“فوكوياما” ليبرالي تعرض للسرقة على يد الواقع

يتمسك فرانسيس فوكوياما بجوهر الليبرالية مع إقراره بعودة التنافس الأيديولوجي، ويرى أن قدرة الدولة تسبق الديمقراطية وأن الذكاء الاصطناعي يهدد العمل والكرامة.

عن الكاتب

محمد  حسن
محمد حسن

كاتب وباحث سوري

“فوكوياما” ليبرالي تعرض للسرقة على يد الواقع
“فوكوياما” ليبرالي تعرض للسرقة على يد الواقع
أثير - محمد حسن
كاتب وباحث سوري
حين نشر فرانسيس فوكوياما مقالته الشهيرة عن “نهاية التاريخ” في صيف عام 1989، لم يكن جدار برلين قد سقط بعد. بيد أن سقوطه بعد أربعة أشهر حوّل أطروحة الأكاديمي الأمريكي من أصل ياباني إلى ما يشبه النبوة، ثم تحول إلى هدف دائم للسخرية كلما اندلعت حرب أو تعثرت ديمقراطية. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود فوكوياما في سيرته الذاتية “في عالم الإنسان الأخير”، التي صدرت حديثاً عن داري نشر بروفايل في بريطانيا ودار فارار وستراوس وجيرو في الولايات المتحدة، والتي أجرى لأجلها حواراً مع جدعون راكمان على منبر فايننشال تايمز، قدّم من خلاله مراجعةً لم يتنصل فيها من أطروحته الأولى، لكنه أعاد رسم حدودها.
يقدم فوكوياما نفسه كـ “حرفي فكري”، شخص يبرع في النجارة وبناء أثاثه الخاص، وعالم اجتماع كلاسيكي تكون الأفكار بالنسبة له فرضيات يجب اختبارها. فقد كتب: “لطالما فضّلت التصوير الفوتوغرافي على الرسم، لأن الصورة الفوتوغرافية تسجل شيئاً رآه شخص ما بالفعل”. وهو الآن بعد عقود من تسجيل مشاهداته واختبار نظرياته أمام مطرقة الواقع يعترف بأن التنافس الأيديولوجي قد استؤنف فعلاً، لكنه يلفت النظر إلى فارق جوهري بينه وبين صراع الحرب الباردة. فآنذاك كانت الماركسية اللينينية والديمقراطية الليبرالية عقيدتين كونيتين، تدّعي كل منهما الصلاحية للبشرية جمعاء، ولذلك امتد الصراع من نيكاراغوا إلى أنغولا. أما اليوم، فالمعسكر المقابل للغرب بحسب رأيه يشكل خليطاً غير متجانس: “ثيوقراطية دينية في إيران، وبقايا ديكتاتوريات لاتينية، وقوتان كبريان هما روسيا والصين، لا يجمعهما في نهاية المطاف سوى العداء للغرب وللولايات المتحدة”.
هذه الملاحظة، تعني ضمناً أن فوكوياما لا يزال متمسكاً بجوهر أطروحته الأصلية: فلم يظهر بحسب رأيه حتى الآن نموذج بديل يطرح نفسه كعقيدة كونية قابلة للتصدير. صحيح أن ثمة خصوم كُثر لليبرالية، لكن ليس ثمة منافس فكري لها بالمعنى الذي كانت عليه الشيوعية. غير أن هذا الاستنتاج يطرح سؤالاً مضاداً لا يجيب عنه فوكوياما بوضوح: هل تحتاج السلطوية، كما سماها، إلى عقيدة كونية كي تنتصر؟ فالنموذج الصيني اليوم لا يسعى إلى تحويل العالم إلى صورته، بل يكتفي بإثبات أن التنمية والاستقرار ممكنان خارج الوصفة الليبرالية، وهذا وحده كافٍ لتقويض الادعاء بأن الليبرالية هي المآل الطبيعي للتاريخ.
يصف فوكوياما دونالد ترامب، بأنه يطمح إلى تحويل أمريكا إلى نظام سلطوي، مستشهداً بما روته الصحفية ماغي هابرمان عن قائمة “أبطاله التاريخيين” التي تخلو من أي زعيم ديمقراطي إذ ضمّت نابليون وستالين وجنكيز خان. ومع ذلك، يبدو فوكوياما واثقاً من صمود المؤسسات الأمريكية: فالمحاكم الفيدرالية ألغت معظم أوامر ترامب التنفيذية، وحتى المحكمة العليا ذات الميل المحافظ أسقطت اثنتين من كبرى مبادراته، وهما إلغاء حق المواطنة بالولادة والرسوم الجمركية. ويبقى الضابط الأهم، في رأيه، هو صندوق الاقتراع، مستدلاً بهزيمة فيكتور أوربان في المجر بوصفها برهاناً على أن الشعبويين القوميين قابلون للهزيمة ما دامت الانتخابات قائمة.
