من المزاد إلى المشتري: كيف يصنع الشباب العُماني قيمة من تجارة السيارات المستوردة؟

تبدأ جدوى السيارة المستوردة قبل المزاد، إذ يحدد فحص تاريخها وتقدير أضرارها وتكاليف شحنها وإصلاحها وتسجيلها فرص الربح، وقد يحول الخطأ السعر المغري إلى خسارة.

عن الكاتب

أمين بركة
أمين بركة

صحفي‏ وكاتب محتوى

من المزاد إلى المشتري: كيف يصنع الشباب العُماني قيمة من تجارة السيارات المستوردة؟
من المزاد إلى المشتري: كيف يصنع الشباب العُماني قيمة من تجارة السيارات المستوردة؟
أثير- أمين بركة
قد تبدأ قصة سيارة تباع في سلطنة عُمان بصورة على شاشة هاتف، أو بمزايدة في أحد المزادات الأمريكية أو الآسيوية، لكنها لا تنتهي عند الضغط على زر الشراء، فبين اللحظتين تمتد سلسلة طويلة من القرارات والتكاليف: اختيار السيارة، قراءة تاريخها، تقييم أضرارها، شراؤها ونقلها، شحنها، تخليصها، إصلاحها، تسجيلها، ثم تسويقها وبيعها.
وفي كل مرحلة من هذه الرحلة توجد فرصة اقتصادية، كما توجد مخاطرة قد تغير حسابات الصفقة بالكامل.

أرقام خلفها فرص

في نهاية 2025، بلغ إجمالي عدد المركبات المسجلة في سلطنة عُمان مليونًا و851 ألفًا و469 مركبة، وفقًا للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
واستحوذت المركبات الخصوصية على النسبة الأكبر من إجمالي المركبات المسجلة في عُمان، بنسبة 79.2% وبعدد مليون و465 ألفًا و455 مركبة، تلتها المركبات التجارية بنسبة 14.8% وبعدد 273 ألفًا و508 مركبات، ثم مركبات التأجير بنسبة 2.4% وبلغ عددها 44 ألفًا و606 مركبات، فيما توزعت النسب المتبقية بين مركبات الأجرة، والمركبات الحكومية، وغيرها.
وفي سوق السيارات الجديدة، سجلت عُمان خلال عام 2025 نحو 75 ألفًا و549 مركبة جديدة، وفق بيانات سوق السيارات.
لكن خلف هذه الأرقام سؤال آخر يهم الشباب الباحثين عن فرصة اقتصادية: أين يمكن للشاب العُماني أن يصنع قيمة داخل هذه السلسلة؟ وهل تكفي معرفة المزادات والأسعار لتحقيق الربح؟

الصفقة تبدأ قبل شراء السيارة

بالنسبة إلى عبد الأمير العجمي، مدير شركة العجمي للسيارات، فإن عملية استيراد السيارة لا تبدأ بالمزايدة، وإنما بتقييم السيارة وإمكان إصلاحها، ثم احتساب سعر الشراء والشحن والتخليص والتصليح والتسجيل والتسويق.
ويشير العجمي خلال حديث خاص بـ“أثير” إلى أن أكبر فرصة أمام الشاب العُماني تكمن في معرفة السوق واختيار السيارة المناسبة وحساب التكلفة كاملة قبل الشراء؛ لأن السيارة التي تبدو رخيصة في الخارج قد تفقد ميزتها السعرية بعد إضافة بقية المصروفات.
ويقول إن تكلفة الشحن من الولايات المتحدة قد تبلغ نحو 600 ريال عُماني فأكثر بحسب الولاية، بينما تختلف التكلفة بالنسبة إلى اليابان وكوريا بحسب السوق والمسار.
وبالنسبة إليه، فإن السيارات الأمريكية قد تكون مناسبة خصوصًا عندما يكون الضرر بسيطًا، فيما يرى أن السيارات الألمانية والبريطانية وبعض السيارات الفاخرة قد تكون أكثر جدوى في بعض الحالات عند البحث عنها في اليابان أو كوريا من حيث السعر والحالة والنظافة.
وهذه الخبرة في اختيار السوق لا تقل أهمية عن رأس المال نفسه؛ لأن السؤال ليس فقط عن السعر الأرخص، وإنما عن السيارة التي يمكن أن تجد طلبًا عليها بعد وصولها إلى عُمان.

