أثير - محمد العريمي
في قاعة تعج بالتصفيق، يقف شاب مبتكر على منصة التتويج، يحمل درعًا بعدما انتزعت فكرته بطاقة التأهل في مسابقة محلية أو عالمية؛ لحظة تختصر أشهرا من العمل، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابا لمرحلة جديدة لا تشبه لحظة الفوز.
خارج القاعة، تبدأ رحلة مختلفة؛ فهناك نموذج أولي يحتاج إلى تطوير، وتمويل ينبغي تأمينه، وملكية فكرية تحتاج إلى حماية، وسوق يحتاج إلى الإقناع، وهنا تغادر الفكرة أجواء المنافسة لتدخل اختبارًا أكثر واقعية، إذ لا تكفي جودة الفكرة وحدها لضمان استمرارها.
فماذا يحدث لهذه الأفكار بعد انتهاء المسابقة؟
للتعرف إلى ما يحدث في هذه المرحلة، فإن هيئة البحث العلمي والابتكار تقوم ضمن منظومة وطنية متكاملة بتمكين الابتكار بمختلف مراحله، منذ الفكرة الأولى، ضمن بيئة متكاملة تجمع بين المسارات الأكاديمية والبحثية والصناعية والحكومية، بهدف تحويل المعرفة والأفكار المبتكرة إلى حلول واقعية ومنتجات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية، فتقوم الهيئة ضمن أدوارها الوطنية بالإعلان عن برامج ومشروعات مختلفة لتمكين الابتكار، وبحكم هذه الجهود وغيرها، فقد تولد لديها الأساس المتين لإنشاء مسارات لما بعد مرحلة الأفكار الابتكارية المختلفة.
وقد حصلت “أثير” على بيانات من الهيئة حول مسارات المشروعات بعد مشاركتها في مسابقات الابتكار، وما يتاح لها من فرص للتمويل والاحتضان والوصول إلى السوق، إلى جانب أبرز التحديات التي تواجهها وآليات متابعتها وربطها بالجهات الداعمة والمستثمرين، ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسابقات محطة منفصلة، بل حلقة ضمن رحلة تبدأ باكتشاف الفكرة، ثم تطويرها وتمويلها وحمايتها، وصولا إلى تحويلها إلى منتج أو خدمة أو شركة.
من منصة التتويج إلى منظومة الابتكار
يتقاطع هذا المسار مع توجه رؤية عمان 2040 نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة، إذ وضعت الرؤية أولوية التعليم والتعلم والبحث العلمي وبناء القدرات على صدارة الأولويات المرتبطة بمرتكزات الرؤية المرتبطة بالأولويات الأخرى مثل الصحة والتنويع الاقتصادي، والبيئة امتثالا للنطق السامي الكريم في الخطابات السامية حول البحث العلمي.
وعلى المستوى التشريعي، أرسى المرسوم السلطاني رقم (2021/6) مبادئ دعم التعليم والبحث العلمي والابتكار ورعاية الباحثين والمبتكرين ضمن النظام الأساسي للدولة، وفي هذا العام صدر المرسوم السلطاني رقم (2026/11) بإنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار امتدادا لمسيرة بحثية وابتكارية متواصلة ومتجددة، وحافلة بالإنجازات، وتعكس هذه الترادفات الوطنية توجها مميزا يتجاوز اكتشاف الفكرة المميزة إلى بناء منظومة مُمكِنة ترافقها في مراحلها اللاحقة وصولا إلى تحويل المعرفة إلى تطبيقات وقيمة اقتصادية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع ما أبرزه تقرير مؤشر الابتكار العالمي (الذي يعد أحد مؤشرات رؤية عمان 2040) من دور متنام لسلطنة عمان في تعزيز بيئة الابتكار، خصوصا في مجالات مخرجات المعرفة والتقنية، والمؤسسات، والبنية الأساسية، بما يعكس قدرتها على تحويل الاستثمار في المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس.
الفوز رحلة مستمرة
بحسب المعلومات التي حصلت عليها “أثير” من الهيئة فإن الفوز في مسابقات الابتكار يُنظر إليه باعتباره نقطة انطلاق للمرحلة التالية، وليس نهاية الرحلة، فبعد المسابقة، تبدأ مراحل أخرى تشمل البحث عن التمويل، وتطوير النماذج الأولية، وحماية الملكية الفكرية والاحتضان، والعمل على تحويل الفكرة إلى مشروع قادر على الاستمرار والتوسع.
وفي هذا المسار، يأتي برنامج تحويل مشروعات التخرج الطلابية إلى شركات ناشئة(Upgrade) من الهيئة بالشراكة مع عدة مؤسسات حكومية وخاصة بهدف دعم الطلبة والمؤسسات الأكاديمية في تحويل هذه المشروعات إلى شركات ناشئة قائمة، خصوصًا في مجالات الحلول التقنية، والمياه، والتقنيات المالية.
ويقدّم البرنامج دعما ماليا لتأسيس الشركة الناشئة أو تحفيز المشروع، واحتضان للمشروع الناشئ، تشمل توفير بيئة عمل، وتوجيه، وتغطية خدمات استشارية (مالية، فنية، تسويقية...)، وتدريب وتطوير المهارات القيادية والمهنية للفرق المشاركة، بالإضافة إلى توفير فرص لعرض المشاريع أمام المستثمرين وربطها مع جهات داعمة أو مستثمرين محتملين.
