أثير - محمد الدغيشي
يشهد المجتمع العُماني تحولات اجتماعية وفكرية متسارعة وضعت الأسرة أمام مفترق طرق حاسم؛ فبعد أن كانت لقرون بمثابة “الحاضنة الشاملة” التي توجّه مسارات الفرد وتتولى هندسة استقراره، تأثرت أدوارها التقليدية إثر انتشار “الفردانية” وتغيّر مفاهيم النجاح. ولم تعد التحديات مقتصرة على الجوانب المادية، بل امتدت لتشمل الاحتياج المتزايد للتوجيه الأسري، وتأخر زواج بعض الشباب رغم استقرارهم الوظيفي، فضلاً عن المزاحمة الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل أسلوب الحياة وجلبت معها ظواهر حديثة كاستغلال الأطفال عبر الشاشات وتراجع الحوار الداخلي.
وأمام هذا الواقع المتغير، تقف الأسرة العُمانية اليوم بين ضرورة الحفاظ على قيم المواطنة والترابط الاجتماعي الكفيلة بصون الهوية، وبين استيعاب متطلبات العصر وضغوط الحياة الحديثة. إن العبور من هذا المفترق يتطلب إعادة إحياء الدور التوجيهي للبيت العُماني وخلق توازن واعي بين طموح الفرد في “تحقيق الذات” وحاجة المجتمع إلى الاستقرار والتماسك الأسري.
ما وراء تأخر الزواج؟
ظاهرة اجتماعية لم تعد حالة فردية عابرة، بل أصبحت واقعاً ملموساً في المجتمع العُماني: الشباب الذي يتخرج ويحصل على وظيفة مستقرة، ثم يشتري سيارته، ويسافر، ويعيش حياته بصورة طبيعية، لكنه يؤجل الزواج سنة بعد سنة. الآن في السابعة والعشرين، ثم الثلاثين، وربما أكثر، بينما يبقى الزواج مؤجلاً تحت عبارات متكررة: “ما زال الوقت مبكراً” أو “لم أجد الشخص المناسب”.
لكن السؤال الذي يطرحه المتخصصون اليوم ليس اقتصادياً فقط، بل اجتماعياً وأسرياً: هناك شباب يملكون وظائف مستقرة ودخلاً جيداً وحتى دعماً مالياً من الأسرة، لكنهم لا يملكون رغبة حقيقية في الزواج. فهل المشكلة فعلاً اقتصادية وحسب؟
الدور الأسري تغيّر: من “مشروع عائلي” إلى “قرار شخصي”
في الماضي، كان الزواج “مشروعاً أسرياً متكاملاً”، وكانت الأسرة ترى من مسؤوليتها تهيئة الابن نفسياً واجتماعياً لهذه المرحلة. كان الأب يسأل ابنه باستمرار عن الزواج ويشجعه، وأحياناً يتكفل بجزء من التكاليف أو يخفف عنه أعباء البداية، لأن “بناء الأسرة” كانت أولوية اجتماعية واضحة.
لكن اليوم تغيّر هذا الدور لدى بعض الأسر. فبعض الآباء أصبحوا يعتقدون أن الزواج “قرار شخصي بحت” لا ينبغي التدخل فيه حتى وإن تجاوز الابن الثلاثين دون أي خطوة جادة نحو تكوين أسرة. وبينما يبقى احترام حرية الأبناء مهماً، فإن تحويل الزواج إلى قضية فردية بالكامل قد يكون أحد الأسباب الخفية وراء اتساع هذه الظاهرة.
المشكلة تبدو أبعد من الجانب المادي، فبعض الأسر تركز على نجاح الابن المهني فقط بينما يغيب الحديث عن بناء الأسرة، وكأن الاستقرار يُختزل في الراتب والمنصب فقط، رغم أن الإنسان لا يعيش بالنجاح الوظيفي وحده.
ما التحديات التي تواجه الأسرة العُمانية؟
وسائل التواصل الاجتماعي والصور المختلفة للنجاح
لم يعد مفهوم النجاح ثابتاً كما كان قبل سنوات. فالصورة التقليدية للنجاح لدى الشاب العُماني كانت تتمثل في الحصول على وظيفة مستقرة وتأسيس أسرة. لكن هذه الصورة توسعت اليوم لتشمل عناصر أخرى مثل السفر، وتحقيق دخل أعلى، وامتلاك أسلوب حياة مختلف.
وباتت المنصات الرقمية تصدّر صوراً مختلفة للنجاح قد لا تكون مناسبة بالضرورة للمجتمع العُماني أو لخصوصيته الثقافية والاجتماعية. إذ أن بعض الفئات العمرية الصغيرة تتأثر سريعاً بهذه الصور بسبب غياب الحصانة الفكرية والنفسية الكافية.
ويتمثل دور الأسرة والمدرسة والإعلام في توعية الشباب بضرورة امتلاك “ميزان” يحكمون من خلاله على ما يشاهدونه، عبر مقارنته بالقيم الدينية والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، حتى يتمكن الفرد من التمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه.
ضعف الحوار الأسري
من أبرز التحديات التي تقلل من قدرة الأسرة على ترسيخ قيم المواطنة والتوجيه الأسري:
- انشغال الوالدين
- ضعف الحوار الأسري
- التفكك الأسري
كما أن بعض الشباب اعتادوا نمط الحياة الفردية لسنوات طويلة حتى أصبح الزواج بالنسبة لهم مسؤولية مؤجلة وليست هدفاً طبيعياً في مسار الحياة.