من المزاد إلى الميناء

تتيح المنصات الرقمية اليوم الوصول إلى أسواق كانت في السابق بعيدة عن المستورد العُماني، فالمزادات الأمريكية مثل Copart وIAAI تعرض أعدادًا كبيرة من السيارات، بينما تستخدم منصات آسيوية مثل Encar للوصول إلى السيارات في كوريا، إلى جانب قنوات ومزادات أخرى في اليابان.
ويمكن من خلال هذه المنصات مشاهدة السيارات والمزايدة عليها، وقراءة التقارير، ومتابعة الشحن، ثم تسويق السيارة محليًا عبر المنصات الرقمية.
وتشير الشركات الأربع التي قابلتها “أثير” إلى أهمية استخدام منصات المزادات العالمية للوصول إلى السيارات، فيما يمكن استخدام منصات البيع المحلية للوصول إلى المشتري العُماني.
لكن التقنية لا تلغي المخاطر، بل ربما تجعل سرعة اتخاذ القرار أكبر، وهو ما يجعل الخبرة أكثر أهمية، فالمعلومات متاحة للجميع، لكن القدرة على قراءة المعلومات واتخاذ القرار الصحيح ليست متاحة بالدرجة نفسها للجميع.
وبحسب المدير التنفيذي لشركة “إقلاع” لتجارة السيارات عبد الله المقبالي، فإن رحلة شراء السيارة تبدأ من ساحات السيارات في الولايات المتحدة وكوريا واليابان، حيث يجري تقييم المركبات اعتمادًا على التقارير والصور والمعلومات المتاحة قبل اتخاذ قرار الشراء.
وهنا تبدأ أولى حلقات المخاطرة، فالمستورد قد يرى سيارة بسعر منخفض، لكن عليه أن يقدر مسبقًا ما إذا كان هناك ضرر قابل للإصلاح، وما إذا كانت قطع الغيار متوفرة، وما إذا كان السعر النهائي بعد وصول السيارة إلى عُمان سيظل منافسًا.
ويذكر المقبالي لـ“أثير” أن هامش الربح في بعض عمليات الاستيراد قد يصل إلى نحو 20% للمركبة الواحدة، لكنه يربط ذلك بإدارة المخاطر وتقدير السيارة بصورة صحيحة، وليس باعتباره عائدًا مضمونًا لكل صفقة.
ويقدم المقبالي مثالًا عمليًا لسيارة مازدا 2020 باعتبارها إحدى العمليات الناجحة لديها، فبحسبه، بلغت قيمة شراء السيارة من المزاد الأمريكي 1,350 ريالًا عُمانيًا، فيما بلغت تكلفة الشحن البحري 680 ريالًا، والجمارك والضرائب 210 ريالات، وتكاليف الإصلاح وقطع الغيار 400 ريال.
ويشير إلى أن إجمالي التكلفة حتى التسجيل بلغ 2,700 ريال عُماني، فيما قدرت القيمة السوقية للبيع في عُمان بنحو 3,300 ريال، أي ربح بلغ 600 ريال، بما يعادل نحو 22% من التكلفة المذكورة.
هذه الأرقام تخص صفقة محددة قدمتها الشركة لـ“أثير“، ولا تمثل متوسطًا عامًا للسوق، لكنها توضح الفكرة الأساسية: سعر السيارة في المزاد ليس هو التكلفة النهائية، كما أن الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع ليس بالضرورة هو الربح الحقيقي، فالسيارة قطعت خلال هذه الرحلة عدة مراحل، وكل مرحلة أضافت تكلفة وقيمة في الوقت نفسه.
وتقدم شركة “زين” للخدمات اللوجستية، مثالًا آخر من واقع عمليات الاستيراد من الولايات المتحدة، من خلال سيارة نيسان سنترا موديل 2021.
وبحسب مدير الشركة مازن عادل، فقد بلغ سعر شراء السيارة من المزاد الأمريكي نحو 800 ريال عُماني، فيما وصلت عمولات المزاد والنقل الداخلي والشحن البحري إلى ميناء صلالة إلى نحو 860 ريالًا، وبلغت الجمارك والتخليص نحو 70 ريالًا، بينما وصلت تكلفة الإصلاح وقطع الغيار إلى نحو 350 ريالًا، بعد تعرض السيارة لحادث سطحي في الأبواب والرفرف.
ويقدر عادل خلال حديثه لـ“أثير” التكلفة النهائية للسيارة بنحو 2080 إلى 2230 ريالًا عُمانيًا، سواء مع ترخيص السيارة أو من دونه، فيما تراوح سعر البيع النهائي في السوق العُماني، بحسب تقديره، بين 2500 و2800 ريال.
ويشير إلى أن الهامش الناتج عن الفرق بين التكلفة وسعر البيع لا يرتبط فقط بالربح، وإنما يغطي كذلك مجهود التاجر ومخاطر الشحن وفترة الانتظار.

