أثير- ناصر الحارثي
عندما تتصفح الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، تجد نفسك على أرجوحة الخوارزميات: خبر عن أزمة اقتصادية أو صراع سياسي، يليه إعلان يعدك بالاستقلال المالي والثراء السريع. تتابع محللًا يحذرك من التضخم، ثم يظهر لك مؤثر يخبرك بأن فرصة العمر لكسب المال باتت بين يديك.
كان هذا التناقض حاضرًا بقوة في تركيا؛ فقد أصبح التضخم يهدد مدخرات الأتراك، وبدا الاحتفاظ بالمال دون استثماره وكأنه يتركه يتبخر، وفي المقابل، جذبت الأسهم والصناديق الاستثمارية الأنظار بعوائد خيالية، وصلت في بعض الحالات إلى 43 ألفًا في المائة خلال عامين، لذلك ازداد إقبال الأتراك وغيرهم من المستثمرين على هذه الصناديق، إلى أن أعلنت هيئة أسواق المال التركية خضوع 131 صندوقًا للتصفية. وقد بلغ عدد المتأثرين بهذا الانهيار وفقا لهيئة أسواق المال التركية 455 ألف مستثمر فردي.
فما قصة هذه الصناديق؟
استثمرت بعض الصناديق في أسهم محدودة التداول، فارتفعت أسعارها مع قلة المعروض منها، وارتفعت تبعًا لذلك القيمة المعلنة للصناديق، جذب هذا الارتفاع مستثمرين جددًا توقعوا عوائد أكبر، فزاد الطلب على تلك الأسهم وارتفعت أسعارها مجددًا، لكن عندما شددت الجهات التنظيمية رقابتها خشية التلاعب بالأسعار، ظهرت المشكلة، لم تستطع الصناديق تلبية طلبات المستثمرين لاسترداد أموالهم، وتراجعت قيمتها. ويُعرف التهافت على سحب الأموال من الصندوق في القطاع المالي باسم “التدافع نحو الاسترداد” (fund run).
عادة ما تنهار مثل هذه الصناديق سريعا، ولكن في الحالة التركية استمرت على مدى سنتين لأنها استخدمت نموذج استحواذ الصناديق الكبيرة على الصناديق الصغيرة حتى تخفي عدم قدرتها على استرداد المبالغ، وهذا ما أدى إلى استمرار النموذج الاستثماري لعامين وجذب عدد ضخم من العملاء.
ما نوع الاحتيال؟
يشبه الوصف المتداول لهذه الممارسات “مخطط بونزي”، الذي يقوم على وعد المستثمرين بعوائد مجزية، ثم دفع تلك العوائد من أموال مستثمرين جدد، لا من أرباح حقيقية، وتستمر العملية ما دام تدفق الأموال الجديدة كافيًا لتغطية المدفوعات، لكنها تنهار عندما تتزايد طلبات السحب أو يتباطأ دخول مستثمرين جدد.
ويخلط كثيرون بين مخطط بونزي والمخطط الهرمي. ففي المخطط الهرمي، ترتبط مكافآت المشاركين بتجنيد أعضاء جدد، ويستفيد المنضمون الأوائل من توسع الشبكة. أما في مخطط بونزي، فلا يُطلب من المستثمر عادةً تجنيد آخرين، إذ يتولى القائم على المخطط جمع الأموال وصرف العوائد المزعومة.
خطورة القضية
لا تقتصر خطورة القضية على خسائر المستثمرين، بل تمتد إلى الثقة في السوق التركية وصناديقها الاستثمارية، فقد يدفع القلق من تكرار الأزمة بعض المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من الأسهم التركية، كما قد تتراجع ثقة الأفراد بالمؤسسات، خاصة إذا كانت الصناديق المعنية مسجلة رسميًا.
وتزامنت القضية مع تراجع أسبوعي في مؤشر “BIST 100”، وارتفاع هامش مخاطر الديون السيادية التركية لأجل خمس سنوات إلى نحو 254 نقطة أساس، كما تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحاسبة المتورطين، وتكشف القضية، في كل الأحوال، أهمية فحص ما وراء العوائد المعلنة، وفهم طبيعة الأصول التي تستثمر فيها الصناديق وكيفية تقييمها.
طرق تجنب الاحتيال
تستند كثير من أساليب الاحتيال الاستثماري إلى إغراء الناس بالربح السريع على فترات قصيرة، وهنا أتذكر تحذير سعادة نصر بن خميس الصواعي النائب العام، الذي أشار في المؤتمر الصحفي السنوي للنيابة العامة في فبراير 2026م إلى أننا ما زلنا ننجرّ وراء “بيع الوهم”، وأن المحتال قد يعد بعوائد تبلغ 50% كل شهر؛ وهي وعود تستدعي التوقف والتساؤل، لا المسارعة إلى تحويل الأموال، وقد نبه أيضًا إلى استمرار تصاعد قضايا الاحتيال رغم التحذيرات.
ومن العلامات التي تستدعي الحذر الإلحاح المتكرر، والإعلانات التي تعد بعوائد استثنائية، والتواصل مع المستثمرين عبر الحسابات الشخصية لدفعهم إلى اتخاذ قرار فوري، لا يعني ذلك أن كل فرصة تُعرض بهذه الطريقة احتيالية، لكنه سبب كافٍ للتحقق من هوية الجهة وترخيصها، وفهم طريقة تحقيق الأرباح والمخاطر التي قد يتعرض لها رأس المال.
كذلك، لا تُعدّ العوائد التي تتلقاها في البداية ضمانًا لاستمرارها؛ فقد تُستخدم لاستدراجك إلى استثمار مبلغ أكبر، وقبل الدخول في استثمار لا تفهمه جيدًا، استشر مختصًا ماليًا أو قانونيًا مستقلًا، ولا تتخذ قرارك بناءً على وعد بالربح وحده، وتذكر قول الإمام السالمي رحمه الله:
ما خاب قد قيل من استخارا كلا ولم يندم من استشارا
فهي إذا حصن من الندامة وأنها أمن من الملامة
من لم يشاور رجلا رشيدا عنه الصوابا قد غدا بعيدا






