أثير- الركابي حسن يعقوب
علق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وعلى نحو مفاجئ ما كان قد أعلن عنه وأكده باعتزامه توجيه ضربات عسكرية جديدة قوية وغير مسبوقة ولا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية ضد إيران كان مقررًا لها اليوم الأحد.
الإعلان الأمريكي عن الضربات الجديدة القوية “المعلقة” بأمر ترامب كانت قد تحدثت عن خيارات عسكرية أعدتها القيادة المركزية الأمريكية وجهزت قواتها لتوسيع نطاق الحرب في حملة عسكرية تتضمن توجيه قصف وضربات مكثفة لمدة أسبوعين تستهدف مواقع الصواريخ الإيرانية، والبنية الأساسية النووية الإيرانية بما في ذلك موقع جبل الفأس، وكذلك استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.
وكان البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسمه قال إن الرئيس لن يقف مكتوف الأيدي ويسمح باستمرار السلوك “الإرهابي الإيراني”.
وبناء على ذلك وعلى تصريحات الرئيس ترامب النارية التي أطلقها عبر حسابه في منصة تروث سوشيال حبس العالم أنفاسه وتأهب الجميع للاستيقاظ على ضربات أمريكية قوية غير مسبوقة على إيران وفق الأهداف المعلنة فجر اليوم الأحد.
ولكن ودون مقدمات أعلن الرئيس ترامب" تعليق" الضربات على إيران حيث كتب على منصة تروث سوشيال أن “إيران ودولاََ أخرى في الشرق الأوسط طلبت مهلة لإتمام اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة فتح المضيق بشكل فوري وكامل وشامل وإنهاء التهديد النووي الإيراني، وبناء على هذا الطلب وافقت من أجل مصلحة في المستقبل وكذلك من أجل بقاء إيران ناجحة ومزدهرة على إلغاء الهجوم بشرط التوصل إلى اتفاق سريع”.
ولم ينس الرئيس ترامب التذكير بأن إسرائيل قد انضمت إليه في هذا الالتزام بإرجاء الضربات التي كان قد أُعلن أنها ستشارك فيها، ولم يصدر أي نفي أو تأكيد في حينه من قبل إيران لمزاعم ترامب بأن طهران هي من طلبت تعليق الهجوم.كما لم تصدر اسرائيل حتى الآن أي بيان يؤكد أو ينفي ما قاله الرئيس ترامب.
من جانبها هي الأخرى لم يصدر عن الوساطة الباكستانية ما يفيد بصحة مزاعم الرئيس ترمب. كما أنها لم تشر إلى أي دور لها في حمل الجانب الأمريكي على تعليق الضربات أو أن مساعي أطراف أخرى هي التي أسهمت في إرجاء الضربات، بعبارة أخرى فإنه ليس هناك ما يعضد ويؤكد السردية الأمريكية حتى الآن.
الرئيس ترامب ربط تعليقه الضربات ضد إيران بوجود ملامح لصفقة تتضمن الفتح الفوري والشامل لمضيق هرمز ، وإنهاء التهديد النووي الإيراني، لكنه لم يخض في تفاصيل ملامح هذه الصفقة ولا القيد الزمني المضروب لها رغم أن “السرعة” في التوصل لاتفاق كان هو الشرط الذي شدد عليه ترامب في إعلانه عن تعليق الضربات؛ ما ألقى بظلال من الغموض على الخطوة الأمريكية برمتها وأثار الكثير من التساؤلات والتكهنات حول الأمر ، وما إذا كان الدافع الأساسي لإرجاء الضربات لا علاقة له بوجود صفقة بالمواصفات التي ذكرها الرئيس ترامب، بل ذهب البعض إلى التشكيك في الرواية الأمريكية نفسها وأرجع تعليق الضربات لأسباب خاصة بالجانب الأمريكي تعود لعدم اكتمال الجاهزية لتوجيه هذه الضربات في هذا التوقيت، والبعض يقول إن السبب ربما يكون أن المشاورات بخصوص الضربة خلصت إلى عدم جدواها في تحقيق أهداف الحرب المعلن عنها.
وأجد نفسي أميل إلى الرأي القائل بأن تعليق الضربات الأمريكية لا شأن له بوجود صفقة ما بانت ملامحها ويراد لها أن تتم على عجل، وإنما الأمر يتعلق برمته بالجانب الأمريكي الذي من المرجح أنه أعاد جرد حساباته بدقة وخرج بحاصل ضرب وقسمة سالب والخسارة فيه غالبة وراجحة. بعبارة أخرى فإن المعنى التفسيري عندي للتراجع الأمريكي عن الضربة التي ضخمها الرئيس ترامب ورفع سقفها للحدود القصوى ، أنها عدول عن التصعيد ومحاولة للعودة إلى مسار التفاوض دون إراقة ماء الوجه بعدما تبين بالحساب العقلاني في اللحظات الأخيرة عدم جدوى الضربات والقصف والوصول لنتيجة مفادها أن ما تم من ضربات في السابق لم يؤتِ ثماره، وأن أية ضربات لاحقة لن تحقق ما لم تحققه الضربات السابقة مهما زادت قوتها ما دامت لا تتضمن نشر قوات برية على الأرض تكون لها القدرة على فرض سيطرتها التامة على الأراضي الإيرانية وقهر الجيش والحرس الثوري الإيراني وهي مهمة مستحيلة تلامس الخيال.
