“الهندسة العكسية”: هل تختصر عُمان طريقها إلى الصناعة؟

تستطيع سلطنة عُمان توظيف الهندسة العكسية والاستثمار الصناعي المعزز للمحتوى المحلي، مستندة إلى الموانئ وسلاسل التوريد واتفاقيات التجارة الحرة لرفع الصادرات.

عن الكاتب

ناصر الحارثي
ناصر الحارثي

مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفة

“الهندسة العكسية”: هل تختصر عُمان طريقها إلى الصناعة؟
القطاع الصناعي والصناعة
أثير - ناصر الحارثي
يتداول الناس قصصًا قصيرة الذاكرة في التجارب الصناعية للدول، مثل أن الصين سوق مبني على التقليد، وأنها تحاول تفكيك المنتجات الغربية مثل “تيسلا” و “آيفون” لصناعة تقنيات محاكية لها، وأن السوق الغربي مبني على البحث والتطوير والابتكار، بينما السوق الشرقي مبني على التجميع والتصنيع والهندسة العكسية. ولو كانت الصناعة بهذه السهولة، لتمكنت معظم الدول من محاكاة كل منتج جديد في السوق وتصنيعه داخليًا.
في الاقتصاد، هناك مصطلح يسمى “مزايا التأخر الاقتصادي”، أي أن الدول المتأخرة في سباق التقدم الصناعي لا تحتاج إلى ابتكار العجلة من جديد، ولا إلى الاتكاء على منظومتها الصناعية بمزاياها وعيوبها، بل تتسلح بكل الأدوات الحديثة لكي تلاحق الركب. وفي المقابل، تحاول الدول المتقدمة رمي السلم بعيدًا عن الدول القادمة إلى السباق في القطاع الصناعي، وفي هذا الصراع التجاري تنتصر الدول الأكثر صبرًا وقدرة على المراوغة. على سبيل المثال، لم تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية قطاع صناعة السيارات من الصفر، بل استندت إلى الهندسة العكسية والاستفادة من نماذج سيارات ألمانية مثل Benz وOpel، وبريطانية مثل Vauxhall، في تطوير بعض نماذج سيارات مثل فورد وشفروليه، وكان السوق الأمريكي يسهل استيراد النماذج الصناعية من الأسواق الأوروبية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.
تُعد الشركات الأمريكية أقل إفصاحًا عن نموذجها في الهندسة العكسية مقارنة بالنموذج الياباني عبر شركة تويوتا، التي تعترف بذلك في تاريخها الرسمي. ففي أكتوبر من عام 1933، قام المهندس الياباني تويودا بتفكيك سيارة “شفروليه موديل 1933”، وأخذ قياسات أجزائها ورسم مكوناتها، واستخدم تلك المعرفة في إعداد مخطط لمحرك تجريبي. وليأتي الدور لاحقًا في كوريا الجنوبية، عندما استفادت هيونداي من تصاميم وتقنيات سيارات ميتسوبيشي، في حين استفادت كيا موتور الكورية من خبرات ونماذج مازدا اليابانية في مراحل مبكرة من تطورها الصناعي. واليوم، يتحدث الكثيرون عن محاكاة السيارات الكهربائية الصينية لنماذج السيارات الغربية بشكل عام، وتيسلا بشكل خاص.
عندما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدافع عن الهندسة العكسية، ابتكرت مصطلحًا قانونيًا تقنيًا يسمى “الغرفة النظيفة” (Clean Room Design)، وهي طريقة للتحايل على تصميم المنتج من خلال تفكيكه عبر فريق (أ)، وإعادة تركيبه بطريقتهم الخاصة من خلال فريق (ب)، للتحايل على حقوق الملكية الفكرية، واعتبرت ذلك في إطار سوق تنافسي حر. وعندما انقلب السحر على الساحر، وأصبحت الصين تتفنن في تطبيق هذه الحيل عبر منظومة صناعية ضخمة، اضطرت الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات، كفرض التعرفة الجمركية المرتفعة، ومنع تصدير بعض التقنيات المتقدمة إلى السوق الصينية لأسباب عسكرية، ثم لأسباب إنسانية باسم حقوق العمال، ثم المنع التام دون الاضطرار إلى خلق أسباب سياسية للمنع.
لا يوجد نموذج مثالي في إطار الهندسة العكسية، فكل دولة تؤسس قوانينها وفق مصالحها الاقتصادية، مع عدم تجاهل طرق المواءمة مع قوانين التجارة الدولية في السوق العالمي. فمثلًا، أوروبا المعروفة بقوانينها الصارمة حول حماية حقوق الملكية الفكرية، تتساهل كثيرًا في الهندسة العكسية للبرمجيات حتى تتمكن من اللحاق بالسوق العالمي. كما أن اتفاقية تريبس، التي أُبرمت تحت مظلة منظمة التجارة العالمية في عام 1994، تركت هامشًا للدول في اتخاذ سياسات وطنية، ووضعت إطارًا لتوفير آليات دولية لفض النزاعات التجارية المتعلقة بالملكية الفكرية بين الدول الأعضاء.
تتمتع سلطنة عُمان بمزايا جغرافية واقتصادية تتيح لها هامشًا كبيرًا لدخول هذا القطاع بشكل هادئ وبما يخدم مصالحها التجارية، وذلك عبر الاستثمار الأجنبي المباشر المعزز في القطاع الصناعي، وأقصد هنا بالمعزز أنه يعزز المحتوى المحلي الوطني، ويعزز دور القطاع اللوجستي العُماني في سلاسل التوريد، ودعم إنشاء المصانع التجميعية في المناطق الخاصة، مع الاكتفاء بالحد الأدنى من الصرامة في الملكية الفكرية، واقتصارها على ما يخدم المصالح الوطنية المباشرة.
إن الموقع الإستراتيجي والموانئ المطلة على عدد من البحار هي أدوات مفتاحية تتيح للسوق العُماني التصدير إلى عدد من الأسواق الدولية دون أن تؤثر في صناعات تلك الدول، كما أنها تملك فرصًا في إعادة التصدير، خاصة وأن قيمة أنشطة إعادة التصدير في سلطنة عُمان بلغت خلال عام 2025 نحو 2.056 مليار ريال عُماني، محققة نموًا بنسبة 20.3% مقارنة بـ1.708 مليار ريال في عام 2024.
كما أن سلطنة عُمان تملك اتفاقيات تجارة حرة مع عدد من الدول، حيث ترتبط باتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة منذ عام 2009، ودخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الهند حيز النفاذ في 1 يونيو 2026، إلى جانب استفادتها من التعاون الخليجي، واتفاقية التجارة الحرة مع سنغافورة، واتفاقية دول رابطة التجارة الحرة الأوروبية “إفتا”، التي تضم سويسرا والنرويج وأيسلندا وليختنشتاين، مما يتيح لها هامشًا كبيرًا بين حجم التبادل التجاري الحالي والقدرة على رفع معدل الصادرات دون الإخلال بالميزان التجاري مع الدول.

شارك هذا الخبر