراجها من اليابسة جدلاً واسعاً بسبب ارتباطه بأضرار بيئية واجتماعية.
وفي المقابل، يحذر علماء البيئة من أن التعدين في أعماق البحار قد يؤدي إلى تدمير نظم بيئية حساسة لم تُدرس بالكامل بعد، خصوصاً في منطقة كلاريون-كليبرتون بالمحيط الهادئ، التي تعد من أكثر البيئات البحرية تنوعاً أحيائياً، وتضم كائنات نادرة مثل الأسماك الشبحية الشفافة، وأخطبوط دمبو، وشقائق النعمان العملاقة.
وتتركز أبرز المخاوف البيئية في:
  • تدمير الموائل البحرية: إذ قد تؤثر عمليات التعدين في كائنات تعيش في أعماق المحيطات ولم تُفهم طبيعة دورها البيئي بشكل كامل.
  • التلوث الضوضائي: الناتج عن المعدات والآلات الثقيلة، والذي قد يربك الثدييات البحرية والكائنات الحساسة للصوت.
  • اضطراب ”الثلوج البحرية“: وهي جزيئات غنية بالكربون والمغذيات تستقر في قاع المحيط وتحتاج آلاف السنين لتتشكل، حيث قد تؤدي نفايات المياه الناتجة عن عمليات التعدين إلى خلطها والإضرار بالتوازن البيئي.
ماذا عن سلطنة عُمان؟
اشتهرت سلطنة عُمان منذ آلاف السنين بإنتاج النحاس، ويُعد قطاع التعدين اليوم أحد القطاعات المستهدفة في رؤية عُمان 2040 لتنويع الاقتصاد الوطني.
ومع تنامي الاهتمام العالمي بالتعدين البحري، تبرز تساؤلات حول الإمكانات التي قد تزخر بها المياه العُمانية، فبحر العرب والمحيط الهندي يتميزان بخصائص جيولوجية نشطة، تشمل مناطق التصدعات والأعراف المحيطية، وهي بيئات ترتبط غالباً بتكوّن الرواسب المعدنية الحرمائية والعقيدات الغنية بالمعادن.
ورغم عدم وجود مؤشرات حتى الآن على وجود احتياطيات اقتصادية في المياه العُمانية، فإن هذه الخصائص تجعل المنطقة مرشحة للدراسة والاستكشاف العلمي.
وإذا قررت سلطنة عُمان مستقبلاً استكشاف هذا المجال، فإن ذلك يتطلب التعامل معه من منظور علمي وإستراتيجي، من خلال إجراء مسوحات جيولوجية بحرية متخصصة، وحماية الاقتصاد الأزرق ومتابعة التطورات التشريعية الدولية، ولا سيما ما يصدر عن السلطة الدولية لقاع البحار، بما يتيح للسلطنة تطوير إطار قانوني ينظم أي أنشطة استكشافية أو استثمارية مستقبلية، ويحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
يبقى قاع المحيطات أحد آخر الحدود غير المستكشفة على كوكب الأرض، ومع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، قد تتحول البحار إلى مصدر جديد للمعادن الإستراتيجية التي يعتمد عليها اقتصاد المستقبل.
وبالنسبة لعُمان، فإن السؤال لا يتعلق فقط بوجود هذه الثروات، بل بكيفية التعامل معها إذا ثبتت جدواها، فاستغلال الموارد البحرية يتطلب رؤية بعيدة المدى توازن بين الفرص الاقتصادية والمسؤولية البيئية، بما يضمن الحفاظ على ثروة بحرية تمثل جزءاً أساسياً من مستقبل سلطنة عُمان.

شارك هذا الخبر