رصد - أثير
بحث معالي قيس بن محمد اليوسف، رئيس الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، اليوم في مقر الهيئة بمسقط، مع وفد اقتصادي من مقاطعة هاينان الصينية، سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، خصوصًا في المناطق الاقتصادية والحرة والمدن الصناعية في سلطنة عُمان.
وترأس الوفد الصيني معالي باتير، نائب الحاكم التنفيذي لمقاطعة هاينان بجمهورية الصين الشعبية، حيث استعرض الجانبان، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء العُمانية، الفرص الاستثمارية المتاحة في المناطق التي تشرف عليها الهيئة، إلى جانب مجالات التعاون الممكنة مع المقاطعة الصينية، وفرص إقامة شراكات بين الشركات والمؤسسات من الجانبين في عدد من القطاعات الاقتصادية والصناعية الواعدة.

لكن النقاش لم يتوقف عند استعراض الفرص، إذ تطرق الجانبان إلى كيفية تحويلها إلى شراكات ومشروعات قابلة للتنفيذ، عبر تسهيل التواصل بين القطاع الخاص، والاستفادة من التجارب المتبادلة في تطوير وإدارة المناطق الاقتصادية والمتخصصة، وتعزيز التكامل بين المناطق والموانئ، وتنمية التجمعات الصناعية واستقطاب الاستثمارات النوعية.
كما جرى التعريف بالمقومات التي توفرها المنظومة الاقتصادية والحرة والصناعية في سلطنة عُمان، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي وانفتاحها على الأسواق الإقليمية والعالمية، إلى جانب شبكة الموانئ والمطارات والبنية الأساسية التي تمنح المستثمرين خيارات أوسع للوصول إلى الأسواق والتوسع في أعمالهم.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التواصل بين مجتمعي الأعمال في سلطنة عُمان ومقاطعة هاينان، والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات الصينية، بما يدعم استقطاب استثمارات نوعية، ويفتح المجال أمام نقل المعرفة والتقنيات الحديثة، وتعزيز التكامل الصناعي بين الجانبين
ماذا استضاف ميناء الدقم قبل أيام؟
قبل زيارة وفد هاينان بأيام، كان ميناء الدقم يستقبل مؤشرًا آخر على تنامي حركة التجارة القادمة من الصين، ففي 3 سبتمبر الجاري، استقبل الميناء سفينة تابعة لشركة ”بي واي دي“، قادمة من الصين، وعلى متنها 1,219 مركبة مخصصة لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، في أول وصول لسفينة تابعة للشركة إلى سلطنة عُمان.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للسفينة نحو 9,200 مركبة، فيما خُصص أكثر من 200 مركبة من الشحنة للسوق العُماني، على أن تتجه بقية المركبات إلى أسواق خليجية أخرى.
ولا تتوقف دلالة وصول السفينة عند عدد المركبات التي حملتها، إذ يعكس الحدث قدرة ميناء الدقم على استقبال سفن الدحرجة ذات السعات الكبيرة، ومناولة شحنات المركبات، وربط الأسواق الآسيوية بأسواق الخليج.
لماذا يهم موقع الدقم في هذه المعادلة؟
الدقم لا يعتمد في أهميته على موقعه الجغرافي وحده، بل على ما أُقيم فيه من بنية أساسية ومشروعات خلال السنوات الماضية، جعلت منه أحد أبرز مكونات المنظومة اللوجستية والاقتصادية في سلطنة عُمان.
ويمنح موقعه على بحر العرب ميزة مختلفة في حركة التجارة، خصوصًا مع التحولات التي تشهدها الممرات البحرية وارتفاع أهمية المسارات التي توفر خيارات إضافية أمام حركة الشحن والتجارة.
ومن هنا، يصبح الموقع الجغرافي أكثر من مجرد نقطة على الخريطة، إذ يمكن تحويله إلى قيمة اقتصادية من خلال الموانئ والمناطق الاقتصادية والصناعات والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
وهذه هي الفكرة التي تناولها مقال ”أثير“ للصحفي أمين بركة بعنوان ”الدقم: الميناء الذي لا يحتاج هرمز“، والذي استعرض تطور الميناء خلال السنوات الماضية، والمشروعات المرتبطة به، وما يمكن أن يعنيه موقع الدقم في خريطة التجارة والطاقة مستقبلًا.
كيف تكشف الأرقام حجم العلاقة مع الصين؟
تأتي هذه التطورات في ظل علاقة تجارية واسعة بين سلطنة عُمان والصين، إذ تُعد الصين أكبر سوق للصادرات العُمانية، بقيمة بلغت نحو 3.1 مليار ريال عُماني
وتأتي الهند في المرتبة التالية بنحو 1.3 مليار ريال عُماني، ثم الإمارات العربية المتحدة بنحو 657 مليون ريال، وكوريا الجنوبية بنحو 565 مليون ريال، وجنوب أفريقيا بنحو 436 مليون ريال، فيما بلغت الصادرات إلى بقية الأسواق نحو 3.5 مليار ريال عُماني.
وتضع هذه الأرقام الصين في قلب حركة التجارة الخارجية العُمانية، وتفسر جانبًا من الاهتمام المتبادل بتوسيع التعاون في قطاعات تتجاوز التجارة التقليدية إلى الاستثمار والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
إلى أين تتجه الشراكة العُمانية الصينية؟
خلال ملتقى الصداقة العُماني - الصيني 2025، قال سعادة ليو جيان، سفير جمهورية الصين الشعبية المعتمد لدى سلطنة عُمان، إن الصين تُعد الشريك التجاري الأول للسلطنة، مشيرًا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 36.7 مليار دولار أمريكي في عام 2024.
كما أشار إلى أن الصين ثالث أكبر مستثمر في سلطنة عُمان، لافتًا إلى عدد من المشروعات المشتركة في مجالات مختلفة، من بينها القمر الصناعي العُماني، والاستثمارات في قطاع الطاقة، وبرامج التدريب التي استفاد منها أكثر من 1,200 عُماني.
وتتجاوز العلاقات بين البلدين الأرقام التجارية والاستثمارية، إذ تمتد الروابط بين عُمان والصين لأكثر من 1,200 عام، بينما تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين إلى عام 1978م.
ماذا وراء الحضور الصيني المتزايد في عُمان؟
بين وفد اقتصادي يبحث عن فرص الاستثمار، وسفينة تحمل أكثر من ألف مركبة من الصين، وميناء يتوسع في خدمة الأسواق الخليجية، تبدو الصورة أكبر من حدث واحد.
فالدقم ليس مجرد ميناء استقبل سفينة، وهاينان ليست مجرد مقاطعة أرسلت وفدًا اقتصاديًا، بل يأتي الحدثان ضمن علاقة اقتصادية تتسع مساحاتها بين التجارة والاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية.
وفي قلب هذه العلاقة، تحاول سلطنة عُمان توظيف موقعها الجغرافي وتحويله إلى قيمة اقتصادية فعلية، عبر ربط الموانئ بالمناطق الاقتصادية، وربط الإنتاج بالأسواق، واستقطاب الاستثمارات التي يمكن أن تضيف إلى الاقتصاد وتدعم حضوره على خطوط التجارة بين آسيا والمنطقة.





