أثير- أمين بركة
لم يعد إنشاء مركز مالي عالمي في سلطنة عُمان فكرة مطروحة ضمن خطط التنويع الاقتصادي فحسب، بل انتقل المشروع خلال عام 2026 إلى مرحلة التأسيس القانوني والمؤسسي، مع صدور المرسوم السلطاني رقم 8/2026 بإنشاء مركز عُمان المالي العالمي وإصدار قانونه.
ويأتي إنشاء المركز ضمن توجه أوسع لترجمة مستهدفات رؤية عُمان 2040 في تعزيز التنويع الاقتصادي، وتطوير القطاع المالي والاستثماري، وجذب رؤوس الأموال والمؤسسات المالية الدولية، وتطوير الخدمات المالية والمهنية، ونقل المعرفة وإيجاد وظائف نوعية.
لكن أهمية المركز بالنسبة للاقتصاد العُماني لا تتعلق بمجرد إنشاء كيان مالي جديد، وإنما بقدرته على جذب أعمال مالية جديدة إلى السلطنة، وربط الشركات العُمانية بمصادر أوسع للتمويل، واستقطاب مؤسسات دولية، وبناء سوق للخدمات المالية والمهنية المتخصصة.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى المركز باعتباره أكثر من مساحة للمكاتب أو منصة لتسجيل الشركات؛ فهو مركز مالي مستقل قانونيًا وتشريعيًا، يعمل ضمن إطار تنظيمي وقضائي خاص، ومستند إلى مبادئ القانون العام.
من فكرة إلى كيان قانوني
وافق مجلس الوزراء على إنشاء مركز عُمان المالي العالمي في يناير 2026، بهدف تعزيز التنويع الاقتصادي، وزيادة مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي، وجذب رأس المال، وبناء منظومة جاذبة للاستثمار.
وفي 12 يناير 2026، صدر المرسوم السلطاني السامي رقم 8/2026 الذي أنشأ المركز ومنحه شخصية اعتبارية واستقلالًا ماليًا وإداريًا، وربطه بنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
ثم جاءت خطوة مؤسسية أخرى في يونيو 2026 مع تعيين مجلس إدارة المركز برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وعضوية وزير المالية ورئيس جهاز الاستثمار العُماني ومحافظ البنك المركزي العُماني وعدد من المسؤولين والخبراء.
ويتولى المجلس استكمال الأطر التشريعية والتنظيمية والتشغيلية، مع استهداف التدشين المبدئي لأعمال المركز بنهاية 2026.
ما هو المركز المالي أصلًا؟
يمثل المركز منظومة متكاملة للأعمال والخدمات المالية، تجمع المؤسسات المالية والخدمات المهنية والإطار التنظيمي والقانوني اللازم لإدارة الاستثمارات وإجراء المعاملات المالية.
وبالتالي، فإن قيمة المركز لا تقاس فقط بعدد الشركات التي تسجل فيه، بل بقدرته على جذب أعمال مالية ذات قيمة مضافة.
فشركة إدارة أصول دولية، أو صندوق استثماري، أو بنك استثماري، أو شركة تمويل متخصصة، أو مكتب عائلي لإدارة الثروات، يمكن أن تستخدم المركز باعتباره قاعدة قانونية وتنظيمية لإدارة عملياتها واستثماراتها.
وتشمل المنظومة المستهدفة الخدمات المصرفية وأسواق رأس المال، وإدارة الأصول والثروات، والصناديق والمكاتب العائلية، والتكنولوجيا المالية، والأصول البديلة، والتمويل التجاري والمستدام، ومنصات تمويل الشركات، إلى جانب الخدمات المالية والمهنية.

ما المختلف في مركز عُمان؟
العنصر الأبرز في النموذج العُماني هو إنشاء اختصاص قانوني وتنظيمي مستقل للمركز، إذ ينص الإطار الرسمي على وجود ثلاث مكونات مؤسسية رئيسية، هي: هيئة مركز عُمان المالي العالمي، والهيئة التنظيمية لمركز عُمان المالي العالمي، وهيئة حسم المنازعات في المركز.
كما يستند الإطار القانوني للمركز إلى مبادئ القانون العام، ضمن اختصاص قانوني وتشريعي مستقل للمركز.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة للمؤسسات الدولية؛ لأن المستثمر أو البنك أو صندوق الاستثمار لا يبحث فقط عن موقع جغرافي، بل يهتم أيضًا بالسؤال: ما القانون الذي يحكم العقد؟ وكيف تُحل المنازعات؟ وما درجة وضوح القواعد التنظيمية؟
وفي الوقت نفسه، فإن إنشاء الاختصاص المستقل لا يعني انفصال المركز عن الدولة أو النظام القانوني العُماني بصورة مطلقة؛ فالقانون المنشئ للمركز يحدد نطاق اختصاصه وعلاقته بالتشريعات العُمانية ذات الصلة.
