هل حقًا الرئيس ترامب يمزح

تتزايد المخاوف من لجوء واشنطن إلى الخيار العسكري للسيطرة على مضيق هرمز، في ظل تهديدات ترمب بفرض رسوم عبور واستمرار الحصار البحري على إيران.

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

هل حقًا الرئيس ترامب يمزح
ترامب
أثير - الركابي حسن يعقوب
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه سيعلن “قريبًا جدًا” أن مضيق هرمز صار أرضًا تابعة للولايات المتحدة!!
إلا أن وول ستريت جورنال نشرت نقلًا عن مسؤول رفيع بالبيت الأبيض لم تسميه قال إن الرئيس ترامب كان “يمزح” بشأن إعلان هرمز أرضًا أمريكية، وأضاف للتدليل على أن ما قاله رئيس أكبر دولة في العالم كان مجرد “هزار”، إن ترمب لم يبحث مع مستشاريه إعلان مضيق هرمز إقليمًا أمريكيًا!!
وحينما كتب الرئيس ترامب في يونيو الماضي في منصة تروث سوشال أنه سيفرض رسوم عبور في مضيق هرمز إذا انقضت مهلة وقف إطلاق النار المعلن عنها مدة 60 يومًا دون اتفاق مع إيران مقابل الخدمات المقدمة باعتبار أمريكا “الملاك الحارس لدول الشرق الأوسط بهدف تعويض التكاليف الماضية والحالية والمستقبلية”!!
حينما كتب الرئيس ترامب هذه التغريدة لم يخرج أي مسؤول أمريكي رفيع أو غير رفيع حينها ليقول أن تغريدة الرئيس ترامب كانت “مزحة”، رغم أنها أكثر قربًا وشبهًا بالمزحة وكان الأولى أن توصف بالمزحة أكثر من حكاية إعلان مضيق هرمز أرضًا أمريكية قريبًا جدًا!!
والسبب أن ترامب وفريقه الدبلوماسي والعسكري وكل زعماء العالم في ذلك الوقت كانوا يعارضون الفكرة الإيرانية بفرض رسوم عبور على مرور السفن عبر المضيق ويستندون في ذلك إلى نصوص قانون البحار ويجرون المقارنات ببقية المضايق حول العالم للتأكيد على عدم قانونية فرض الرسوم التي أعلنت عنها إيران في ذلك الوقت، لكن وفي خضم هذا الدفع القانوني والجدل السياسي المحتدم بخصوص رسوم العبور والذى تتصدره أمريكا يخرج الرئيس ترامب ليعلن أن بلاده ستفرض رسومًا على عبور السفن خلال المضيق!!
لم يقل أي مسؤول أمريكي وقتها أن ما قاله الرئيس كان مزحة أراد بها تلطيف الأجواء وإضحاك الناس حول العالم، بل التزم الجميع الصمت ومرت التغريدة وتركت خلفها تساؤلات حائرة، والأهم من ذلك أنها نفخت الروح في الفكرة الإيرانية وعضدتها وأكسبتها قوة دفع كانت تنقصها وبات الإيرانيون أكثر جرأة في طرحها والتمسك بها، فإذا كانت واشنطن التي تبعد آلاف الأميال عن المضيق تحمل في عقلها نفس الفكرة وتسعى للاستفادة من حركة الملاحة فيه منتهزة فرصة وجودها بالمنطقة وحصارها البحري على إيران، فما الذي يمنع إيران من الاستفادة من هذه الحركة والمضيق يقع ضمن مياهها الإقليمية المشتركة مع سلطنة عُمان ويتصل المضيق ببرها اتصالًا مباشرًا ويمثل أحد مقومات ومرتكزات أمنها القومي!!
سؤال منطقي وبديهي من المؤكد أنه طاف بعقل كل المراقبين والمتابعين لمجريات الأحداث بين طهران وواشنطن، وفي خلفية طوفان هذا السؤال بيت الشاعر أحمد شوقي الذي يتساءل فيه وهو في منفاه يعبر عن استنكاره لحرمانه من وطنه بينما يباح للغرباء..
أحرام على بلابله الدوح..
حلال للطير من كل جنس..
أو مثلما يقول المثل الشعبي العربي في وصف هذه المفارقة “جحا أولى بلحم ثوره”!!
