محمد حسن - كاتب وباحث سوري
يمثل صعود اليمين في أمريكا اللاتينية خروجًا عن “المدّ الوردي” وهو مصطلح سياسي اُستخدِم لوصف موجة صعود الحكومات والحركات ذات الميول اليسارية أو يسار الوسط في دول أمريكا اللاتينية والتي بدأت في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، ووجهت العديد من دول أمريكا اللاتينية نحو التضامن مع فلسطين، ويُقصد باللون الوردي هنا الإشارة إلى شكل معتدل وديمقراطي من اليسار، تمييزاً له عن اللون “الأحمر” التقليدي الذي يرمز للشيوعية الراديكالية.
بعد أكتوبر ٢٠٢٣ تدخلت كل من نيكاراغوا وكولومبيا والمكسيك وتشيلي وبوليفيا وكوبا وبليز دعمًا لقضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، في حين ذهبت كولومبيا خطوة أبعد من ذلك بفرض حظر شامل على صادرات الفحم إلى إسرائيل وإنهاء اتفاقية التجارة الحرة الثنائية بينهما.
وفي 31 يناير 2025، أصبحت كولومبيا وكوبا وبوليفيا وهندوراس أيضًا أعضاء مؤسسين في “مجموعة لاهاي”. ورداً على الإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها إسرائيل في غزة واحتلالها للضفة الغربية، التزمت هذه الدول باتخاذ “تدابير قانونية ودبلوماسية منسقة دفاعًا عن القانون الدولي وتضامنًا مع الشعب الفلسطيني”.
ولكن في أعقاب الانتصارات الرئاسية لليمين، انسحبت كل من بوليفيا وهندوراس من “مجموعة لاهاي”، كما أعادت تشيلي وهندوراس سفراءهما إلى إسرائيل. كما يستعد الرئيس الكولومبي الجديد، أبيلاردو دي لا إسبرييلا، لتجديد العلاقات مع إسرائيل من خلال تعزيز التنسيق الأمني، واستئناف صادرات الفحم، والانسحاب من مجموعة لاهاي. إذ نشر في 10 أغسطس، بعد أيام من توليه منصبه: “ستجد إسرائيل في كولومبيا صديقاً وحليفاً حازماً في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”. واعترفت حكومته اليمينية الجديدة أيضاً بمطالبة إسرائيل بمرتفعات الجولان المحتلة، التي استولت عليها من سورية في عام 1967، لتصبح ثاني دولة تقوم بذلك بعد إدارة ترامب في عام 2019.
في غضون ذلك، وفي فنزويلا الداعمة لفلسطين منذ فترة طويلة، اتفقت إسرائيل وكاراكاس هذا الأسبوع على استئناف العلاقات القنصلية بعد قطع العلاقات الدبلوماسية في عام 2009. ويأتي ذلك في أعقاب الاعتقال العسكري الأمريكي لنيكولاس مادورو في يناير، مما يمثل تحولاً لافتاً في السياسة الخارجية لكاراكاس.
الجذور التاريخية لانخراط إسرائيل في أمريكا اللاتينية
انخرطت إسرائيل في الحروب الأهلية بأمريكا اللاتينية إلى جانب قوى الثورة المضادة، وهو انخراطٌ يعود إلى يناير 1959، حينما دخلت قوات فيدل كاسترو هافانا فعثرت على رشاشات عوزي إسرائيلية الصنع في مقرّ الديكتاتور باتيستا. ومع حرص الولايات المتحدة على ألا تبدو داعمةً سياسياً للديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية، ناهيك عن تسليحها، بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، سنحت لإسرائيل فرصةٌ لتجعل من أمريكا اللاتينية زبونها الأول، فصارت بذلك بحلول السبعينيات الوكيل الأول لواشنطن في أمريكا اللاتينية.
فبالنسبة إلى إسرائيل، لم يكن اختراق السوق العسكرية اللاتينية إنجازاً بسيطاً وفورياً، حيث وقّعت إسرائيل أبرز صفقاتها للسلاح في ظل ائتلاف مناحيم بيغن اليميني بين عامي 1977 و1983، فقد كانت تشيلي والأرجنتين والإكوادور نهمة للأسلحة الإسرائيلية عالية التقنية، بما فيها صواريخ شفرير، وطائرات كفير ومقاتلات فرنسية وأمريكية مجدَّدة (دوغلاس A-4 سكاي هوك وميراج)، وقد غدت إسرائيل أهمّ مورّد سلاح لأوغستو بينوشيه في تشيلي بعد المملكة المتحدة.