ربح واضح لكن بمخاطر

ويقدم سعيد الزدجالي، من مجموعة “سهيل بهوان” للتجارة، مثالًا آخر من تجربة الشركة في شراء السيارات، حيث يسرد لـ“أثير” أن شركته اشترت قبل مدة طويلة سيارة Ford Mustang من الولايات المتحدة بنحو 3,400 ريال عُماني، ثم شُحنت إلى إمارة دبي بتكلفة بلغت نحو 700 ريال، فيما بلغت الجمارك 300 ريال، وتكلفة إجراءات التخليص 50 ريالًا.
أما إصلاح الأعطال، التي شملت كمبريسر وحادثًا خلفيًا، فبلغت نحو 330 ريالًا، وبحسب الأرقام التي قدمها الزدجالي، وصلت التكلفة الإجمالية إلى نحو 4,800 ريال عُماني، قبل أن تباع السيارة في عُمان بنحو 6,200 ريال.
أي أن الفارق بين التكلفة وسعر البيع بلغ نحو 1,400 ريال عُماني، لكن الزدجالي يؤكد أن هذه النتيجة لا تعني أن كل سيارة مستوردة تحقق هامشًا مشابهًا، بل إن الأخطاء في تقدير حالة السيارة يمكن أن تقلب الصفقة بالكامل.

عندما يتحول السعر المغري إلى خسارة

هذه ربما واحدة من أهم النقاط في تجربة الزدجالي، فهو يقول لـ“أثير” إن حالات كثيرة واجه فيها شباب سيارات بدت أسعارها مغرية في الخارج، قبل أن تظهر بعد الشراء والإصلاح مشكلات أكبر مما كان متوقعًا.
ويذكر حالة لشاب اشترى سيارة مستوردة بنفسه، ثم ظهرت بعد إصلاح أعطال بسيطة مشكلة كبيرة في محرك السيارة، وصلت قيمة استبداله إلى نحو نصف قيمة السيارة كاملة، ما اضطره في النهاية إلى بيعها بخسارة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر قواعد هذه التجارة وضوحًا: السعر المنخفض في المزاد لا يعني بالضرورة صفقة رابحة، فالسيارة قد تكون رخيصة بسبب ضرر أو تاريخ أو مشكلة فنية، وإذا لم يستطع المشتري اكتشافها قبل الشراء، فإن الوفر الذي حققه في المزاد قد يتحول إلى تكلفة إضافية بعد الوصول.
وتؤكد شركة “زين”، أن من أكبر الأخطاء التي قد يقع فيها المبتدئ في هذه التجارة عدم تقدير الضرر المخفي، مشيرًا إلى حالات تبدو فيها السيارة مغرية بسبب انخفاض سعرها، قبل أن تظهر عند وصولها أضرار أكبر في المحرك أو مشكلات كهربائية معقدة في السيارات المتضررة بالمياه (Flood).
وفي مثل هذه الحالات، يقول مدير الشركة مازن عادل لـ“أثير“، إن تكلفة الإصلاح قد تتجاوز القيمة التي يمكن أن تحققها السيارة في السوق المحلي، مما قد يدفع التاجر إلى بيعها بخسارة أو تفكيكها وبيعها قطع غيار لتقليل الخسائر.

التاريخ.. أهم من صورة السيارة

ولهذا تتفق التجارب الأربع التي أطلعت عليها “أثير” على أن فحص السيارة وقراءة تاريخها يمثلان جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار.
وتشير “إقلاع” إلى أهمية تقارير مثل Carfax وAutoCheck، إلى جانب فحص الحالة الهيكلية للسيارة، وتقدير تكاليف الإصلاح قبل الشراء.
أما العجمي فيشدد على عدم الاستعجال في المزايدة والاستعانة ببعض الكراجات لتقييم السيارة قبل شرائها.
وتكمن المشكلة في أن الصورة التي تظهر في المزاد لا تكشف بالضرورة كل شيء، فقد يظهر الضرر الخارجي محدودًا، بينما توجد أضرار ميكانيكية أو هيكلية أعمق، أو قد تكون هناك إصلاحات سابقة لم تظهر للمشتري بصورة واضحة.
وبالتالي فإن القيمة التي يضيفها المستورد ليست في شراء السيارة فقط، وإنما في تحويل معلومات ناقصة إلى قرار شراء محسوب.

