بين ترامب وكارتر: من تعلم دروس التاريخ؟

تضغط الحرب مع إيران على شعبية دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية، فيما تراهن طهران على إطالة أمد الصراع وتعميق كلفته الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

بين ترامب وكارتر: من تعلم دروس التاريخ؟
بين ترامب وكارتر: من تعلم دروس التاريخ؟
رصد- أثير
في الوقت الذي يحاول فيه الرئيس الأمريكي إخراج الولايات المتحدة من مستنقع حربه مع إيران، تبدو القيادة في طهران مسرورة للغاية بسحق أحلامه في الانتخابات النصفيّة. بينت صحفية الغارديان في مقال لها رصدته “أثير” أوجه الشبه بين وضع ترامب عشية الانتخابات النصفية ووضع جيمي كارتر الذي كان عالقاً في رمال إيران المتحركة قبل الانتخابات الرئاسية.

هل تتكرر عقدة كارتر؟

قبل أشهر من خسارة جيمي كارتر الانتخابات الرئاسية عام 1980 أمام رونالد ريغان، لقي ثمانية من الجنود الأمريكيين حتفهم في عملية إنقاذ عالية المخاطر فشلت في تحرير عشرات الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران. وعندما كان يلقي كلمة أمام الطلاب والأكاديميين الراغبين في سماع تأملاته حول رئاسته الممتدة لولاية واحدة، سأله أحد الطلاب: ما أكثر شيء تندم عليه؟ أجاب كارتر فوراً: “عدم إرسال المزيد من المروحيات لإنقاذ الرهائن”،
قد يكون مصير كارتر قبل قرابة نصف قرن حاضراً أيضاً في ذهن دونالد ترامب وهو يستعد لخوض حملة الانتخابات النصفيّة خلال الأشهر المقبلة، بينما يخوض صراعاً عسكرياً مع طهران؛ حيث يثبت النظام الإيراني أنه لا يقل استعصاءً عما واجهه سلفه الديمقراطي.
فقد تعثرت جهود ترامب لإنهائه الحرب التي بدأها بالتعاون مع إسرائيل قبل نحو ستة أشهر، في 28 فبراير، وذلك بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في يونيو، مما ترك إيران مسيطرة على مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي كان يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية قبل الصراع.
مع تراجع الدعم الشعبي للحرب، تظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الناخبين الأمريكيين يعتقدون أن أوضاعهم أصبحت أسوأ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025. وهذا المؤشر وحده يعيد إلى الأذهان سؤال ريغان الشهير للناخبين خلال مناظرته الرئاسية مع كارتر عام 1980: “هل أنتم بأحوال أفضل مما كنتم عليه قبل أربع سنوات؟”

ترامب لا يستطيع تغيير المسار

رغم اختلاف الظروف، فإن متاعب ترامب تشبه مأزق كارتر، عندما اقتحم ثوار السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979 واحتجزوا 52 دبلوماسياً وعسكرياً كرهائن. وتفاقم المأزق بعد إجهاض محاولة إنقاذ جريئة في أبريل التالي، جراء أعطال ميكانيكية أصابت ثلاثاً من المروحيات الثماني المشاركة، مما أدى لمقتل ثمانية جنود أمريكيين.
وفشلت الجهود اللاحقة للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن قبل الانتخابات الرئاسية، ولا سيما في نهاية الأسبوع الذي سبق يوم الاقتراع، عندما انهار اتفاق منتظر، مما جعل هزيمة كارتر الانتخابية شبه مؤكدة. وفيما بعد تم إطلاق سراحهم بعد 444 يوماً من الاحتجاز، بعد دقائق من أداء ريغان اليمين الدستورية في 20 يناير 1981.
ويرى المحللون أن المقارنات التاريخية ليست مطابقة تماماً، لكنها كافية ليدركها ترامب والقيادة الإيرانية الحالية على حد سواء. فلم يستطع كارتر تغيير المسار، ولعل هذا هو الأثر الأكثر تشابهاً، لأن ترامب لا يستطيع تغيير المسار أيضاً. كما أنّ ترامب عالق لأنه لم يملك مبرراً منطقياً قاطعاً للحرب، كل ما أراده هو تحقيق نصر آخر. وكان كل ما يلزم القول له لدفعه للانخراط هو: “سيادة الرئيس، هذه ستكون مجرد فنزويلا أخرى، ثم يمكننا التدخل في كوبا”.

