أثير- محمد حسن
كاتب وباحث سوري
ربما سيفهمني جيداً من واكب مرحلة من تاريخ سلطنة عُمان في بداية الثمانيات عندما عصفت بالمنطقة الحرب بين العراق وإيران، أو ربمّا من قرأ عن تلك المرحلة وأنا منهم، عندما قرأتُ فصول هذه المرحلة وتعقيداتها المحيطة بالمنطقة ومضيق هرمز، وتتبعت مقابلات جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، في كتاب “صحفيون في بلاط صاحب الجلالة” ففي معرض جوابه عن الأوضاع في المنطقة تلمست خيطاً واضحاً في كل مقابلات جلالته عن تلك المرحلة لدرجة أني أردت إسقاط فلسفته في التفكير وطريقته على مناحي حياتي المختلفة، فمما شدّ في دهشتي أنه بالرغم من تعقيدات المشهد والحالة الانفعالية التي ترافقه والضغط الذي يولده على القلوب والعقول، كان جلالة السلطان يتكلم بثقة المستنير العارف، وكأنه يرصد الحدث من خارج دائرته الحاكمة ويشرحّه بنظرة ثاقبة تجلو خفاياه، حتى يتحول التعقيد إلى انفراجة مدهشة ويكون الترياق بسيطاً بقطع السياق عن سياقه، وعدم تحميل الموقف تبعات تساهم في تعقيد الرؤية وتنشر الضباب في منطقة تمتلئ بعوادم الدخان التي تنشر رياح الخماسين في كل حدب وصوب، فيكون قطع السياق عن سياقه ليس انفصالاً عن الواقع وإنما حكمة تتطلبها الظروف الحرجة ومبضع جرّاحٍ ماهر يستأصل الورم المركز ليحافظ على الجسد كاملاً معافى حتى تتضح الرؤية وتولد إمكانية استكشاف السياق الصحيح.
لطالما كان العُمانيون من أصحاب النظرة الواقعية والموضوعية التي لا تقفز على مصاعب الواقع أو تتجاوزها فلم تُرد عُمان يوماً إطفاء النار بالزيت فقد كانت تعالج الأمور بالحكمة والتروي، فالعُمانيون كما وصفهم باني نهضتهم الحديثة جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه: " شعب سريع التقبل ما إن تظهر حُسن النوايا حتى يغلقوا صفحة الماضي " وهو ما ظهر جلياً في تعامل سلطنة عُمان مع محيطها في أوقات السلم والحرب وهو ما يمكننا تلمّسه من خلال رصد مراحل تاريخية سابقة يمكن البناء عليها في كل زمن وذلك بالتقصي عن مظهر الحدث وحقيقته وديناميته للنفاذ إلى كيفية التعاطي معه بما يخدم مصالح سلطنة عُمان وثوابتها، فأنا أعتقد أن التاريخ بعمومه مليء بالأحداث والتجارب التي تتشابه في جوهرها ويتكرر ظهورها بين صفحاته وهي تحتاج إلى من يقرأها بعناية ويستخلص عِبرَها ليطابق بينها وبين أحداث اليوم فتكون وسيلة للكشف عن الغامض والمُلتبِس منها.
إذا بحثنا عن جواب للحرب التي تشهدها المنطقة اليوم، سنجد ما قيل في مثلها قبل عقود حينما صرّح جلالة السلطان قابوس: “إنّ النظرة الموضوعية إلى الحرب العراقية - الإيرانية تملي علينا قدراً من حياد الرؤية وتملي علينا الإبقاء على فرص الحوار مع طهران مهما تضاءلت أمامنا الفرص في ذلك...وأظن أن الفُرس كانوا في هذا المكان منذ الأزل وسوف يظلون مثلما كان العراق ومثلما كان وجودنا كدول أو كمجتمعات خليجية...لقد كنا جميعاً في هذا المكان وسوف نبقى...تلك هي الحقيقة الأكيدة التي لا ينبغي أن تحجبها عن الرؤية سُحب الحرب الداكنة التي تتجمع فوق منطقة الخليج خصوصاً وأن أيّاً من الجانبين لا يملك بعد قدرة الحل العسكري للموقف”. مضيفاً في طريقة تعاطي عُمان مع الحرب: أنّ الأمور كان يمكن أن تتطور إلى ما هو أسوأ قياساً على حجم الحرب واستمرار سنواتها لو أننا سمحنا للعواطف أو الحماسة أن تكون عاملاً مضافاً على الموقف“.