من يدفع تكلفة السيارة؟

إذا نظرنا إلى رحلة سيارة واحدة من الخارج إلى عُمان، يمكن تصور سلسلة القيمة على النحو الآتي:
  • سعر السيارة في المزاد.
  • رسوم المزايدة والوساطة.
  • النقل الداخلي.
  • الشحن.
  • التخليص والرسوم.
  • الفحص والإصلاح وقطع الغيار.
  • التسجيل.
  • التسويق والبيع.
وكل حلقة من هذه تضيف تكلفة، لكنها في الوقت نفسه تخلق نشاطًا اقتصاديًا، فالمستورد يدفع لشركة شحن، وشركة الشحن تعتمد على خدمات لوجستية، والسيارة تحتاج إلى تخليص وفحص، وقد تدخل ورشة إصلاح، وتحتاج إلى قطع غيار، ثم تُصور وتسوق عبر المنصات.
ومن هذه الزاوية، فإن قيمة التجارة لا تقاس فقط بالربح الذي يحققه المستورد، بل أيضًا بحجم الأنشطة والخدمات التي تتحرك حول السيارة داخل الاقتصاد المحلي.
ويقول مدير “إقلاع” إن أرباح الوساطة قد تتراوح بين 50 و100 ريال عُماني للمركبة وفق حجم العمليات، بينما تتراوح تكلفة التخليص بين 30 و40 ريالًا للمركبة بحسب حجم التدفق.
لكن هذه الأرقام تخص نموذج عمل الشركة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تعرفة موحدة لجميع السوق.
وتقدم “زين” توزيعًا تقريبيًا آخر لتكلفة الصفقة الواحدة، إذ تقدر أن نحو 40% من التكلفة يذهب إلى سعر السيارة، و30% إلى رسوم المزاد والشحن البحري والبري، و20% إلى قطع الغيار وأجور الإصلاح، فيما تذهب 10% إلى الرسوم الجمركية والتخليص والفحص والتسويق.
وهذه النسب، بحسب الشركة، تقديرية وتعكس نموذجًا تقريبيًا لتوزيع التكلفة، ولا تمثل قاعدة ثابتة تنطبق على جميع السيارات والصفقات.
والأهم أن كل ريال يُضاف إلى التكلفة يؤثر مباشرة في قدرة السيارة على المنافسة عند البيع.

أمريكا أم اليابان وكوريا؟

لا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع السيارات، بحسب من حاورتهم “أثير”، إذ تشير تجربة العجمي إلى تفضيل بعض السيارات الأمريكية، خصوصًا عندما تكون الأضرار بسيطة، بينما يرى أن بعض السيارات الألمانية والفاخرة قد تكون أكثر ملاءمة للبحث عنها في اليابان وكوريا من حيث السعر والجودة.
أما مجموعة “سهيل بهوان” فترى أن السيارات اليابانية الموجودة في السوق الأمريكية يمكن أن تكون خيارًا جيدًا للتاجر العُماني.
في حين ترى “زين” أن السوق الأمريكي يكون مناسبًا، وفق تجربتها، لمن يبحث عن سيارات حديثة، خصوصًا موديلات 2019 فما فوق، من خلال شراء السيارات المتضررة وإصلاحها، كما تشير إلى ميزة توفر تقارير مثل Carfax التي تساعد في معرفة تاريخ السيارة.
وفي المقابل، ترى الشركة أن السوق الآسيوي، وخصوصًا اليابان وكوريا، قد يكون أجدى لمن يبحث عن سيارات قديمة نسبيًا أو سيارات نظيفة من دون حوادث وبمواصفات قريبة من المواصفات الخليجية، إلا أن ارتفاع أسعار الشراء هناك قد يقلل هامش الربح المتاح للتاجر.
وهذا الاختلاف نفسه يكشف أن اختيار السوق يعتمد على نوع السيارة، والطلب المحلي، وسعرها، وحالتها، وتوافر قطع غيارها، وليس على بلد المنشأ وحده.
وتعطي بيانات التجارة صورة عن حجم هذه الأسواق بالنسبة إلى عُمان؛ ففي 2025 بلغت قيمة واردات المركبات وقطعها وإكسسواراتها من اليابان نحو 1.14 مليار دولار، ومن الولايات المتحدة نحو 705.3 ملايين دولار، فيما بلغت من كوريا الجنوبية نحو 44.7 مليون دولار ضمن البند الأوسع للمركبات ومكوناتها.