الثقة.. ما وراء الأرقام
من منظور الاقتصاد السلوكي، يرى د. عبد الله بن محمد العبري، الباحث في الاقتصاد السلوكي وعضو الجمعية الاقتصادية العُمانية، أن أهمية مركز عُمان المالي العالمي لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد المؤسسات المالية التي ستستقطبها السلطنة أو بحجم الاستثمارات التي قد تدخل عبره، وإنما بقدرته على تغيير موقع عُمان داخل المنظومة المالية الإقليمية والدولية.
ويوضح العبري خلال حديثه لـ“أثير“، أن قرار المستثمر لا يتحدد بالعائد المتوقع وحده، بل يتأثر أيضًا بمدى وضوح البيئة القانونية، وقابلية الإجراءات للتنبؤ، واستقرار القرارات التنظيمية، ووجود آليات واضحة وفعالة لتسوية النزاعات.
ومن منظور الاقتصاد السلوكي، فإن المستثمر يتعامل كذلك مع المخاطر التي يدركها ويشعر بها، وليس فقط المخاطر التي تظهر في النماذج المالية؛ فكلما ارتفع عدم اليقين أو زادت البيروقراطية والتعقيدات، ارتفعت تكلفة دخول السوق حتى عندما تكون الفرصة الاقتصادية نفسها جاذبة.
ومن هنا، يعتقد العبري أن إحدى أهم الفرص أمام المركز تتمثل في بناء الثقة وخفض تكلفة عدم اليقين بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
ويرى أن نجاح المركز لا ينبغي أن يتوقف عند استقطاب المؤسسات، بل يجب أن يقاس بما تضيفه هذه المؤسسات إلى الاقتصاد العُماني من معرفة وخبرات وشبكات دولية وأدوات تمويل وفرص للكفاءات الوطنية.

ماذا يمكن أن يستقطب المركز؟
تحدد المنظومة التي أعلن عنها المركز مجموعة واسعة من الأنشطة، تبدأ من الخدمات المصرفية الاستثمارية وأسواق رأس المال، وتمتد إلى إدارة الأصول والثروات والصناديق والمكاتب العائلية والتمويل الإسلامي والتكنولوجيا المالية.
تمويل المشروعات والاستثمار
يمكن للمركز أن يوفر قاعدة للمؤسسات العاملة في التمويل المؤسسي والاستشارات المالية وترتيب الصفقات وتمويل المشروعات وأسواق رأس المال والخدمات المصرفية بالجملة.
وهنا تظهر صلة مباشرة بين المركز ومشروعات التنويع الاقتصادي العُمانية؛ فالمشروعات الكبيرة في الطاقة المتجددة والهيدروجين واللوجستيات والتعدين والصناعة والسياحة تحتاج إلى هياكل تمويل معقدة تتجاوز القروض المصرفية التقليدية.
ووجود منظومة متخصصة في التمويل والاستثمار يمكن أن يساعد في توسيع الأدوات المتاحة أمام هذه المشروعات، من خلال استقطاب المؤسسات التي توفر هذه الخدمات فعليًا.
ويرى العبري أن دور المركز يمكن أن يتجاوز تقديم الخدمات المالية إلى المساهمة في تطوير منظومة تخدم الاقتصاد الحقيقي، من تمويل المشروعات والاستثمارات وتطوير سوق رأس المال وإدارة الأصول والصناديق، إلى هيكلة الصفقات وربط المستثمرين بالفرص الاستثمارية في السلطنة والمنطقة.
إدارة الأصول والثروات
يشمل ذلك الصناديق الاستثمارية وإدارة المحافظ والمكاتب العائلية وإدارة الثروات الخاصة والخدمات المصرفية الخاصة.
وتكمن أهمية هذا المجال في أن المركز لا يستهدف فقط جذب الأموال إلى عُمان، وإنما جذب الشركات التي تتولى إدارة هذه الأموال. فوجود صندوق استثماري أو شركة إدارة أصول في السلطنة يعني وظائف وخدمات قانونية ومحاسبية واستشارية وتقنية مرتبطة بها، إضافة إلى إمكانية توجيه جزء من الاستثمارات نحو الاقتصاد المحلي.