وقد نجحت مخرجات البرنامج في تطوير فكرتها الابتكارية، وانتقلت من إطار الفكرة إلى تأسيس شركات ريادية تعمل في قطاعات مختلفة، ومن بينها شركة آي لاب مارين (iLab Marine) في مجال تقنية البحار والحلول البيئية، وشركة بيانات (Bayanat) التي تعمل في تحليل البيانات والبنية التحتية المتصلة، وتوفر منصة موحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة وتحسين البنية الأساسية الرقمية لقطاعي الاتصالات ومراكز البيانات، وشركة نيوسيك (NeoSec) المتخصصة في الأمن السيبراني، وتعمل على تطوير منصة (Neolntelligence) القائمة على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتهديدات السيبرانية والوقاية منها.
ما بعد المسابقة
تضم الهيئة بالتعاون مع شركائها عددا من المشروعات والبرامج التخصصية التي تنضم إليها المشروعات الفائزة عقب المسابقة، ولا يقتصر هذا الأثر على تأسيس الشركات؛ فقد يظهر في الحصول على التمويل، أو الالتحاق بحاضنة، أو تسجيل حقوق الملكية الفكرية، أو تطوير النموذج الأولي، أو الوصول إلى جهات مستفيدة، وهنا تتغير طريقة النظر إلى نجاح المشروع؛ فالفوز ليس نتيجة نهائية تقاس في يوم التتويج، وإنما بداية المسار تتراكم نتائجه مع مرور الوقت.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الفوز
تتركز أبرز التحديات في هذه المرحلة، حسب ما هو معروف عالميا، في تأمين التمويل، وتطوير النماذج الأولية، والوصول إلى الأسواق والمستثمرين، إلى جانب ضمان استمرارية الفريق المنفذ وديمومة عمله.
ولا تقع مسؤولية التعامل مع هذه التحديات على جهة واحدة، بل تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الحاضنات ومراكز الابتكار والقطاع الخاص والمستثمرين والجهات ذات العلاقة بطبيعة كل مشروع.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من رعاية الفكرة إلى بناء البيئة المحيطة بها؛ فالمبتكر لا يحتاج فقط إلى فرصة العرض فكرته، بل إلى منظومة تساعده على اختبارها وتطويرها وتمويلها والوصول بها إلى مستخدم أو سوق.
حين يخرج المبتكر من دائرة المسابقة
يبقى الاستثمار أحد المفاصل الرئيسية في هذه الرحلة، فالفكرة التي اجتازت لجنة التحكيم قد تحتاج بعد ذلك إلى شريك يعرف احتياجات السوق، أو مستثمر يستطيع تمويل المرحلة المبكرة، أو جهة مستفيدة تساعد على اختبار الحل وتطويره.
وفي هذا الجانب، يتم الربط بين المشروعات والجهات الداعمة والمستثمرين من خلال البرامج والشراكات المباشرة مع الحاضنات والجهات الداعمة والقطاع الخاص.
كما يجري العمل على تطوير هذه الآلية نحو منظومة أكثر شمولا وتكاملا، تتيح ربط المشروعات الواعدة بصناع القرار والجهات المستفيدة والفرص التمويلية والاستثمارية بصورة مباشرة.
وهذا الربط يوسع أثر المسابقة؛ فكلما اتسعت الدائرة التي تستقبل المشروع بعد فوزه، أصبحت الجائزة جزءًا من رحلة أكبر، بدل أن تكون نقطة يصل إليها المشروع ثم يتوقف عندها.
ماذا تقيس المسابقة؟
تتيح مسابقات الابتكار للطلبة والباحثين اختبار أفكارهم ووضعها أمام لجان التحكيم، لقياس قوة الفكرة للتحول نحو ابتكار واضح يعالج تحديا أو يحل مشكلة أو يطور قرارات أو يحسن خدمات أو يعدل سياسات، فيما تسهم مخرجات البرامج والمشروعات والمسابقات في توفير مشروعات لديها الاستعداد الكافي للتحول نحو الريادة الابتكارية ودخول السوق.
وفي المقابل، تمنح متابعة المشروعات بعد المسابقات صناع سياسات البحث والابتكار صورة أوضح عن المراحل التي تحتاج إلى تمويل أو احتضان أو شراكات أو أدوات تنظيمية جديدة وبذلك تصبح منصة التتويج بداية لقياس شيء أكبر من الفوز نفسه قدرة الفكرة على الاستمرار والتطور.
وقد نجحت المسابقات المحلية، ومنها المسابقات المؤهلة إلى محافل دولية مثل مسابقة مختبر الجدران المتساقطة الألمانية، في مهمتها الأولى المتمثلة في اكتشاف العقول ووضع أفكارها تحت الضوء، بالتوازي مع تطور الإطار التشريعي والمؤسسي الداعم للابتكار.
لكن القيمة الأوسع تظهر في المرحلة التالية، حين تغادر الفكرة القاعة وتدخل بيئة العمل والاستثمار والسوق؛ فمنصة التتويج قد تكون لحظة احتفاء، لكنها لا تختصر رحلة الابتكار؛ فالرحلة الأطول تبدأ عندما ينتهي التصفيق، وتبدأ الفكرة في مواجهة أسئلة التطوير والتمويل والسوق، وصولا إلى إمكانية أن تتحول من مشروع واعد إلى منتج أو خدمة أو شركة تضيف قيمة اقتصادية.