السيارات التي يسهل بيعها

في السوق المحلي، لا تكفي جودة السيارة وحدها؛ فالطلب عليها عنصر أساسي في نجاح الصفقة، إذ يرى الزدجالي أن تويوتا تأتي في مقدمة السيارات التي يسهل بيعها في السوق العُماني، تليها نيسان، ثم مرسيدس ومازدا بشكل متقارب، مشيرًا إلى أن توافر قطع الغيار ومعرفة السوق بهذه السيارات يسهمان في سهولة بيعها.
ويشير العجمي من جانبه إلى وجود طلب على طرازات مثل Ford F-150 وGMC وCamry وCorolla في السيارات القادمة من أمريكا، إلى جانب الطلب على السيارات الألمانية وغيرها من الأسواق الآسيوية.
وتنبه “زين” من جانبها، إلى أن سيارات السيدان الاقتصادية، مثل نيسان ألتيما وسنترا، وهيونداي إلنترا، وتويوتا كامري، تتمتع بطلب واسع في السوق العُماني، وترى أن سرعة بيعها تساعد التاجر على تدوير رأس المال.
لكن ما يطلبه المستهلك ليس بالضرورة هو نفسه ما يحقق أفضل هامش للتاجر، فالسيارة التي تباع بسرعة بهامش أقل قد تكون أحيانًا أفضل تجاريًا من سيارة ذات هامش أعلى تبقى فترة طويلة في المخزون.

دورة قد تغير الحسابات

يقدر الزدجالي أن دورة السيارة قد تمتد إلى نحو ثلاثة أشهر من تخليص الإجراءات حتى البيع، بينما يرى العجمي أن السيارة الجاهزة يمكن أن تباع في حدود شهر إلى شهرين تقريبًا، وقد يلجأ بعض التجار إلى بيع السيارة قبل وصولها بهامش أقل.
ويقدر مدير “زين” مازن عادل أن وصول السيارة من الولايات المتحدة إلى موانئ السلطنة يستغرق عادة بين 45 و60 يومًا، يضاف إليها نحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع للتخليص والإصلاح والفحص، أي أن الدورة قد تمتد إلى نحو شهرين ونصف تقريبًا في بعض الحالات.
والفارق بين التقديرات يعكس اختلاف الحالات، وليس بالضرورة تعارضًا بين التجارب، لكن النقطة الاقتصادية المشتركة واضحة: الوقت له تكلفة، فكلما بقيت السيارة دون بيع، بقي رأس المال مرتبطًا بها، وقد يضطر التاجر إلى خفض السعر لتسريع البيع، أو يتحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالتخزين والتسويق وغيرها.
ويرى عادل أن الاعتماد على سيارة واحدة فقط في الشحن يمكن أن يجعل نمو التاجر أبطأ، بسبب تجميد رأس المال طوال فترة الاستيراد والإصلاح والبيع، وهو ما يجعل إدارة التدفقات المالية عاملًا مهمًا في هذا النشاط.
ولهذا فإن الربح الحقيقي لا يقاس فقط بالنسبة المئوية، بل أيضًا بسرعة دوران رأس المال.

الشحن.. حلقة بين السوق الخارجي والمستهلك

في هذه السلسلة تظهر شركات الشحن كحلقة أساسية، حيث يقول مدير شركة “إقلاع” إن خبرة الشركة في مجال شحن السيارات تمتد لأكثر من خمس سنوات، وإن شركات الشحن والتوريد يمكن أن توفر للمستوردين خيارات في الشحن والعمولات والتسهيلات التشغيلية وفق طبيعة العمل والخبرة.
ويشير إلى أن هذه الخدمات يمكن أن تساعد رواد الأعمال على توسيع نشاطهم تدريجيًا، سواء عبر البيع المباشر أو الاستيراد لحساب الغير أو التصدير.
وتأتي تجربة “زين” في هذا السياق باعتبارها شركة متخصصة بشكل رئيسي في الاستيراد من الولايات المتحدة، وترى أن الخدمات المرتبطة بالاستيراد لا تقتصر على نقل السيارة، وإنما تمتد إلى إدارة مراحل متعددة من الرحلة بين المزاد والمشتري.
لكن تكلفة الشحن تظل متغيرة، وهو ما يجعل إدخالها في الحساب قبل شراء السيارة أمرًا أساسيًا، فإذا كان المستورد قد حدد هامش ربحه اعتمادًا على سعر السيارة فقط، فإن تغير تكلفة الشحن يمكن أن يقلص هذا الهامش بسرعة.