هل جاء وقت الانتقام؟

خلال ظهور ترامب في أكاديمية شرطة ناسو في نيو يورك يوم 14 أغسطس، قلل من تأثير الحرب على أسعار الوقود، واصفاً إياه بأنه ضروري لمنع “دولة شريرة” من الحصول على سلاح نوي. وقال: “تذكروا ذلك، عندما تضطرون لدفِع المزيد بقليل، وتصل الأسعار إلى 4 دولارات، فهذا أمر مقبول”.
كما أعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن مضيق هرمز “منطقة أراضٍ أمريكية جديدة”. الأمر الذي غير أثار السخرية الإيرانية. وفي الأيام الأخيرة، هدد الرئيس بفرض “حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق” ضد إيران، دون ذكر تفاصيل ما يعنيه ذلك بدقة، واكتفى بتحذير مبهم للدول التي تقدم “أي نوع من شريان الحياة” لطهران بأنها ستعاني هي الأخرى.
ويبدو أن هذه التقلبات تعكس إحباطاً ناجماً عن قلة الخيارات المتاحة، وهو مأزق يتوقع المحللون أن يستغله القادة الإيرانيون عبر تعميق تراجع شعبية ترامب مع اقتراب الانتخابات النصفيّة. يبدو أن الإيرانيين مصممون على جعل ترامب يدفع ثمن بدء هذه الحرب في الانتخابات النصفيّة“. ويعتمد هذا النهج على حرمان ترامب من خيار وضع الحرب على الرف، أو مجرد إعلان النصر.
لقد ألمحوا إلى أنهم يمنحونه أربعة أسابيع للعودة إلى مذكرة التفاهم وتطبيقها بالكامل، وإلا فإنهم سيصعدون. وهذا يعني نطاقاً أوسع من الهجمات على أهداف في الخليج، ومزيداً من الهجمات على القواعد والأصول العسكرية الأمريكية. وقد تجسد الموقف الإيراني الأكثر هجومية في إعادة هيكلة أخيرية في قيادة النظام شملت ترقية محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني خلال معظم فترة الحرب مع العراق (1980-1988)، ليتولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي.
كما شملت التغييرات تعيين حسين طائب الرئيس الأسبق للاستخبارات، على رأس قوات الباسيج.

غير مستعجلين إطلاقاً

قال مهرزاد بروجردي، نائب مدير جامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا: “من المنصف القول إن الإيرانيين قرروا جعل حياة ترامب أكثر بؤساً بطرق متعددة، وسيفعلون بلا شك كل ما بوسعهم لإيذائه في الانتخابات النصفيّة”.
وأضاف: “كل استطلاع رأي أمريكي رأيته يربط ربطاً مباشراً بين حرب إيران وما يدور في ذهن البيت الأبيض بشأن الإجراءات الواجب اتخاذها، وهذا هو السبب في تحول ترامب من التهديد بالعمل العسكري إلى الاستسلام لفكِرة أن الاقتصاد هو كعب أخيل للنظام الإيراني، ومحاولة الضغط عليهم للجلوس إلى طاولة المفاوضات. لكنهم ليسوا مستعجلين إطلاقاً، إذ لا يرى الإيرانيون أن وضعهم الاقتصادي بالغ السوء”.
وما قد يزداد سوءاً مع الاقتراب من الانتخابات النصفيّة هو آفاق الاقتصاد الأمريكي والعالمي، بحسب ألان إير، الخبير السابق بالشأن الإيراني في وزارة الخارجية الأمريكية، الذي يرى أن السباق بين “ساعتين اقتصاديتين” يصب في مصلحة إيران.
وأضاف: “سيكون الوضع سيئاً للغاية ونحن نتجه نحو الانتخابات النصفيّة. لقد خففنا من الأزمة إلى حد ما عبر السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، والضغط الشفهي على السوق، وبسَبب تقليل الصين لواردات النفط، لكن مرونة النظام تتراجع تراجعاً ملحوظاً، وهناك قفزة تضخمية في الطريق”. وأمام هذه الخيارات السيئة، لا يملك ترامب إلا اختيار الخيار الأقل سوءاً، وهو ما قد يعادل الاعتراف بالهزيمة.

“فرم انتخابي”؟

إن فتح المضيق قد لا يؤدي لانتعاش اقتصادي فورى، إذ ستستغرق شركات التأمين البحري وقتاً لتقييم ما إذا كان الممر المائي آمناً لاستخدام السفن مجدداً.
وقد يكون ترامب غير مبالٍ بالمصير الانتخابي لأعضاء حزبه في الكونغرس الأمريكي، الذين يعاملهم بقدر ضئيل من الاهتمام، فهو يرى علامته التجارية الخاصة أفضل من العلامة التجارية للحزب الجمهوري. وحقيقة أن الحزب الجمهوري قد يسير نحو مفرمة انتخابات في نوفمبر لا تسهم في تحفيزه حقاً“.
ويبدو أن ترامب يستعد بالفعل للحياة في ظل كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، إذ أعلن هذا الشهر تعيين ويل شارب، المحامي اليميني، مستشاراً قانونياً جديداً للبيت الأبيض، بمهمة واضحة تتمثل في التصدي لموجة متوقعة من مطالب الديمقراطيين الخاصة بمذكرات الاستدعاء وطلب الوثائق والتحقيقات البرلمانية.
كما بدأ ترامب، الذي رفض علناً قبول هزيمته أمام جو بايدن في انتخابات 2020، يمهد الطريق للتشكيك بنزاهة نتائج انتخابات نوفمبر المقبلة أيضاً. ويبقى إلحاق هزيمة انتخابية بترامب مكسباً يستحق السعي بالنسبة للقادة الإيرانيين، فهذه النتيجة ستفتح الطريق أمام الديمقراطيين في الكونغرس لتكثيف الرقابة على السلوك الأمريكي في الحرب.

شارك هذا الخبر