أثير: أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الأسرية
هل تعلم أن الزواج ليس مجرد علاقة تجمع بين رجل وامرأة ولا عقدًا اجتماعيًا تُؤدَّى من خلاله الحقوق والواجبات فحسب، بل هو في جوهره سكينة وطمأنينة وأمان؟ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ إن التعبير القرآني ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ يحمل معنى عميقًا فالزواج شُرع لتجد النفوس فيه الراحة وتشعر القلوب معه بالأمان ويجد كل طرف في شريك حياته ملاذًا من ضغوط الحياة ومتاعبها. ولم يُخلق الزواج ليكون ساحة للصراع أو ميدانًا لإثبات القوة والسيطرة أو مصدرًا دائمًا للخوف والتوتر، وإنما ليكون بيتًا نفسيًا يأوي إليه الزوجان ويجدان فيه الطمأنينة والاستقرار.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ والمودة ليست مشاعر جميلة يحتفظ بها الإنسان في قلبه فقط بل هي حب يظهر في التعامل اليومي في الكلمة الطيبة والاهتمام والتقدير والإنصات والاحتواء ومراعاة احتياجات شريك الحياة فالحب الذي لا يظهر في السلوك قد لا يشعر به الطرف الآخر مهما كان صادقًا في القلب.
أما الرحمة فتظهر بصورة أوضح في أوقات الخلاف والتعب والمرض والضعف. وهي ليست شفقة من طرف قوي على طرف ضعيف بل قدرة على الرفق والتجاوز والعفو والصفح ومراعاة الظروف وعدم استغلال أخطاء الطرف الآخر لإهانته أو الانتقاص من كرامته. فمن السهل أن نتعامل بلطف عندما تكون الأمور مستقرة لكن الاختبار الحقيقي للعلاقة يظهر عندما نغضب أو نختلف أو نمر بضائقة نفسية أو مالية أو صحية.
والزواج الناجح ليس زواجًا مثاليًا يخلو من الاختلافات وإنما هو زواج يعرف فيه الطرفان كيف يختلفان دون أن يجرح أحدهما الآخر، وكيف يناقشان المشكلة دون أن تتحول إلى معركة. فالعلاقة الحقيقية لا تُقاس بلحظات الحب والانسجام وحدها بل تُقاس أيضًا بكيفية تعامل الزوجين في أصعب الأوقات.
وللحد من الصراع وإضفاء السكينة على الحياة الزوجية يمكن للزوجين اتباع مجموعة من الإجراءات العملية:
أولًا: اختيار الوقت المناسب للحوار. ليس كل وقت صالحًا لمناقشة المشكلات فلا ينبغي فتح موضوع حساس عند الغضب أو الإرهاق أو أمام الأبناء. الأفضل الاتفاق على وقت هادئ يكون فيه الطرفان مستعدين للاستماع والنقاش.
ثانيًا: التوقف المؤقت عند تصاعد الغضب. عندما ترتفع الأصوات ويزداد الانفعال يصبح الحوار أقل فائدة وأكثر ضررًا. يمكن لأحد الزوجين أن يقول: «أحتاج إلى بعض الوقت حتى أهدأ، ثم نكمل حديثنا». ويجب أن تكون الاستراحة وسيلة للتهدئة لا عقابًا أو هجرًا طويلًا.
ثالثًا: الحديث عن المشكلة دون مهاجمة الشخص. بدلًا من قول: «أنت لا تهتم أبدًا»، يمكن القول: «أشعر بالحزن عندما لا نجد وقتًا للحديث». فالتركيز على المشاعر والسلوك المحدد يقلل دفاعية الطرف الآخر ويساعد على الوصول إلى حل.
رابعًا: الإصغاء بقصد الفهم لا بقصد الرد. يحتاج كل طرف إلى أن يمنح شريكه فرصة كاملة للتعبير دون مقاطعة أو سخرية أو استعجال. ومن المفيد إعادة صياغة ما قاله الطرف الآخر للتأكد من فهمه مثل: «أفهم من كلامك أنك شعرت بعدم التقدير هل هذا صحيح؟
خامسًا: منع الكلمات التي تهدم الأمان. الإهانة والتهديد بالطلاق والتذكير بالأخطاء القديمة والمقارنة بالآخرين وإدخال الأهل في كل خلاف ممارسات توسع المشكلة وتترك جروحًا يصعب علاجها. فالاختلاف لا يبرر إسقاط الاحترام.
سادسًا: الاتفاق على قواعد ثابتة للخلاف منها عدم رفع الصوت وعدم مغادرة المنزل وقت الغضب وعدم نشر أسرار الحياة الزوجية وعدم مناقشة النزاع أمام الأبناء. وجود هذه القواعد يحمي العلاقة عندما تشتد الانفعالات.
سابعًا: صناعة لحظات يومية للمودة. السكينة لا تُبنى أثناء الأزمات فقط وإنما من خلال تفاصيل بسيطة تتكرر يوميًا مثل السلام والابتسامة والسؤال عن الحال وتناول وجبة مشتركة وإرسال رسالة لطيفة وتقديم الشكر على الأعمال المعتادة وتخصيص وقت أسبوعي للحوار بعيدًا عن الهواتف.
ثامنًا: الاعتذار والإصلاح بعد الخلاف. الاعتذار الصادق لا ينتقص من قيمة الإنسان بل يدل على نضجه. ومن المهم ألا يكتفي الزوجان بإنهاء الشجار بل يناقشان سببه ويتفقان على خطوة عملية تمنع تكراره.
تاسعًا: طلب المساعدة المتخصصة عندما تتكرر النزاعات أو يصعب احتواؤها. فالتوجه إلى المرشد الأسري ليس علامة على فشل الزواج بل خطوة واعية لحمايته قبل أن تتراكم الجروح وتتسع الفجوة.
وأخيرًا، اسأل نفسك بصدق: هل يجد شريك حياتي معي الراحة أم الضيق؟ وهل كلماتي تبني الأمان أم تهدمه؟ وإذا فقدت السكينة فلا تبدأ بإلقاء اللوم كله على الطرف الآخر بل راجع سلوكك أولًا. فالسكينة لا تأتي بالمصادفة وإنما تُبنى كل يوم بكلمة طيبة وموقف رحيم واعتذار صادق وحوار هادئ حتى يصبح الزواج وطنًا للنفس وسكنًا للقلب وأمانًا في رحلة الحياة.






