أثير- ناصر الحارثي
هناك مثل إنجليزي معروف “Opportunity knocks”، أي أن الفرص قد تطرق بابك، وليس عليك دائمًا السعي بعيدًا للوصول إليها، وينطبق هذا المثل إلى حد كبير على التاجر العُماني الذي يرغب في الاستثمار في السوق الرواندي؛ إذ ينبغي لأصحاب وصاحبات الأعمال العُمانيين النظر إلى هذا السوق من زاوية مختلفة، فهو يتيح فرصًا عديدة للمستثمرين والشركات العُمانية، وفي هذا المقال سنحاول استعراض أهمية هذا السوق، ولماذا ينبغي للتاجر العُماني أن ينظر إليه بعين الاهتمام.
قد لا تبدو رواندا، وعاصمتها كيغالي، على الورق أفضل سوق أفريقية من حيث حجم المبيعات والقوة الشرائية، كما أنها لا تمتلك منفذًا بحريًا، والحضور العُماني التاريخي وانتشار اللغة السواحيلية فيها أقل مقارنة بتنزانيا وكينيا، إلا أنها تمتلك مزايا تجعلها ذات أهمية كبيرة للشركات الحكومية والمستثمرين.
حرص قيادة البلدين
أولت سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بالسوق الرواندي، ووضعته ضمن أهدافها في تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، ونشهد هذه الأيام تتويجًا لهذا التعاون الاستراتيجي من خلال استقبال حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه- فخامة الرئيس بول كاجامي، رئيس جمهورية رواندا الصديقة، بقصر الحصن العامر في صلالة، بمناسبة زيارة فخامته الرسمية إلى سلطنة عُمان، وذلك لبحث أوجه التعاون المشترك في مختلف المجالات.
وكانت رواندا قد استقبلت 40 ألف طن من المنتجات النفطية عبر ميناء تانغا في 26 يوليو 2026، كما وقّع البلدان في يناير الماضي اتفاقيات في مجالات الخدمات اللوجستية والطيران والاستثمار والتطوير والبنية الأساسية وتقنية المعلومات، وجاء الاتفاقيات نتيجة جهود دبلوماسية مشتركة، من بينها اللقاءات التي عقدها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، مع نظيره الرواندي، والزيارات التي قامت بها سعادة نصراء بنت سالم الهاشمي، سفيرة سلطنة عُمان لدى جمهورية كينيا والسفيرة غير المقيمة لدى جمهورية رواندا، ولقاءاتها مع عدد من المسؤولين في مختلف القطاعات في رواندا.
لقد تجاوزت العلاقات بين البلدين مرحلة الاستكشاف عبر المعارض والزيارات المشتركة إلى مرحلة التعاون في قطاعات أساسية ومهمة للبلدين، وهذا المنطلق في غاية الأهمية؛ إذ يولي البلدان اهتمامًا كبيرًا باستثمارات الشركات الحكومية بوصفها محركًا مهمًا للاقتصاد، وهو ما يمهد لاحقًا للمستثمرين والقطاع الخاص للمشاركة بفاعلية في تعزيز الاستثمار.
ويبرز في السوق الرواندي دور المؤسسات الحكومية بوصفها منظمًا وميسّرًا للاستثمار، بل وصانعًا للصفقات التجارية، سواء من خلال تسهيل القطاع اللوجستي أو الاستثمار في البنية الأساسية، لذلك يمكن للمستثمر العُماني الراغب في دخول السوق الرواندي أن يتحرك عبر ثلاثة مسارات:
- المشاريع الحكومية المشتركة بين البلدين
- المشاريع المرتبطة بالبرامج الحكومية
- المشاريع في القطاعات الاقتصادية الواعدة في رواندا.
وهنا نستعرض بعض أهم الفرص المتاحة لأصحاب وصاحبات الأعمال العُمانيين في السوق الرواندي، وهي على سبيل المثال لا الحصر؛ فرائد الأعمال عادة ما يرى فرصًا تتجاوز الخيارات المتوقعة:
- تصنيع المنتجات الغذائية: يعد مجلس التنمية الرواندي Rwanda Development Board (RDB) البوابة الرئيسية للاستثمار، إذ يعرض الفرص والأراضي المتاحة للاستثمار ومعلومات حول المشاريع، وبحكم أن رواندا دولة غير مطلة على البحر، فقد يكون تأسيس مصانع للمنتجات الغذائية محليًا أكثر جدوى في بعض القطاعات من الاعتماد الكامل على الاستيراد بسبب تكاليف النقل، كما توجد فرص في تصنيع الألبان والدواجن وتحميص القهوة وإضافة القيمة إلى المنتجات الزراعية واستهلاكها محليا أو تصديرها لكل من الأسواق المجاورة والسوق العماني.
- الاستيراد والتصدير:لا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين محدودًا مقارنة بالفرص المتاحة، وتصل المنتجات إلى العاصمة كيغالي أساسًا عبر ميناء دار السلام في تنزانيا، على بُعد نحو 1,400 كم، أو ميناء ممباسا في كينيا، على بُعد نحو 1,700 كم. وتستفيد رواندا من عضويتها في مجموعة شرق أفريقيا ومن نظام جمركي ولوجستي متكامل، إلى جانب التتبع الإلكتروني للشحنات، بما يسرّع إجراءات التخليص ويحد من تكرار الإجراءات الجمركية أثناء عبور الدول، وهذه التسهيلات حديثة حيث كان الشحن سابقًا أكثر تعقيدًا.
- السياحة: هناك فرص واعدة لمكاتب السفر والسياحة العُمانية لتنظيم رحلات إلى رواندا منخفضة ومتوسطة التكلفة، مستفيدة من خط الطيران المباشر بين مسقط وكيغالي، إلى جانب تصميم برامج وباقات بالتعاون مع المشغلين السياحيين في رواندا. كما توجد فرص للاستثمار في الفنادق والمنتجعات والشاليهات والمرافق السياحية.
- القهوة والشاي: تتميز رواندا بنشاط قطاعها الزراعي، وتعد قهوة “Arabica” والشاي من أبرز منتجاتها، ويمثل السوق العُماني فرصة لتسويق القهوة الرواندية المختصة في ظل النمو المتسارع للمقاهي المتخصصة، إلى جانب إمكانية استيراد الشاي الرواندي وتعبئته في عُمان أو إعادة تصديره إلى أسواق الخليج.
- مواد البناء والتطوير العقاري: تشهد رواندا نشاطًا ملحوظًا وإنفاقا حكوميا كبيرا في قطاعات البنية الأساسية والبناء والتوسع الحضري، وهو ما يتيح فرصًا للشركات العُمانية في تصدير مواد البناء والسيراميك والرخام وغيرها من المنتجات إلى السوق الرواندي، إلى جانب دراسة فرص البناء والتطوير العقاري.
قبل نحو 15 عامًا، ألقى فخامة الرئيس بول كاجامي، رئيس جمهورية رواندا، خطابًا في لندن أشار فيه إلى أن أحد العوائق أمام الاستثمار في أفريقيا يتمثل في “الصورة الذهنية عن أفريقيا أكثر من الواقع الفعلي على الأرض”. إلا أن تاريخنا العُماني يشير إلى أن الصورة الذهنية لم تكن يومًا عائقًا أمام التاجر العُماني في البحث عن فرص استثمارية وأسواق جديدة للتوسع.






