حكمنا أحمد الكاف، مسيرة آسيوية عظيمة؛ فهل حُرِم من حبة الكرز؟

أنهى الحكم العماني أحمد الكاف مسيرته بعد نحو عشرين عامًا من الحضور في البطولات الكبرى وإدارة ثلاث نهائيات آسيوية، فيما بقي الظهور في كأس العالم محطة لم تتحقق.

حكمنا أحمد الكاف، مسيرة آسيوية عظيمة؛ فهل حُرِم من حبة الكرز؟
أحمد الكاف
أثير - أحمد الحارثي
ليست كل النهايات متشابهة. بعضها يغلق الباب بهدوء، وبعضها يترك خلفه مساحة للتأمل، كأن ما جرى يستحق أن يقرأ أكثر من مرة.
بعد نحو عقدين في الملاعب، أعلن الحكم العماني أحمد الكاف اعتزاله، منهيا مسارا قاده من المنافسات المحلية إلى واجهة التحكيم الآسيوي، حيث أدار ثلاث مباريات نهائية في دوري أبطال آسيا وشارك في عدد من أبرز الاستحقاقات القارية.
لكن قيمة أي تجربة لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بما تصنعه من حضور وأثر. والكاف استطاع أن يحجز لنفسه مكانا بين الأسماء البارزة في واحدة من أكثر البيئات التحكيمية تنافسا في القارة.
التحكيم مهنة قاسية في ميزان الذاكرة الرياضية. اللاعب يخطئ ثم يجد فرصة للتعويض، والمدرب يخسر فيعيد النظر في خطته، أما الحكم فقد تختزل سنوات من عمله في قرار اتخذه خلال لحظة.
قد يصيب فيمر الأمر كأنه واجب، وقد يخطئ فيتحول القرار إلى عنوان للمباراة.
لذلك فإن البقاء لسنوات في دائرة المنافسات الكبرى ليس أمرا يسيرا. وما بلغه الكاف من حضور في البطولات القارية الكبرى يعكس الثقة التي حظي بها والمستوى الذي وصل إليه، ويؤكد أن وجوده لم يكن عابرا.
ومع ذلك، بقيت محطة كان يتطلع إليها كثيرون في نهاية هذه التجربة.
كان الظهور في كأس العالم يمثل امتدادا طبيعيا لطموح حكم يمتلك هذا الرصيد من الخبرة والمباريات الكبرى، لكن اسمه لم يكن ضمن الاختيارات النهائية، لتنتهي مشاركاته الدولية من دون المرور عبر أكبر مسرح كروي في العالم.
وهنا تحديدا يجب أن يكون الحديث هادئا، وأن تترك للوقائع مساحتها.
فلا تتوافر، في حدود ما أعلن رسميا، تفاصيل كافية تسمح بتفسير أسباب عدم اختياره. كما أن عملية المفاضلة بين الحكام لا تختزل في عدد النهائيات أو سنوات الخبرة، إذ تحكمها معايير فنية وتقييمات وآليات اختيار لا تكون جميع تفاصيلها متاحة للرأي العام.
ومع ذلك، يبقى من المشروع التساؤل عن المعايير التي تصنع الفارق بين الوصول إلى أعلى مستويات المنافسة القارية والانتقال إلى المسرح العالمي، خصوصا في حالة اسم يمتلك تجربة طويلة في المباريات الكبرى.
ليس المقصود البحث عن مسؤول أو قراءة ما وراء الكواليس دون أدلة، وإنما التوقف عند الفارق بين ما تحقق والفرصة التي لم تأت. وفي غياب معلومات رسمية أكثر تفصيلا، يظل هذا التساؤل في إطاره المهني، بعيدا عن الاستنتاجات المسبقة.
لكن النظر إلى التجربة من زاوية ما غاب عنها وحده لا ينصف ما سبقها.
فعشرون عاما من العمل، وحضور طويل في البطولات الكبرى، ومكانة متقدمة في المشهد التحكيمي الآسيوي، تشكل في مجموعها تجربة لا يمكن اختزالها في محطة واحدة لم تتحقق.
فالرياضة لا تمنح دائما نهايات تتناسب مع حجم الطموح. قد يبلغ الإنسان أبعد ما يستطيع، ثم يجد أن بعض الأبواب بقيت خارج متناوله.
لكن الأبواب المغلقة لا تمحو المسافة التي قطعها للوصول إليها.
الاعتزال يغير زاوية النظر إلى الإنسان. داخل الملعب، يحاسب الحكم على لحظة وقرار. وبعد المغادرة، تصبح الصورة أوسع، ويصبح المسار كله هو موضع التقييم.
ومن هنا، لا تتعلق نهاية الكاف بالماضي وحده، بل بما يمكن أن تفتحه أمام مستقبل التحكيم العماني. فقد أثبتت تجربته أن الوصول إلى أعلى المستويات الآسيوية ممكن، ويبقى التحدي في أن تتحول هذه التجربة إلى دافع لأسماء جديدة تبدأ من حيث انتهى من سبقها.
ففي النهاية، لا تقاس المسيرة بالمباراة الأخيرة وحدها، ولا بما لم يتحقق فيها.
لكل حكم صافرة أخيرة، لكن ليست كل المسيرات تنتهي عند صوتها.
يغادر أحمد الكاف التحكيم وقد بقيت في سجله محطة لم تتحقق، لكن ما لم يحدث لا يلغي ما حدث، وما أغلقه باب لا يمحو الأبواب التي وصل إليها.
فبعض المسيرات لا تقاس بما فاتها، بل بما أثبتته، وهذا، ربما، ما يبقى بعد أن تصمت الصافرة.

شارك هذا الخبر