لماذا لم تؤثر الرمة في البيوت العمانية القديمة؟

أسهم تعريض التربة للشمس وفصل المساكن عن البساتين في حماية المباني العمانية القديمة من الرمة، بينما وفرت الرطوبة والتبليط الحديث بيئة لانتشارها.

لماذا لم تؤثر الرمة في البيوت العمانية القديمة؟
البيوت العمانية القديمة
أثير - الدكتور هلال بن سالم بن سعيد الشماخي
تقف الحارات القديمة والقلاع الشامخة في سلطنة عمان شاهدة على عبقرية معمارية تحدت الزمن والبيئة الصحراوية القاسية. ورغم أن تلك المباني أقيمت كليا من الطين والأخشاب والمواد العضوية -والتي تعد وجبة غنية لحشرة الرمة (النمل الأبيض)- إلا أنها صمدت لعقود طويلة دون أن تنهار؛ في مفارقة عجيبة تجعلها أكثر مقاومة لهذه الآفة مقارنة بأحدث المنشآت الخرسانية اليوم. فما السر الهندسي الذي أودعه الأجداد ليجعلوا منها حصونا منيعة أمام الطبيعة وآفاتها؟ تظهر الدراسات الميدانية في عدة مناطق حول العالم -كما في مدن جنوب شرق آسيا كماليزيا وسنغافورة، ودلتا نهر اللؤلؤ في الصين، والمراكز الحضرية في الولايات المتحدة واستراليا- أن التحول العمراني المتسارع من النمط القروي والمدن الصغيرة إلى المراكز الحضرية الكبرى أحدث تغيرا جذريا في سلوك الحشرات؛ إذ أدى استبدال الأراضي الترابية المكشوفة بالصبات الإسمنتية والشوارع الإسفلتية إلى انحسار التنوع الحيوي مقابل هيمنة أنواع محددة فائقة التكيف، حيث استغلت هذه الحشرات البيئة المستقرة في درجة الحرارة ونسبة الرطوبة أسفل المنشآت الحديثة لتتحول من كائنات نافعة تعيد تدوير المادة العضوية في الطبيعة إلى آفات عالية الكثافة تتسلل عبر الهياكل الإنشائية.
الهندسية في العمارة العمانية القديمة وظفت العوامل الطبيعية كخط دفاع حيوي، وفي مقدمتها آلية التعقيم الحراري؛ إذ تمتلك حشرات الرمة أجسادا رقيقة تجعلها شديدة الحساسية للجفاف، مما يربط وجودها دائما بمستويات الرطوبة في التربة. وقد أسهمت الأفنية والممرات الترابية المكشوفة قديما في تعريض المحيط المباشر للمبنى لأشعة الشمس المباشرة، مما كان كفيلا بتجفيف الطبقة السطحية من التربة وجعلها بيئة طاردة للآفة.
وفي المقابل، أوجد المعمار الحديث واقعا مختلفا مع التوسع في رصف بلاط الإنترلوك والطبقات الإسمنتية؛ حيث يقل تأثر التربة بتقلبات الجو الخارجي، وتمنح الحشرات بيئة مناسبة للاستقرار والتحرك بمرونة أكبر بعيدا عن الملاحظة وعن المفترسات الطبيعية كالنمل والعناكب التي باتت معزولة عن التربة السفلية.
ولا يتوقف هذا الأثر عند حدود المبنى الفردي، بل يمتد ليتصل بنطاق أوسع على مستوى التخطيط الحضري للمدينة؛ حيث توفر خنادق التمديدات الخدمية، كشبكات الصرف الصحي وتصريف المياه، بيئة رطبة ومسارات حركة ميسرة. كما تتيح مسارات أنابيب الكهرباء والاتصالات قطع مسافات طويلة تحت الشوارع الإسفلتية. وقد حولت الطبقات الخرسانية والإسفلتية الممتدة الأحياء السكنية إلى بيئات مترابطة تحت الأرض، مما يجعل المبنى عرضة لنشاط الآفات القادمة من المحيط الخارجي وليس فقط من نطاق أرضه المباشرة.
وإلى جانب التبليط والشبكات الخدمية، أدى دمج المساحات الخضراء والحدائق بالكتل الخرسانية في المخططات العمرانية المعاصرة والمدن الحديثة إلى تعديل الظروف البيئية للتربة. فبينما اعتمد التخطيط التقليدي على فصل مكاني واضح بين الدور السكنية والبساتين المخدومة بقنوات ري جارية تجف وفق دورات منتظمة، شاع في العمران الحديث إدخال أحواض زراعية ملاصقة للجدران ونظم ري أوتوماتيكية دقيقة، مما يمنح التربة رطوبة دائمة تشجع النشاط التكاثري والتمدد للمستعمرات.
تُظهر هذه المقارنة أن المعالجات الكيميائية الموضعية داخل حدود المبنى الفردي قد تكون مؤقتة الأثر إذا ظلت المستعمرات الخارجية تنعم بالرطوبة والحماية. وتتطلب معالجة هذا التحدي تبني رؤية تخطيطية شاملة تعيد صياغة مفاهيم الهندسة الوقائية في المراحل التمهيدية للتصميم الحضري؛ كاستخدام حواجز فيزيائية قاطعة للتربة الرطبة لتقسيم المساحات المزروعة، وتطبيق نظم إدارة ري ذكية تحد من الفائض المائي، وفصل التمديدات الخدمية عن القواعد الإنشائية واستعادة مبدأ التوازن والفصل المكاني الذي امتازت به العمارة العمانية القديمة، ولكن بلغة هندسية وتقنية معاصرة تحفظ كفاءة المدن الحديثة واستدامتها.

شارك هذا الخبر