ماذا يمكن أن يضيف المركز للاقتصاد العُماني؟
يرى الخبير الاقتصادي د. محمد أبو عليان أن إنشاء مركز عُمان المالي العالمي يستهدف في جوهره تعزيز موقع السلطنة على خريطة المراكز المالية الدولية، وجذب الشركات والمؤسسات والاستثمارات الأجنبية، بما يمكن أن ينعكس على تطوير القطاع المالي والمصرفي وتوفير جزء من أدوات التمويل اللازمة لعملية التنمية وتنشيط النمو الاقتصادي.
ويشير أبو عليان خلال حديثه لـ“أثير” إلى أن قدرة المركز على تحقيق ذلك ستعتمد على بناء بيئة متكاملة تشمل البنية الأساسية والتكنولوجية، والإطار القانوني والتنظيمي، والحوافز الاستثمارية والضريبية، إلى جانب تسهيل تأسيس الشركات للمستثمرين الأجانب.
وبرأيه، فإن اجتماع هذه العناصر يمكن أن يجعل السلطنة وجهة للمؤسسات المالية الدولية، وليس مجرد سوق لاستقبال الاستثمارات.
ويؤكد أن موقع عُمان وعلاقاتها الاقتصادية المتوازنة مع مختلف الأطراف، إلى جانب كونها دولة منتجة ومصدرة للنفط والغاز، يمكن أن يشكل عوامل مساندة في استقطاب الاستثمارات، خصوصًا مع التطورات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة والمنافسة المتزايدة بين المراكز المالية الخليجية.
ولا يقتصر الأثر المحتمل للمركز، وفق أبو عليان، على جذب المؤسسات الأجنبية؛ إذ يمكن أن يساهم أيضًا في تطوير الشركات العُمانية ورفع قدرتها على المنافسة، وابتكار أدوات تمويل جديدة، وتوسيع الخيارات المتاحة أمامها للحصول على رأس المال، بما يعزز دور القطاع المالي في تمويل الاقتصاد.
ويأتي إنشاء المركز، في هذا السياق، ضمن توجه سلطنة عُمان لتنويع مصادر النمو الاقتصادي وتعزيز دور القطاع المالي والاستثماري في الاقتصاد، بما يتقاطع مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

الاستثمار الأجنبي.. رأس مال ومعرفة
في هذه الجانب، يؤكد العبري أن النظر إلى الاستثمار الأجنبي ينبغي ألا يقتصر على حجم الأموال الداخلة إلى السلطنة، بل يمتد إلى ما يمكن أن يصاحبها من معرفة وقدرات وشبكات دولية.
ويقول إن المؤسسات التي يستقطبها المركز يمكن أن تضيف إلى السوق العُماني خبرات متخصصة وأدوات تمويل جديدة، إلى جانب فرص للكفاءات الوطنية، وقدرة أكبر على هيكلة الاستثمارات والصفقات.
وهذا البعد يرتبط بأحد الأهداف الأوسع للمراكز المالية الحديثة، إذ لا تقتصر آثارها على المؤسسات المالية نفسها، وإنما تمتد إلى شركات المحاماة والمحاسبة والاستشارات والتدقيق والتقنية والخدمات المهنية، بما يخلق منظومة اقتصادية أوسع حول النشاط المالي.
تجربة خاصة
تدخل عُمان بهذا المركز إلى مساحة تضم بالفعل مراكز مالية إقليمية قائمة منذ فترة طويلة، مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبو ظبي العالمي ومركز قطر للمال، مما يجعل بناء الميزة التنافسية للمركز العُماني مرتبطًا بقدرته على تقديم قيمة واضحة للمؤسسات المالية الدولية.
وتتمثل عناصر الجاذبية في كفاءة التنظيم، وسرعة تأسيس الشركات، وتكلفة ممارسة الأعمال، وتوافر الكفاءات، والبنية الرقمية، وسهولة الوصول إلى الأسواق، إلى جانب وضوح القواعد القانونية والضريبية وآليات تسوية المنازعات.
لكن العبري يؤكد أن عُمان لا تحتاج بالضرورة إلى الدخول في منافسة تقوم على تكرار تجارب المراكز المالية القائمة، وإنما يمكنها تحديد المجالات التي تستطيع فيها تقديم قيمة نوعية مختلفة وبناء ميزة تنافسية خاصة بها.
ويشير إلى أن موقع السلطنة وعلاقاتها الاقتصادية، وما لديها من فرص في قطاعات الطاقة واللوجستيات والتعدين والسياحة والتصنيع والاقتصاد الرقمي، يمكن أن تكون جزءًا من هذه المعادلة، بحيث لا يكون المركز مكانًا يأتي إليه رأس المال فقط، وإنما منصة ينطلق منها رأس المال نحو فرص استثمارية في عُمان والمنطقة.