إن الغزو البري لإيران هو الشرط الأساسي في نجاح الخيار العسكري وبدونه لن تتحقق الأهداف الأمريكية، هذا إذا سلمنا جدلاََ بأن الجيش الأمريكي في استطاعته أن يتغلب بسهولة ويسر على الجغرافيا والتضاريس الإيرانية شديدة التعقيد ويخرج منتصراََ على غرار
تجربة فنزويلا، وهو ما ليس متوفراََ في الحالة الإيرانية.
وإذا أنعمنا النظر وأرجعنا البصر كرتين في ملابسات وحيثيات التصعيد الأمريكي الأخير وقرار توجيه الضربة العسكرية لإيران ينقلب إلينا البصر وهو يرصد بصمات رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو في هذه الخطوة التصعيدية، ولعل إشارة الرئيس ترامب - وهو يعلن تعليق الضربة - إلى التزام إسرائيل بهذا التعليق تثبت زعمنا هذا وتؤكد أن الضربة كانت فكرة إسرائيلية محضة، وليست خيارًا أمريكيا خالصًا.
إن أسوأ ما في هذا التراجع الأمريكي أنه يعطي الطرف الإيراني القوة في مواجهة أمريكا وخياراتها التصعيدية اللاحقة، ويكسبه المناعة ضد أي ضربات قادمة ويجعل إيران تقبل التحدي الأمريكي وتحوله إلى فرص، فعودة أمريكا لمسار التفاوض بعد إعلانها تبني الخيار العسكري يمثل فرصة مواتية لإيران للحفاظ على ما حصلت عليه من مكاسب وعلى رأسها مضيق هرمز وتستطيع أن تتعنت في المفاوضات حوله وحول بقية بنود الإتفاق الوارد في مذكرة التفاهم وهي على يقين بأن أمريكا مضطرة لتليين مواقفها بعد تراجعها عن الخيار العسكري وحاجة الرئيس ترامب إلى الخروج باقل الخسائر من هذه الأزمة قبل حلول موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
إن مشكلة إدارة الرئيس ترامب أنها أساءت التقدير والحساب قبل أن تتخذ قرار الحرب على إيران، وانساقت طائعة لرغبات نتنياهو الذي زين لها الحرب في صورة نزهة خلوية ورحلة صيد لن تطول تعود بعدها ممتلئة الوفاض ومنتصرة لتسجل كإنجاز غير مسبوق على سجل إنجازات ترامب والجمهوريين.
خطأ الرئيس ترامب القاتل هو أنه وضع خطة للدخول في الحرب ضد إيران، لكنه لم يضع خطة لكيفية الخروج منها، وأقام خطة الدخول في الحرب على فارق التفوق العسكري لأمريكا على إيران، وبالغ في تقدير قوته، وقلل من قوة خصمه اللدود بحيث جعله بمثابة لقمة سائغة، بعبارة أخرى أن الخطة الأمريكية للحرب كانت رغبوية ومحسوبة بحساب أحادي من طرف واحد وكأنها لعبة شطرنج اللاعب فيها واحد وهو الخصم والحكم في الوقت نفسه.
والأسوأ من ذلك كله بالنسبة لأمريكا أن طهران باتت على إدراك تام بحقيقة المأزق الأمريكي وبنقطة الضعف التي تكشفت لها من خلال تقلبات مواقفها من النقيض إلى النقيض، وبعنصر الوقت الضاغط عليها الذي يدفعها نحو القبول بأي صيغة اتفاق يمثل لها نافذة تخرج من خلالها من هذا المأزق، إيران ستعمل على الاستثمار في عنصر الوقت ولن تكون في عجلة من أمرها لإجبار الجانب الأمريكي على تقديم التنازلات والرضوخ اضطرارا للمطالب الرئيسية لها التي كانت محل رفض وممانعة.
إن محنة ترامب تكمن في كونه وضع قوة بلاده بوزنها الثقيل العسكري والدبلوماسي والاقتصادي وسمعتها الدولية باعتبارها القوة العظمى بلا منازع في المحك وتحت الاختبار الفعلي بنزولها الحلبة كخصم مع إيران وفشلت في التغلب عليه والعالم كله يتابع المشهد وهي مضطرة الآن للخروج من المواجهة بأقل الخسائر، وهو ما يبدو بعيدا حتى الآن.