ما قد يسترعي انتباهك أنّ سلطنة عُمان تنبأت بالمشكلة قبل وقوعها واقترحت حلها أيضاً ففي مقابلة جلالة السلطان قابوس بن سعيد مع مجلة المستقبل الباريسية عام ١٩٨٣ صرّح: " إن أهمية عُمان الاستراتيجية كبيرة جداً فهي تشكل عمقاً استراتيجياً لدول الجزيرة العربية وبالتالي عمقاً أمنياً وعسكرياً لكل دول المنطقة وبالرغم من ذلك فإن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يستثمر ذلك حتى الآن ولم يستغل الموانئ العمانية بديلاً عن مضيق هرمز“.
فقد تنبهت عُمان لأهمية المضيق وبحثت في ضرورة إيجاد بدائل عنه لتخفيف اعتماد دول الخليج العربي عليه، خاصة وأن عُمان لديها موانئ خارج المضيق وأهميته الاستراتيجية بالنسبة لها أقل من بعض دول الخليج العربي التي تعتبره شريانها الأساسي، وفي معرض رد جلالة السلطان قابوس حول فرضية إغلاق المضيق كان جوابه “أن الخيار السياسي قبل الخيار العسكري الذي يجب أن نركز عليه في حالة إقفال المضيق” وأنه لن يكون لعُمان موقف فردي إزاء إغلاق المضيق وإنما لا بد أن يكون هناك موقف جماعي وأن نرى هل في استطاعتنا وحدنا مواجهة هذا الموقف، فإذا لم يكن يمكننا أن نصنع شيئاً من خلال مجلس التعاون الخليجي فينبغي أن نرى كيف يمكن الاستعانة بالأصدقاء لمواجهة هذه الحرب لكن ذلك يتوقف بالطبع على الحالة النفسية التي سوف نواجهها“.
اليوم بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة التفاهم في قصر فرساي، تبين أنه بالرغم من ولادتها المتعثرة فقد ولدت ميتة، وتجددت الضربات المتبادلة في المنطقة مما ينذر بخطر تصعيد لا يمكن احتواءه، فعلى مدى نصف قرن مارس دونالد ترامب استعراضاً علنياً للمشي على الحبال المرتفعة، مستنداً إلى المخاطر الكبرى وتحطيم الأعراف الراسخة للحصول على ما يريد، فاليوم من خلال إعادة إشعال حرب مع إيران بعد أقل من شهر على موافقته تطبيق وقف إطلاق النار الذي أشاد هو نفسه به ووصفه بأنه ضروري لوقف أزمة اقتصادية تضاهي الكساد الكبير، يبدو ترامب وكأنه “إيكاروس” في علاقته مع الشمس، يريد الاقتراب منها كثيراً حتى يهوي بأجنحته الشمعية، فقد استنتج ترامب أن الموقف المتشدد لطهران في المفاوضات نابع من كون الولايات المتحدة لم تضرب إيران بقوة كافية خلال الحرب. ويبدو أنه غير مبالٍ بالتكاليف التي ستتحملها دول مجلس التعاون الخليجي، والاقتصاد العالمي، والتضخم، وتكلفة المعيشة الأمريكية، ناهيك عن المخاطر التي تحدق بالقوات الأمريكية، فهو يراهن على أن بضعة أسابيع أخرى من الحرب ستضعف قدرة إيران على إغلاق المضيق وتجبر طهران على اتخاذ موقف تفاوضي أكثر مرونة. إنها في أفضل الأحوال، مقامرة محفوفة بالمخاطر، فقد أصبحت طهران على قناعة متزايدة بأنه على الرغم من ولع ترامب بكسر التقاليد وهو ما قد يجعله يرغب في تحقيق سلام مع إيران، إلا أنه يفتقر إلى الانضباط والصبر الاستراتيجي لإنجاح المفاوضات حتى نهايتها، وهو ما يقوده إلى استبعاد الانضباط والبروتوكولات والأساليب التي تتطلبها الدبلوماسية الناجحة.