في حين، تملك سلطنة عُمان قاعدة مالية محلية قائمة؛ إذ تتجاوز أصول البنوك التقليدية 51 مليار ريال عُماني، ويصل إجمالي الائتمان إلى أكثر من 37 مليار ريال، وفق بيانات البنك المركزي العُماني.
ومن هنا، يمكن أن تتمثل الإضافة المحتملة للمركز في استكمال هذه المنظومة بمؤسسات وخدمات مالية ذات ارتباط أكبر بالأسواق الدولية، بما يشمل إدارة الأصول والثروات، والصناديق، والتمويل المؤسسي، وترتيب الصفقات، والاستشارات المالية، والتكنولوجيا المالية، والخدمات المهنية المرتبطة بها.
ويصبح أثر المركز أكبر كلما ارتبطت هذه الأنشطة بالاقتصاد الحقيقي، من خلال تمويل الشركات والمشروعات، وتوسيع خيارات رأس المال أمام القطاع الخاص، وربط المستثمرين العالميين بالفرص المتاحة في قطاعات مثل الطاقة واللوجستيات والتعدين والصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي.
وبذلك، لا يصبح السؤال الأساسي هو عدد المؤسسات التي ستسجل في المركز، وإنما نوعية الأعمال التي ستجلبها، وحجم رأس المال الذي ستديره، وما إذا كانت ستسهم في تطوير أدوات التمويل ونقل المعرفة وخلق وظائف نوعية وربط الاقتصاد العُماني بشبكات المال والاستثمار العالمية.
البدايات تصنع السمعة
ولا يتوقف بناء المركز المالي، وفق العبري، على التشريعات والهياكل التنظيمية، وإنما يمتد إلى التجربة التي يعيشها المستثمر منذ دخوله السوق؛ فالمؤسسات المالية العالمية تراقب تجارب بعضها بعضًا، وتجربة مؤسسة ذات سمعة قوية في سوق جديد يمكن أن تؤثر في قرارات مؤسسات أخرى.
ولهذا يرى العبري أن جودة التجربة الأولى للمستثمر قد تكون أكثر تأثيرًا من حجم الحملات الترويجية؛ فالمستثمر الذي يحصل على تجربة مؤسسية جيدة يمكن أن يصبح، بصورة غير مباشرة، أحد سفراء السوق.
كيف يُقاس النجاح؟
مع الانتقال من مرحلة التأسيس إلى التشغيل، يمكن أن تتوسع مؤشرات قياس أداء المركز إلى ما هو أبعد من عدد الشركات المرخصة أو المؤسسات التي افتتحت مكاتب لها.
ويرى العبري أن الأسئلة الأهم تتعلق بحجم رأس المال الذي جرى استقطابه، وما يصل منه إلى الاقتصاد الحقيقي، ونوعية المؤسسات التي جاءت، وما أضافته إلى السوق، وحجم المعرفة والخبرات التي انتقلت إلى الكفاءات الوطنية، ومدى تحول المركز إلى قناة تربط المستثمرين العالميين بالفرص الاستثمارية في عُمان والمنطقة.
وهذا يتقاطع مع الفكرة الأساسية للمشروع ضمن رؤية عُمان 2040: تطوير قطاع مالي قادر على دعم التنويع الاقتصادي، وتمكين الاستثمار، وتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز ارتباط الاقتصاد العُماني بالأسواق العالمية.
الخلاصة
في النهاية، لا تكمن الفكرة الأساسية لمركز عُمان المالي العالمي في إنشاء كيان مالي جديد فحسب، وإنما في بناء منظومة قادرة على ربط رأس المال بالأعمال والمشروعات، وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية وخدمات مالية ومهنية تستجيب لاحتياجات المستثمرين والمؤسسات الدولية.
وتتحدد القيمة الاقتصادية للمركز مع قدرته على جذب مؤسسات مالية حقيقية، وتطوير أدوات تمويل جديدة، وربطها بالاقتصاد المحلي، وتوفير فرص لنقل المعرفة والخبرات، بما يدعم مسار التنويع الاقتصادي الذي تستهدفه رؤية عُمان 2040.
ومع استكمال الأطر التشريعية والتنظيمية والتشغيلية والتدشين المبدئي لأعمال المركز، ستنتقل هذه المستهدفات إلى مرحلة جديدة تتمثل في استقطاب المؤسسات والأعمال المالية، وتعزيز إسهام المركز في تطوير القطاع المالي والاقتصاد الوطني.