وقد بلغت العلاقة التاريخية بين إسرائيل وعائلة سوموزا في نيكاراغوا حداً من الحميمية جعل وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان يقوم بزيارة رسمية لسوموزا ومونت عام 1971. ومع ذلك، فإن الصلة بالجنرال إفراين ريوس مونت، الذي كانت ديكتاتوريته العسكرية مسؤولة عن مقتل نحو 300 ألف شخص، هي التي دفعت في نهاية المطاف منابر تقدمية معاصرة إلى العثور على أوجه شبه بين العنف والإخضاع الاستعماري في غواتيمالا وفلسطين.
لم تعترف اسرائيل علناً بأنها انحازت إلى أحد أطراف المتحاربة في أمريكا اللاتينية. وادعت أنها لا تخدم سوى قضيتها اليهودية بكسب المال من عمليات الأسلحة، على حدّ تعبير إسحاق رابين، أو بزعمها أن إسرائيل لا تعنيها أيديولوجيا زبائنها ولا كونهم ديمقراطيين أو معادين للديمقراطية، بحسب كلمات بيغن. لكن سرعان ما انتقلوا إلى تقديم إسرائيل بوصفها راعيةً للديمقراطية في المنطقة والعالم. وفي منتصف الثمانينيات، وعلى رأسها كوردوفا، صُوِّرت هندوراس في الفضاء العام الإسرائيلي بوصفها المشروع الديمقراطي الأبرز للبلاد. وحين وصل كارلوس مونتويا، رئيس الكونغرس الهندوراسي آنذاك، إلى إسرائيل، تناقلت الصحف المحلية بحماسة قوله: إسرائيل تقدّم لنا مساعدة جوهرية عبر جهودها لتكون نموذجاً لتبنّي الديمقراطية بدل الديكتاتورية.
إستراتيجية الاختراق المضاد في أمريكا اللاتينية
تراجعت رعاية إسرائيل للقوات المناهضة للثورة في أمريكا اللاتينية مع انحسار الحرب الباردة وموجة الدمقرطة في القارة خلال الثمانينيات والتسعينيات. ومع ذلك، فقد وقع الضرر وظلّ راسخاً في الوعي التاريخي لليسار اللاتيني. ثم ما إن انهارت عملية السلام الإسرائيلية–الفلسطينية عام 2000، مفسحةً الطريق لانتخاب أرييل شارون، أحد رموز العملية الإسرائيلية في أمريكا الوسطى، رئيساً لوزراء إسرائيل، حتى سقطت القفازات. وجاءت هذه الأحداث الدرامية متزامنةً مع بداية المدّ الوردي اليساري في أمريكا اللاتينية، وسرعان ما أصبحت إسرائيل رمزاً سلبياً في الخطاب المناهض للإمبريالية لدى قادة مثل هوغو تشافيز وإيفو موراليس ورافاييل كوريا ولولا دا سيلفا.
وهو أمر لم تحتمله إسرائيل وعادت إلى الاشتغال من خلال شبكات متعددة تنطلق من تقاطعات المصالح المركبة التي يمثلها الإرث الباقي لها والمضاد لليسار في أمريكا اللاتينية، من خلال شبكات السلاح والمال وتغذية العداء لليسار والوعد بالدعم المالي والاستثمارات الاقتصادية والتكنولوجية لخلق مناخ قادر على استقطاب مجاميع شعبية والأهم برأيي هو الخطاب الديني المدعوم بتصرفات الجماعات الإنجيلية المحافظة الجديدة. وهدفهم من ذلك هو بناء موقف سياسي مضاد للأصوات اليسارية والتعامل مع إسرائيل كتمثيل أسطوري لأصل الغرب وقيمه. وبهذا المعنى، عملت الصهيونية-الإنجيلية المسيحية كإطار لاهوتي يسعى إلى حشد التأييد العام لدعم إسرائيل وإضفاء الشرعية على ممارساتها الإمبريالية ضد الفلسطينيين.