الضغوط الاقتصادية
قد ترى الأسرة العُمانية أن هناك تحديات أخرى تواجهها بدرجات مختلفة:
- التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي
- ضعف الدخل المادي للأسرة
- التأثر بالثقافات الأجنبية
الزاوية غير الواضحة: استغلال الأطفال عبر الشاشات
رصدت لجنة حقوق الطفل في اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان ظاهرة تنامي استغلال الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي. فبعض الأسر تستغل أطفالها بهدف تحقيق الشهرة أو الكسب المادي، وهي ممارسات تعتبر من صور الإساءة والممارسات الضارة التي تهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل، وقد تعرّضه للتنمر أو الابتزاز من الأقران أو المتابعين.
وأوصت اللجنة عبر تقريرها السنوي لعام 2025م، بتعزيز القوانين المنظمة للمحتوى الرقمي، لا سيما المنشور من المشاهير والمؤثرين، وتطوير قنوات التبليغ، وتوعية الأسر بمخاطر نشر صور الأطفال وتفاصيل حياتهم.
هذه الظاهرة تعكس واقعاً مقلقاً: الأسرة التي كانت حامية للطفل أصبحت في بعض الحالات مصدر خطر له.
دور الأسرة في غرس قيم المواطنة: مؤشرات إيجابية وتحديات
كشفت دراسة حديثة أن الأسرة العُمانية في ولاية بوشر تقوم بدور *قوي جداً ومهم* في تنشئة أبنائها على الولاء الوطني، من خلال:
- تعريف الأبناء بواجباتهم تجاه الوطن
- غرس شعور الاعتزاز والفخر بوطنهم
- كونها قدوة حسنة لأبنائها في محبة الوطن
- توعية الأبناء بأن الولاء للعائلة أو القبيلة لا يتعارض مع الانتماء الوطني
كما تحرص الأسر العُمانية على تعليم الأبناء احترام الآخرين والتعايش مع مختلف المعتقدات والمذاهب، وتشجيع الأبناء على إقامة الصداقات وحب الآخرين مهما كان الاختلاف.
وفيما يتعلق بالالتزام بالقوانين، تسهم الأسرة في تنشئة أبنائها على احترام قوانين الدولة والالتزام بقواعد المرور والمحافظة على المرافق العامة، مع أهمية أن تكون الأسرة نموذجاً يُحتذى به.
لكن رغم هذا الدور الإيجابي، فإنها قد تتأثر بفعل التحديات المذكورة سابقاً.
المقترحات لتعزيز دور الأسرة
قدمت الدراسة مقترحات للأسرة والمجتمع في التنشئة على قيم المواطنة، منها:
- رفع الوعي الأسري بأهمية المواطنة
- ترسيخ القيم العُمانية والإسلامية في التربية
- تشجيع الأبناء على المشاركة في الأنشطة المجتمعية
- تقوية العلاقة بين المدرسة والأسرة
- إبراز دور المدرسة في تعريف الطلبة بإنجازات الوطن
- إنتاج محتوى إعلامي وطني هادف
النجاح بين “الاستقرار” و“تحقيق الذات”
أكد الباحث الاجتماعي يونس بن علي المعمري في حديث سابق لأثير، أن الإنسان لا يمكن أن يختزل نجاحه في جانب واحد فقط. هناك من يراه في الجانب الاقتصادي، وآخر يربطه بالعلاقات الاجتماعية أو النجاح الديني أو الصحي. أهمية التوازن بين مختلف الجوانب حتى يحقق الإنسان الاستقرار الحقيقي في حياته.
فعند الحديث عن ربط النجاح بالحرية وتحقيق الذات، يشير الباحثون إلى أن النجاح المتوازن هو الأقرب للحياة المستقرة. لا يوجد تعارض بين الاستقرار وتحقيق الذات، لكن يجب عدم تحويل مفهوم “تحقيق الذات” إلى انعزال عن الأسرة والمجتمع، خاصة أن الفرد العُماني لا يعيش بمعزل عن محيطه الاجتماعي.
الوظيفة الحكومية “الحلم الأكبر”؟
رغم ظهور فرص جديدة في العمل الحر والتجارة الإلكترونية، تبقى الوظيفة الحكومية حلماً رئيسياً لدى شريحة واسعة من الشباب. هذا يرتبط بالشعور بالاستقرار الوظيفي، خاصة بعد تجارب شهدها القطاع الخاص من تسريح موظفين أو تغيرات مفاجئة في بعض المؤسسات.
لكن مع ذلك، هناك وعي متزايد لدى الأسر بأهمية مجالات التجارة الإلكترونية والعمل الحر، خاصة مع الدعم الذي تقدمه وسائل الإعلام والتعليم ومنصات التواصل الاجتماعي نحو تشجيع الشباب على دخول هذه المجالات.
ما تحتاجه الأسرة العُمانية
الأسرة العُمانية تقف أمام تحديات متعددة، وليست كلها اقتصادية. ضعف الحوار الأسري، التأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، انشغال الوالدين، والالتباس حول دور الأسرة في التوجيه الأسري - كل هذه عوامل تؤثر على قدرتها على تنشئة جيل واعٍ مستقر.
المجتمع العُماني يحتاج إلى إعادة إحياء دور الأسرة في توجيه الأبناء نحو خطوات حياتية طبيعية مثل الزواج والاستقرار الأسري، مع الحفاظ على قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي.





