“ماذا لو” سؤال يسبق الأزمة؛ فهل مؤسستك مستعدة للإجابة؟

“ماذا لو” سؤال يسبق الأزمة؛ فهل مؤسستك مستعدة للإجابة؟
“ماذا لو” سؤال يسبق الأزمة؛ فهل مؤسستك مستعدة للإجابة؟
خاص– أثير
قد تتأخر شحنة يعتمد عليها عقد مهم، أو يتعطل نظام تتوقف عليه أعمال المؤسسة، أو تنتشر شكوى لأحد العملاء في منصات التواصل الاجتماعي؛ فيجد صاحب المشروع نفسه أمام مشكلة تمتد آثارها إلى التشغيل والسيولة وثقة الزبائن.
ومن هذه الاحتمالات جاءت حملة “ماذا لو” لهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة “ريادة”؛ للتوعية بأهمية إدارة الأزمات والمخاطر، والتفكير فيما قد تواجهه المؤسسة قبل وقوعه؛ فما الذي يساعدها على الاستعداد، وكيف أُعدت منهجية الهيئة لإدارة الأزمات، وما الذي تكشفه تجارب المؤسسات التي واجهتها؟

الأزمة قد تبدأ من تفصيل صغير

لا تأتي الأزمات دائمًا في صورة وباء أو حدث واسع التأثير؛ فقد تبدأ من توقف مورد، أو تعطل نظام، أو تراجع الطلب، ثم تتسع تبعاتها لتؤثر في قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها واستمرار نشاطها.
وتعرّف المنهجية الأزمة بأنها حالة غير مستقرة تتضمن تغيرًا مفاجئًا يستدعي الانتباه واتخاذ إجراءات طارئة لحماية الأشخاص أو الأصول أو الممتلكات أو البيئة، فيما تقوم إدارتها على التنبؤ بالأزمات المحتملة ومحاولة تفاديها، وتقليل آثارها عند وقوعها، وتسريع عودة الإنتاج والنشاط بعد انتهائها.
ومن هنا، يصبح الاستعداد جزءًا من التخطيط للمؤسسة؛ فصاحب المشروع الذي يتوقع توقف مورد رئيسي، أو انخفاض الإيرادات، يستطيع أن يفكر في البدائل قبل أن يضطر إلى اتخاذ القرار تحت ضغط الأزمة.
وفي تجربة محلية، أظهرت دراسة بعنوان “مرونة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الخدمات اللوجستية خلال جائحة كوفيد-19 في سلطنة عُمان” نشرتها مجلة أكاديمية ريادة الأعمال في عام 2022م وشملت 52 مؤسسة لوجستية، أهمية التعاون والدعم المالي وتبني التقنيات الرقمية في مساعدة المؤسسات على التعامل مع تداعيات الجائحة والصمود أمامها.

منهجية شاركت المؤسسات في إعدادها

جاء إعداد هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لمنهجية عمل إدارة الأزمات ترجمة للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم –حفظه الله ورعاه– بأهمية إعداد منهجية لإدارة الأزمات التي تواجه هذه المؤسسات، واستكمالًا للجهود الحكومية الداعمة للقطاع.
وشاركت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في بنائها؛ إذ رصدت الهيئة الآراء والمقترحات عبر منصات التواصل الاجتماعي وحلقات العمل ولقاءات رواد الأعمال والاستبانات، إلى جانب الاطلاع على التجارب الدولية والإقليمية، وتنفيذ حلقة عمل موسعة بمشاركة 12 جهة حكومية وخاصة لمناقشة التحديات والسيناريوهات المحتملة.
وتتناول المنهجية مراحل الأزمة المختلفة، بدءًا من تجميع الحقائق ووضع السيناريوهات وتحليلها، وصولًا إلى تشكيل فريق لإدارتها والتواصل بشأنها والسيطرة على أضرارها؛ بما يساعد المؤسسة على تحديد ما قد تواجهه، والخيارات المتاحة للتعامل معه.

قبل الأزمة وأثناءها وبعدها

في الجانب الاتصالي، تبدأ الإجراءات قبل وقوع الأزمة بالرصد والإنذار المبكر، ووضع السيناريوهات وتحديد المتحدثين، ثم تنتقل أثناءها إلى ضمان تدفق المعلومات وتحليلها باستمرار، وتفعيل فريق إدارة الأزمة والتواصل داخل المؤسسة ومع وسائل الإعلام، وبعد انتهاء الأزمة، تستمر المتابعة برصد ردود الأفعال وتقييم الأثر وتوثيق الإجراءات واستخلاص الدروس؛ حتى تستفيد المؤسسة مما حدث عند مراجعة استعدادها لأي ظروف مشابهة.
ولهذا تركز المنهجية على وجود فريق متكامل يضم اختصاصات في التواصل والموارد البشرية والشؤون القانونية والمالية والتخطيط والجودة، وتشمل مهامه الاستعداد وتأمين الأشخاص والأصول، وتحديد المواقع البديلة لاستمرار العمليات، ومتابعة تطورات الأزمة والتواصل مع الجمهور داخل المؤسسة وخارجها.

