متى تصبح الديون خطرًا على الدول؟

تزداد مخاطر الدين العام حين يرتبط بعملات أجنبية وتمول القروض نفقات جارية، بينما منحت سرعة التصحيح المالي سلطنة عُمان مساحة أوسع لقراراتها الاقتصادية والسياسية.

عن الكاتب

ناصر الحارثي
ناصر الحارثي

مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفة

متى تصبح الديون خطرًا على الدول؟
متى تصبح الديون خطرًا على الدول؟
أثير- ناصر الحارثي
ازداد الحديث في السنوات الأخيرة عن ديون الدول، وذلك مع وصول الدين العام العالمي إلى 94% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2025م، ومن المتوقع وصوله إلى 100% في عام 2029م، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وأحد الأسباب هو سهولة اقتراض الدول في العقود الماضية، خاصة في الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية وحتى جائحة كورونا، عندما تزامن ارتفاع الدين مع انخفاض أسعار الفائدة، فكانت الحكومات تقترض أكثر دون أن ترتفع فاتورة الفائدة بالنسبة نفسها، لكن المعادلة تغيرت مع ما نشهده اليوم من ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكاليف إعادة التمويل.
ورغم أن الديون في العادة تكون سيئة، إلا أن هناك نماذج لعدد محدود من الدول توافقت معها الظروف والسياسات الداخلية والخارجية فأحسنت التعامل مع الديون، أما باقي الدول فكان حظها بين السيء والأسوأ، وذلك لأن الأنظمة والحكومات تتغير وخدمة الدين تستمر، وفوائدها ترتفع، وتصبح التركة ثقيلة جدًا على صناع القرار.
إن ديون الدول النامية تعد عبئا ثقيلا عليها وهي تختلف عن ديون الاقتصادات الكبرى وإن كانت نسبة الدين أقل وذلك للأسباب الآتية:
  • الدين مرتبط بأموال أجنبية مما يشكل ضغطا على قرارات الدولة
  • القرض يمتد لـ 25 و 30 عامًا بفائدة مرتفعة، وترتفع أكثر مع إعادة هيكلة سداد الدين، مما يؤثر على الأجيال اللاحقة
  • الدين يصرف على نفقات جارية عاجلة كالرواتب وتنتهي فائدتها قبل أن يحين موعد السداد.
لذلك قد تكون دولة نامية بدين يعادل 50 أو 60% من ناتجها أكثر هشاشة من دولة صناعية تجاوز دينها 150 أو حتى 200%.
يستسهل الناس في الدول النامية موضوع الديون ويعتبرونها مسارًا طبيعيًا للتنمية الاقتصادية، ويُضرب دائمًا مثال اليابان وسنغافورة وغيرها من الدول المتقدمة صناعيًا والتي تعاني مع ديون مرتفعة، وفي الحقيقة اليابان ليست مثالًا تقليديًا للديون، فنموذج الديون في اليابان مختلف إلى حد كبير عن ديون باقي الدول.
فالدين العام الياباني يتجاوز 200% من الناتج وفق مقاييس الدين الإجمالي، لكن الجزء الأساسي منه مقوم بالين الياباني، أي بعملة تصدرها اليابان نفسها، وله متوسط استحقاق طويل وقاعدة كبيرة من المستثمرين المحليين، ولذلك فإن مخاطر العملة وإعادة التمويل تختلف جذريًا عن دولة نامية اقترضت الجزء الأكبر من دينها بالدولار، وهذا يعني أن جزءًا ضخمًا من الدين الياباني هو في النهاية علاقة مالية داخل الاقتصاد الياباني نفسه، وليس فاتورة بالدولار تطالب بها مؤسسات أجنبية.
الديون في العادة حمل ثقيل على الدول والأجيال القادمة، وهي تختلف عن ديون الشركات والأفراد في كونها دينًا على كيان سيادي لا يتم تصفيته بالطريقة التي تُصفى بها الشركة، ولا توجد محكمة إفلاس عالمية تستطيع أن تضع دولة بأكملها تحت الحراسة وتبيع أصولها وتسدد دائنيها، ولذلك تتم معالجة حالات التعثر السيادي غالبًا عبر مفاوضات معقدة لإعادة الهيكلة بين الدولة والدائنين، وهناك عدد لا يحصى من الدول التي دخلت في هذه الأزمة مثل اليونان والأرجنتين وتشيلي وعدد من الدول الأفريقية، وقد مارس الدائنون سواء الدول أو الشركات عقوبات وسياسات مختلفة على الدولة الدائنة كالاحتلال أو السيطرة على الجمارك أو التحكم وشراء أصول الدولة وغيرها وصولا إلى استجابة الأسواق السلبية تجاه عملة الدولة.

النموذج العُماني: سرعة التصحيح المالي

مرت سلطنة عمان بنموذج مختلف إلى حد ما عن بقية الدول في موضوع الدين العام ربما تكون التجربة الجزائرية والروسية في الفترة من 2003 إلى 2006 هي الأقرب لها في سرعة سداد الدين، فعادة تجارب الدول مع الدين العام تستمر لعشرات سنوات ويتأثر بها عدد من الاجيال إيجابًا وسلبًا، أما في سلطنة عمان فلقد ارتفع الدين بشكل سريع من عام 2014 إلى 2020 لتصل تكلفة الفوائد قرب مليار ريال عماني، ومن ثم أتت خطة التوازن المالي، ولقد تجاوزت الإنجاز الخطط والآمال لتستغل سلطنة عمان كل الظروف المحلية والدولية لسداد الدين، رغم أن الأصوات آنذاك اتجهت إلى عدم إعطاء ملف الدين أكثر من حجمة لأن أزمة كورونا انقشعت، ولكن لأن السياسة المالية كانت شديدة الاهتمام، فلقد أثبتت الظروف اللاحقة صحة القرار وصوابه، لأنه ما بعد كورونا جاءت أزمات أشد ثقلا على المنطقة من كورونا، والوضع الصحي للدين العام منح البلد مساحة أكبر في اتخاذ القرارات التي تصب في مصالحها الاقتصادية والسياسية.
إن من أكثر الفترات حساسية في أنظمة الدول هو عندما تكون الأنظمة أمام مفترق طرق بين رغبات ومطالب مواطنيها والحاجة الماسة لتلبيتها، وبين فواتير ومستحقات الدائنين والتي لا مفر من سدادها إلا عبر إعادة الجدولة أو إعادة الهيكلة بما يصاحب ذلك من كلفة، فهي تختار بين السيء والأسوأ، وفي هذه الفترة تتسم بخطاب يميل إلى الانقسام والاستقطاب وتصبح السياسات الوطنية غير مستدامة، والنتيجة ارتفاع قلق الدائنين ورفع معدل المخاطرة مما يدخل الحكومات في دوامة لا منتهية من الأزمات والأهداف القصيرة.

شارك هذا الخبر