الصهيونية المسيحية: غطاء ديني لحراك سياسي منظم
عندما نُظمت احتجاجات في ساو باولو بالبرازيل ضد حكومة الرئيس " لولا دا سيلفا“. تم الترويج لهذه الاحتجاجات من قبل أنصار الرئيس السابق بولسونارو. وكانت إحدى السمات البارزة لهذا الحشد هي حضور متظاهرين يحملون علم إسرائيل. وفي مقطع فيديو من منصة “ميديا نينجا”، سأل أحد الصحفيين متظاهرة عن سبب ارتدائها، على شكل عباءة، علمي إسرائيل والبرازيل. فأجابت: “لأن إسرائيل مسيحية، مثل البرازيل”. وبشيء من الدهشة، رد الصحفي بأن إسرائيل ليست دولة مسيحية. لكن المرأة أصرت قائلة: “لكنهم يمثلوننا. نحن لسنا شيوعيين. إسرائيل معنا”.
في الظاهر، قد يبدو هذا الادعاء سخيفاً. ومع ذلك، فإنه يعكس المنطق اللاهوتي-السياسي الكامن وراء الاستحضار المتزايد لإسرائيل في مختلف الخطابات السياسية في أمريكا اللاتينية، خاصة داخل الحكومات المحافظة التي برزت خلال العقد الماضي. حيث تتغلغل الخطابات الصهيونية، وخاصة في تنويعاتها المسيحية، في مجتمع أمريكا اللاتينية. إن فهم هذا الإطار يساعدنا على تعميق تحليلنا للعلاقة المعقدة بين السياسة والدين في جميع أنحاء العالم، ولكن بشكل خاص في أمريكا اللاتينية.
يرتبط تأثير الصهيونية من الناحية السياسية ارتباطاً مباشراً بتعميق نفوذ القطاعات الإنجيلية المحافظة في الساحة السياسية الإقليمية. ويمكن فهم هذا الارتباط كجزء من ديناميكية مزدوجة. أولاً، تعمل السرديات الصهيونية المسيحية كمنصات خطابية للقطاعات الإنجيلية المحافظة في أمريكا اللاتينية. ثانياً، تتعاون الجماعات الصهيونية الإنجيلية المسيحية في الولايات المتحدة مع جماعات أمريكا اللاتينية في جهود الضغط، خاصة في المنظمات العالمية والدولية مثلما حصل على سبيل المثال حينما صوتت أرجنتين ميلي ضد إعلان نيويورك الذي يدعم حل الدولتين وهو قرار اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة.
في نقد اللاهوت الاستعماري
تعمل الصهيونية المسيحية كلاهوت عام استعماري يجرّد الإنسان من إنسانيته بناءً على تطرف النقاء الأخلاقي إذ يتجاوز هذا النوع من الاستعمار الصهيوني خصائص النظرية الاستعمارية الجديدة الكلاسيكية وحتى نظريات ما بعد الاستعمار الأكثر تعقيداً. إنه نوع من الاستعمار الذي يقوم، على حد تعبير “فرانز فانون”، على معاملة الرعايا المستعمَرين كأنهم موجودون في منطقة الـ “لا وجود” كأجساد يمكن التخلص منها، ولا تستحق أن تُعتبر كأفراد أو أن تُنسب إلى أي نوع من الجماعات. بل هي بالأحرى، وكما ذكر “إدوارد سعيد”، أجساد حثالة تمثل هدفاً للاحتلال بغرض تحويل أو استئصال حالتها الأخلاقية المنحرفة.
بعبارة أخرى، تُقدم الصهيونية المسيحية كلاهوت عام تُشرعن فيه الاستعمارية على أساس المبدأ المانوي المتمثل في الأخلاق الأصلية النقية، والتي يروج لها الشعب المختار، وتوجهها حقيقة تاريخية-سياسية-ثقافية، مثل وجود دولة إسرائيل في فلسطين. يرتبط هذا اللاهوت العام كمشروع سياسي استعماري وأخلاقي ارتباطاً مباشراً بالجغرافيا السياسية الأمريكية المحافظة وتوسعها الإمبريالي، ليس فقط من الناحية الجغرافية والسياسية، ولكن أيضاً من الناحية الثقافية والدينية. إنه لاهوت يعمل في خلفية الحركات المناهضة للنسوية، والمناهضة للشعوب الأصلية، والمناهضة لـ “الأقليات” بكافة أنواعها، ويجب الوقوف في وجهه!