التنظيم يضع حدودًا للصفقة

ولا يمكن النظر إلى التجارة بمعزل عن الاشتراطات الرسمية، فالإدارة العامة للجمارك توضح أن المركبات الخاصة المستعملة التي يسمح باستيرادها يجب ألا يكون قد مضى على صنعها أكثر من 7 سنوات، فيما تمتد المدة للشاحنات والحافلات إلى أقل من 10 سنوات، والمعدات إلى أقل من 15 سنة، مع ضرورة مطابقة المركبات للمواصفات القياسية المعمول بها في سلطنة عُمان.
وهذا يعني أن السيارة التي تبدو مناسبة من الناحية التجارية قد لا تكون مناسبة من الناحية التنظيمية إذا لم تستوف شروط الاستيراد. لذلك تصبح معرفة الاشتراطات جزءًا من تكلفة المعرفة التي يحتاجها التاجر قبل المزايدة، وليس بعد وصول السيارة.

ليست التجارة في السيارة وحدها

إذا كان الدخول في تجارة السيارات الكاملة يحتاج إلى رأس مال وتحمل للمخاطر، فإن سلسلة القيمة تتيح مسارات أخرى، فالفحص يحتاج إلى خبرة فنية وقدرة على تقييم الحالة، والإصلاح يحتاج إلى مهارة وورشة وقطع غيار، والشحن والتخليص يحتاجان إلى معرفة بالإجراءات والسوق، والوساطة تحتاج إلى شبكة علاقات وقدرة على الوصول إلى السيارات والعملاء، والتسويق الرقمي يحتاج إلى مهارة في تصوير السيارة وعرض معلوماتها والوصول إلى المشتري.
وبالتالي، قد تكون فرصة الشاب في هذه التجارة خارج السيارة نفسها، وهذا ما يجعل القطاع أقرب إلى منظومة خدمات متكاملة منه إلى نشاط شراء وبيع فقط.
وتؤكد “زين” أن هذه المسارات هي: الوساطة في المزادات، والتسويق الرقمي للسيارات، وتوفير قطع الغيار، باعتبارها مجالات يمكن الدخول إليها برأس مال أقل من رأس المال المطلوب لاستيراد سيارة كاملة.

هل ما زالت الفرصة مناسبة للشباب؟

هنا يقدم الزدجالي إجابة مختلفة عن الصورة المتفائلة التي قد تعطيها أرقام الأرباح، فهو لا ينصح الشاب بالدخول مباشرة في مجال استيراد السيارات كتاجر، بسبب عدم وضوح بعض ظروف وصول السيارات وتكاليف النقل والتأمين وغيرها من المتغيرات التي قد تؤثر في الصفقة، لذا على الشاب الذي يريد دخول القطاع برأس مال أقل يمكن أن يبدأ في الفحص والإصلاح.
وهذه الرؤية تتقاطع جزئيًا مع رؤية العجمي، الذي يرى أن الفرصة لا تقتصر على الاستيراد نفسه، وإنما تمتد إلى الفحص والإصلاح والشحن والوساطة والتسويق.
أما مدير شركة “إقلاع”، فيرى أن منظومة الاستيراد والشحن يمكن أن تفتح أمام الشباب مسارات أخرى، مثل البيع المباشر، أو تقديم خدمات الاستيراد لحساب الغير، أو التوسع لاحقًا في التصدير.
وبذلك ينتقل السؤال من : هل أبدأ باستيراد السيارات؟ إلى: أي جزء من سلسلة القيمة أستطيع أن أدخل إليه بأقل مخاطرة؟
وتشير شركة “زين” إلى أن الشاب لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك رأس مال كبير لشراء السيارات حتى يدخل هذه المنظومة؛ إذ يمكنه العمل في الوساطة، من خلال البحث عن السيارات في المزادات وشرائها لحساب الزبائن مقابل عمولة ثابتة، أو في التسويق الرقمي عبر تصوير سيارات المعارض وعرضها على منصات التواصل ومواقع البيع، أو في توفير قطع الغيار المستعملة أو طلبها من الخارج وتوفيرها لورش الإصلاح.