ولما كان لا مجال للمزاح في الحروب فإن من المنطقي أن تؤخذ تغريدة ترامب بإعلان مضيق هرمز أرضًا أمريكية قريبًا على محمل الجد لا الهزل، ومن الراجح أن تكون دوائر صنع القرار في طهران قد أخذته بجدية وحُق لها ذلك حتى وإن كان الرئيس يمزح، فالهزل في الحرب جد، فإذا ما ربطنا كلام الرئيس ترامب قبل نحو شهرين بخصوص رسوم العبور نجد أنه قرنه بانقضاء مدة الـ 60 يومًا، والمدة لم تنقضِ بعد، وإن كان قد تبقى على انقضائها يومان فقط، وبالتالي فإن من المحتمل أن يكون الرئيس ترامب جادًا في تهديده الذي هو من قبيل التفكير بصوت عال وليس بالضرورة أن يفي بوعده مباشرة عقب انتهاء الستين يومًا، وإنما يمكن أن يتخذ الرئيس ترامب ذلك ذريعة لتنفيذ خطة يجري إعدادها للسيطرة على المضيق بالقوة وفرض ما تراه واشنطن من قيود ونظم من ضمنها رسوم العبور.
وحديث ترامب المتواتر منذ فترة عن ضعف إيران وتدهور الحالة الاقتصادية فيها، وأن الحصار البحري متواصل وأنه لن يُسمح بمرور السفن إلا بإذنه، وحديثه عن وجود ثلاثة أجنحة متشاكسة داخل نظام الحكم في إيران وأنه لا يعرف مع من يتفاوض، وأنه في حال شن إيران هجوم على أهداف أمريكية فإنهم سيردون بقوة أكبر بمائة مرة وأنهم قادرون على تدمير القدرات الإيرانية بالكامل، كل هذه الأقوال الترامبية هي مؤشرات دالة على أن فكرة السيطرة على مضيق هرمز ربما هي خطة يتم الإعداد لها كخيار أخير بعد أن فشلت كل الخيارات الأخرى، وأن السيطرة على المضيق ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لبسط السيطرة على الأراضي الإيرانية، بمعنى آخر أنه من المحتمل أن تلجأ واشنطن للخيار العسكري وترمي بكل ثقلها فيه هذه المرة وتركزه على المضيق بشكل أساسي حيث يحقق لها هذا الفعل ثلاثة أمور، الأول فتح المضيق الذي تسببت هي في إغلاقه ومن ثم التحكم فيه، والثاني نزعه كورقة ضغط من يد إيران، والثالث تمهيد الطريق للوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية ووضع يدها على البرنامج برمته أو التفاوض حوله من موقع قوة، بينما تكون طهران في موقف ضعف.
لكن تحقيق هذا السيناريو ليس بالأمر السهل ويلقي بتكلفة مادية وبشرية باهظة على عاتق أمريكا ونتائجه غير مضمونة، وقد تفشل عملية السيطرة من أساسها وتضع القدرات العسكرية الأمريكية تحت الاختبار وحينئذ تفقد أمريكا آخر أوراقها فالحروب والمواجهات العسكرية بين القوى غير المتكافئة لا تخلو أحيانًا من مفاجآت والتاريخ يزخر بأمثلة ونماذج عديدة ودوراته تتكرر ومن سمات التاريخ أنه يعيد نفسه.
وإذا ما خططت واشنطن لتحقيق هذا السيناريو فإن العواقب ستكون خطيرة جدًا سواء نجحت في ذلك أو أخفقت، العواقب لن يقتصر أثرها على المنطقة فحسب وإنما سيمتد إلى ما وراءها ليشمل العالم كله بما في ذلك أمريكا نفسها، وهي مغامرة حري بالعقلاء داخل دوائر صنع القرار في أمريكا العمل على الحيلولة دون الانزلاق فيها.
إن الطريق والملاذ الوحيد لخروج آمن للجميع من هذه الأزمة هو انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية الآن بين مسقط وطهران حول مضيق هرمز واتخاذ نتائجها منطلقًا وأساسًا نحو استكمال تنفيذ بنود مذكرة التفاهم التي وقع عليها الطرفان وارتضيا أن تكون حَكَمًا بينهما ومرجعية يفاء إليها لإحلال السلام وإنهاء حالة التأرجح ما بين التصعيد والتهدئة والوقت ليس في مصلحة الجميع.

شارك هذا الخبر