بيد أن فوكوياما لا يختزل صعود الترامبية في نزعات سلطوية لدى الناخبين. فهو يرى أن معظم الملايين السبعين الذين صوّتوا لترامب كانوا يصوّتون ضد الديمقراطيين لا لصالحه، احتجاجاً على قضايا بعينها وفي مقدمتها الحدود المفتوحة. وخلف هذه القضايا يكمن مفهوم محوري في فكره منذ البداية: الحاجة إلى الاعتراف، أو ما سمّاه الإغريق “الثيموس”.
فالأحزاب التي وُلدت ممثلة للطبقة العاملة، كالحزب الديمقراطي الأمريكي وحزب العمال البريطاني، تحولت خلال أربعة عقود إلى أحزاب للمهنيين المتعلمين من سكان المدن الكبرى، ففقدت القدرة على الإصغاء إلى القاعدة الشعبية وعلى مخاطبتها في آن. وترامب، بحسب تحليله، ليس ابن الطبقة العاملة، لكنه يفهم طريقة تفكيرها ويتقن لغتها، وما مباراة القتال في القفص التي أقيمت على حديقة البيت الأبيض احتفالاً بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة إلا تجسيدًا رمزيًا لهذا الإتقان.
يرى فوكوياما أنه أقرب لماركس في فهم التطور نحو الشيوعية بوصفه عملية عضوية داخل المجتمعات الصناعية حين تنهض البروليتاريا، في حين أراد لينين دفع الأمر بقوة الإرادة المحضة، وهو ما يتفق برأيه مع الخطأ الجوهري الذي ارتكبه أصدقائه من المحافظين الجدد، إذ ظنوا بعد نهاية الحرب الباردة أن القوة الأمريكية قادرة على إنجاز كل شيء، بما في ذلك دمقرطة الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي يتفق مع بعض المزاعم التي ساقوها لتبرير حرب العراق، ومنها أن المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط هي كثرة الأنظمة السلطوية، وأنك إذا أطحت بصدام حسين، فقد يكون ذلك مدخلاً لازدهار الديمقراطية في أرجاء العالم العربي وهو ما يصفه فوكوياما بأنه كان وهماً كبيراً.
لكن الأهم من الاعتراف بالخطأ هو ما تولّد عنه. فقد اكتشف فوكوياما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حين انهارت حكومتا العراق وأفغانستان، أن واشنطن لم تكن تملك أدنى فكرة عن كيفية بناء الدولة. فالثقافة السياسية الأمريكية تفترض أن الدولة موجودة سلفاً، وأنها كيان يجب تقييده لا بناؤه، غير أنّ غياب الدولة ينتج عنه فوضى تملؤها مجموعات مسلحة، كما حدث في العراق حين تحولت حياة المواطنين العاديين إلى جحيم، فمن دون تحقيق مفهوم ماكس فيبر عن احتكار الاستخدام المشروع للقوة، لا يقوم مجتمع أصلاً.
هذه الخلاصة تستحق التوقف عندها طويلاً في منطقتنا. فالعالم العربي عاش العقدين الماضيين تجربة حيّة لما يحدث حين تسقط الدولة: في العراق وليبيا واليمن وسورية، لم يكن السؤال الحقيقي “ديمقراطية أم استبداد”، بل “دولة أو لا دولة”. وقد جاء اعتراف أحد أبرز منظّري الليبرالية بأن بناء الدولة وقدرتها يسبقان منطقياً كل حديث عن الانتخابات وسيادة القانون، متأخراً بالنسبة لشعوب دفعت الثمن، لكنه يبقى اعترافاً ذا قيمة معرفية كبيرة.
ويمتد هذا التحول إلى البُعد الاقتصادي أيضاً، فالأزمة المالية العالمية عام 2008، التي يعدّها فوكوياما نتاجاً مباشراً لتحرير النظام المالي الأمريكي من القيود، شكّلت الضربة الثانية للنزعة المحافظة بعد حرب العراق. والخلاصة بالنسبة له بسيطة: إذا أفضت الفكرتان المحافظتان الكبريان، الهيمنة الأمريكية والسوق المنفلتة، إلى كارثتين كبريين، فالعيب في الفكرتين لا في الواقع.