يمكن أن يُعزا انهيار مذكرة التفاهم نتيجة لسوء تقدير أمريكي وإيراني مشترك. فقد ذكر فانس نائب الرئيس الأمريكي أن المذكرة وُقِّعت لإعطاء فرصة لإعادة تعبئة احتياطيات النفط الاستراتيجية، وبالتالي إضعاف موقف إيران التفاوضي مع تخفيف الضغط مؤقتاً على تكاليف الوقود، أي أنها بمثابة التقاط أنفاس لترامب لمحاولة الحصول على ما يريد، فهو يحاول انتزاع ورقة المضيق من الايرانيين قبل أن يتفاوض على القضايا الأساسية، حتى لا يكونوا في وضع يسمح لهم بمقاومة مطالبه بشأن المطالبات النووية أو أي شيء آخر. وقامت إيران أيضاً بمقامرة مفادها أنها تستطيع استخدام الأيام الستين للحصول على بعض المزايا الاقتصادية من خلال الواردات وتصدير النفط، مما يجعل موقفها أقوى. بالغ ترامب في تقدير ما يمكنه فعله عسكرياً مثلما بالغ في توقعاته الأولى عندما بدأ حربه مع نتنياهو، وفشل مجدداً في المرة الثانية، والإيرانيون أيضاً يبالغون في تقدير مدى قدرتهم على المقاومة. وهذا أمر لا يعرفه على وجه الدقة كلا الطرفين.
في ممارستها الدبلوماسية تنظرُ عمان للحرب اليوم نظرةً موضوعية، معتمدةً الصراحة السياسية كمنهج يتجاوز المداهنات التقليدية، تصوغ بواسطتها آلية واقعية ومستدامة ومتوافقة مع القانون الدولي، من خلال إطار دائم من شأنه تحصين حرية الملاحة وحمايتها في مضيق هرمز، مؤكدةً نهجها القويم على لسان وزير خارجيتها السيد بدر البوسعيدي الذي أكدّ: " أنّ الطابع الاستعجالي لهذا الملف لا ينبغي أن يحجب عنا الرؤية الأشمل والأبعد، فمضيق هرمز ليس سوى حلقة في منظومة استراتيجية أوسع بكثير، تتطلب هي الأخرى تفكيراً عميقاً ومراجعة دقيقة لتحديد الشراكات القادرة فعلياً على تعزيز أمن دول الخليج، وبالتالي أمن المجتمع الدولي، إذ لا يمكن فصل الخليج عن محيطه الجغرافي المباشر، بحيث يجب أخذ الحقائق الاستراتيجية واللوجستية الأخرى بعين الاعتبار“. داعياً إلى تشبيك إقليمي فعّال بين دول المنطقة ككل بحيث تستفيد شعوب المنطقة بأكملها منه من خلال وجود إطار قانوني وتشغيلي، قادر على ضمان سلامة التبادلات التجارية وتعزيز الازدهار المستدام. مؤكداً أن هذه الحرب كارثة حقيقية، فبجانب افتقارها لغطاء أو تفويض من الأمم المتحدة، لم تحقق أي هدف من الأهداف التي أُعلنت عنها رسمياً. ومع ذلك، إذا كانت هذه الكارثة ستؤدي أخيراً إلى دفن وهم سياسة الاحتواء في الخليج، فإن هناك ما يدعو للأمل: وهو رؤية نظام أكثر عدلاً، وواقعية، وفاعلية يولد من رحم المعاناة، ليصحح بذلك ما يقرب من نصف قرن من الأخطاء الاستراتيجية.
تستطيع عُمان بحكم تاريخها الحضاري الكبير واستمرارية مؤسساتها التي أورثتها تقاليد راسخة أن تتعامل مع أحداث المنطقة المختلفة، مهما عظمت هذه الأحداث، فها هي تتلكم بلسان سلطانها وتعزز رسالتها كما عبر عنها أحسن تعبير جلالة السلطان هيثم بن طارق: " لقد عرف العالم عُمان عبر تاريخها العريق والمشرّف كياناً حضارياً فاعلاً ومؤثراً في نماء المنطقة وازدهارها واستتباب الأمن والسلام فيها... تحرص على أن تظل رسالة عُمان للسلام تجوب العالم، حاملةً إرثاً عظيماً وغاياتٍ سامية، تبني ولا تهدم، وتقرّب ولا تُباعِد“. تخلق هذه الرسالة والمعرفة قدرة تدعو للإعجاب على تحويل المشاكل إلى فرص حيث يؤكد جلالة السلطان هيثم: ” إن إدراكنا لحجم التحديات المحلية والعالمية، ومعرفتنا بخارطة الصراعات والمصالح في العالم، وفهم طبيعتها وحدود تأثيرها، يعزّز قدرتنا على التعامل معها كفرصٍ مؤاتية لتبنّي سياساتٍ فاعلة لإرساء السلام وتنمية الاقتصاد وتعميق الشراكات الاستراتيجية... انطلاقاً من ثوابتنا ومصالحنا الوطنية العليا “.