ماذا يحتاج الشاب قبل أن يبدأ؟

من واقع التجارب التي قدمها المتخصصون لـ“أثير“، فهناك مجموعة من المهارات التي لا يمكن تجاوزها لمن يريد خوض هذه المجال، وهي كالتالي:
  • قراءة السوق المحلي ومعرفة السيارات التي يزداد الطلب عليها.
  • قراءة تاريخ السيارة وحالتها الفنية وعدم الاكتفاء بصور المزاد.
  • حساب التكلفة النهائية قبل الشراء، بما يشمل الشحن والتخليص والإصلاح والتسجيل والتسويق.
  • فهم الاشتراطات التنظيمية حتى لا يشتري سيارة لا يمكن إدخالها أو تسجيلها بالشروط المطلوبة.
  • إدارة رأس المال؛ لأن السيارة التي لا تباع بسرعة قد تستهلك جزءًا من الربح المتوقع.
وتشدد شركة “زين” على نقطتين إضافيتين: تعلم قراءة تقارير السيارات، مثل Carfax، وعدم اتخاذ قرار الشراء بناءً على الصور وحدها، إلى جانب حساب التكلفة الكلية للسيارة قبل المزايدة، بما يشمل عمولة المزاد والنقل الداخلي في الولايات المتحدة والشحن والجمارك وتكاليف الإصلاح المحتملة، مع وضع أسوأ السيناريوهات في الحسبان.
كما تنصح الشركة بالفصل بين الرغبة الشخصية والقرار التجاري؛ فالسيارة التي تعجب التاجر ليست بالضرورة السيارة التي يطلبها السوق أو يسهل بيعها.

الخلاصة

تكشف المقابلات التي أجرتها “أثير” إلى أن تجارة السيارات في سلطنة عُمان تمتلك سلسلة تمتد إلى عشرات الأنشطة المرتبطة بها قبل أن تصل إلى المستهلك، لكن الفرص الاقتصادية للشباب العُماني في هذه التجارة قد لا تكون في تكرار تجربة المستوردين الحاليين حرفيًا، وإنما في البحث عن الحلقة التي يستطيع أن يضيف فيها قيمة حقيقية، سواء كانت الفحص أو الإصلاح أو الوساطة أو الشحن أو التسويق، ثم التوسع تدريجيًا مع تراكم الخبرة ورأس المال.
ففي هذه التجارة، السيارة ليست المنتج الوحيد؛ المعرفة أيضًا منتج، وسرعة القرار، ودقة الفحص، وإدارة المخاطر، والقدرة على الوصول إلى المشتري كلها عناصر لها قيمة اقتصادية.
وفي النهاية، لا تبدأ الصفقة الرابحة من سؤال: كم سعر السيارة في المزاد؟ بل من سؤال أكثر أهمية: كم ستكلفني عندما تصل إلى عُمان، وتُصلح، وتُسجل، وتصبح جاهزة لأن يشتريها شخص؟
فإذا أُحسن اختيار السيارة، وضُبطت تكاليفها، ووجدت طلبًا في السوق، يمكن أن تكون الصفقة مربحة، أما إذا أخطأ المستورد في قراءة الضرر أو تاريخ السيارة، فإن تكلفة الإصلاح وحدها قد تلتهم الهامش، وربما رأس المال نفسه.

جدول يوضح أبرز مراحل رحلة السيارة والتكاليف والقيمة والمخاطر المرتبطة بكل مرحلة

المرحلةما الذي يدفعه التاجر؟أين توجد القيمة؟ما أبرز المخاطر؟
المزادسعر السيارة والعمولةاختيار السيارةالمزايدة الخاطئة
النقل والشحننقل داخلي وشحن بحريإدارة اللوجستياتالتأخير وارتفاع التكلفة
التخليصرسوم وجماركمعرفة الإجراءات والاشتراطاتمخالفة المتطلبات
الفحص والإصلاحالفحص وقطع الغيار وأجور الإصلاحالخبرة الفنيةأضرار مخفية وتكاليف غير متوقعة

شارك هذا الخبر