يبقى النموذج الصيني التحدي الأكثر إرباكاً للفكر الليبرالي. ويروي فوكوياما لقاءه مع وانغ تشي شان، الرجل الثاني في الصين آنذاك ومهندس حملة مكافحة الفساد. فقد وجد أمامه مثقفاً حقيقياً قرأ توكفيل واستخلص من كتابه “النظام القديم والثورة” درساً جوهرياً: النظام السلطوي الذي يشرع في الإصلاح يفقد السيطرة، كما حدث للملكية الفرنسية. وحين سأله فوكوياما عمّا إذا كان تطهير الحزب لكوادره قابلاً للاستدامة دون قضاء مستقل، جاء الرد قاطعاً: لا يمكن للحزب أن يتخلى عن سيطرته على القضاء.
واللافت أن فوكوياما لا يكتفي برفض هذا المنطق، بل يعترف بأن دراسة تجريبية في مركزه البحثي خلصت إلى أن حملة مكافحة الفساد لم تكن مجرد تصفية لخصوم شي جين بينغ، وأنها غيّرت فعلاً حوافز الموظفين الحزبيين، غير أنه يضع هذا الإنجاز في إطاره الدقيق: إنه ناجح إذا كنت تعتبر بقاء سلطة الحزب الشيوعي هدفاً جديراً. وهنا تكمن المعضلة كلها: الكفاءة السلطوية حقيقية، لكنها كفاءة في خدمة استمرار النظام، لا في خدمة تقييد السلطة.
لا ضمانة بالنسبة لفوكوياما أنّ الديمقراطيات ستواجه الجوائح والاحتباس الحراري والذكاء الاصطناعي باعتبارها تهديدات قد تُنهي أنظمة بأكملها، بطريقة أفضل من غيرها. ويبقى، في تقديره، أن الذكاء الاصطناعي، هو الخطر الأعمق، لأنه يستهدف العمل ذاته، والعمل هو أساس الاحترام وتقدير الذات لدى الناس. فعلى سبيل المثال إذا كان صعود الشعبوية قد تغذّى من شعور شرائح واسعة بفقدان الاعتراف والتقدير، فماذا سيحدث حين يُسلب منها ما تبقى من مصادر الكرامة، أي العمل نفسه؟
يعترف فوكوياما بأنه يتعمّد تقديم رؤية متفائلة قدر الإمكان، لأن التشاؤم في رأيه يحوّل صعود السلطوية إلى قدر محتوم. وهو موقف يمكن فهمه أخلاقياً، لكنه يثير في الوقت ذاته سؤالاً مشروعاً: هل ما يقدمه فوكوياما تحليل أم دعوة للتعبئة؟
ربما تكون القيمة الحقيقية لهذه المراجعة الفكرية في أنها تكشف أن “نهاية التاريخ” لم تكن يوماً نبوءة بتوقف الأحداث، بل رهاناً على أن الإنسان، في بحثه عن الاعتراف، سيجد في الديمقراطية الليبرالية الصيغة الأكثر إشباعاً لهذه الحاجة. والمفارقة أن هذا البحث نفسه عن الاعتراف هو ما يغذّي اليوم الشعبوية في الغرب، والنزعة الانتقامية لدى القوى الصاعدة، وقد يغذّي غداً غضب من سيفقدون أعمالهم أمام الآلة. فالتاريخ لم ينتهِ، لكنه ربما كشف أن المحرك الذي راهن عليه فوكوياما أشدّ اضطراباً مما ظنّ قبل ثلاثة عقود، وكما توقع عالم الأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز في عام 1995، فإن النظام الدولي الناشئ لن يتحدد من خلال التقارب والتبني الشامل للنماذج الغربية، بل من خلال الهوس بالهوية والاختلاف، حيث ستطفو على السطح سلسلة من الانقسامات الغامضة وحالات عدم الاستقرار الغريبة، فبالنسبة له، كان على عالم ما بعد الحرب الباردة أن يواجه سؤالين محوريين: “ما هو البلد إذا لم يكن أمة؟” و“ما هي الثقافة إذا لم تكن توافقاً؟“.
يصارع فوكوياما اليوم مع مخاوف غيرتز الاستشرافية، وفي بحثه عن إجابات، أعاد اكتشاف “الدولة” باعتبارها المؤسسة التي لا غنى عنها لأي مجتمع ليبرالي، فالعنوان الذي اختاره فوكوياما لمذكراته “الإنسان الأخير”، هو ليس الإنسان الذي وصل إلى نهاية القصة، وإنما هو الإنسان الذي لم يعد لديه مكانٌ يذهب إليه، لذا هو بحاجة إلى الدولة باعتبارها حبل نجاته.

شارك هذا الخبر