ثلاث تجارب، وأزمات مختلفة

وتوضح تجارب المؤسسات كيف تختلف الأزمة من قطاع إلى آخر، وكيف قد تتغير طبيعتها حتى داخل المؤسسة نفسها؛ ففي قطاع السفر والسياحة واجهت الشركة الهولندية We Are Amsterdamتوقف النشاط السياحي خلال جائحة كورونا وتراجع الإيرادات، ثم ظهر مع التعافي تحدٍ آخر يتعلق بضغط الحجوزات وإدارة المقاعد المتاحة وتجنب الحجوزات الزائدة.
وتوثق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه التجربة بوصفها نموذجًا لتطوير العمليات الرقمية وإيجاد أدوات تساعد المؤسسة السياحية على استمرار نشاطها خلال الأزمات.
وفي قطاع التصنيع واجهت شركة “LUR” التركية -وهي مؤسسة صناعية متوسطة تعمل في المنسوجات وترتبط بسلاسل توريد دولية- إلغاء بعض العملاء طلباتهم، وعجز بعض الموردين عن التصنيع أو نقل المواد، إلى جانب نقص المواد الخام.
وأظهرت دراسة الحالة أن علاقات الشركة طويلة الأمد مع شركائها، ومرونة مصادر التوريد وإمكانية التعامل مع مجموعة من الموردين، ساعدتها على تخفيف آثار الجائحة.
أما في قطاع التقنيات المالية، فقد تعرضت شركة المدفوعات السنغافورية “Triple-A” لاختراق سيبراني في يوليو 2026م، ووفق تقريرها عن الحادث، جرى التعامل معه وإعادة الخدمات خلال نحو ثلاث ساعات، فيما لم تتأثر حسابات العملاء بسبب فصلها عن الأصول التشغيلية المتضررة، واستمرت المعاملات.
وتجمع هذه التجارب بين توقف النشاط، واضطراب التوريد، والاختراق الرقمي، وهي ظروف تختلف في أسبابها، لكنها تضع المؤسسة أمام الحاجة نفسها: معرفة ما يمكن فعله لاستمرار العمل وتقليل الضرر عندما تتغير الظروف.

ماذا لو حدث ذلك في مؤسستك؟

تضع الحملة صاحب المؤسسة أمام أسئلة تتصل بعمله اليومي؛ فإذا توقف المورد الرئيسي، هل يوجد بديل؟ وإذا تعطل المقر أو أحد الأنظمة الأساسية، كيف تستمر العمليات؟ وإذا انخفضت الإيرادات لعدة أشهر، فما الالتزامات التي يجب تغطيتها أولًا؟
وتمتد الأسئلة إلى بيانات الزبائن وسمعة المؤسسة؛ فمن يتخذ القرار إذا وقع اختراق، ومن يتحدث باسمها إذا تحولت شكوى إلى أزمة، وكيف تصل المعلومات إلى العاملين والزبائن والعملاء؟
ويساعد التفكير في هذه السيناريوهات على تحديد البدائل والمسؤوليات مسبقًا؛ فالمؤسسة قد لا تستطيع توقع كل ما سيحدث، لكنها تستطيع الاستعداد لاحتمالات ترتبط بطبيعة نشاطها، واختبار خياراتها قبل أن تحتاج إليها.

وثيقة وحملة وبرامج للتوعية

أتاحت هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وثيقة منهجية إدارة الأزمات عبر موقعها الإلكتروني، ورافقتها بحملة إعلامية وتوعوية عبر منصاتها وحساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي.
وتضمنت الحملة مقاطع مرئية شارك فيها متخصصون ورواد أعمال، تناولت مهارة إدارة الأزمة، وإمكانية تحويلها إلى فرصة، وتغيير نموذج العمل عندما تفرض الظروف ذلك، إلى جانب مواد تعريفية بالمنهجية وملخصها التنفيذي لتقريبها من أصحاب المؤسسات.
كما أُدرجت إدارة الأزمات والمخاطر ضمن برامج التطوير والتمكين الموجهة للمؤسسات القائمة في منظومة الهيئة، وشملت مخرجات المنهجية برامج تدريبية تخصصية ومساقات إلكترونية وتوعية إعلامية لتعزيز ثقافة إدارة المخاطر.
وبين الخطط التي تضعها المؤسسة للنمو، والظروف التي قد تعطل تنفيذها، يعود السؤال إلى صاحبها: إذا تأخرت الشحنة، أو تعطل النظام، أو تراجعت السيولة، هل تعرف ما الذي ستفعله، ومن سيتولى القرار؟
وقبل أن تفرض عليك الأزمة الإجابة، ابدأ بسؤال: ماذا لو؟

شارك هذا الخبر