أثير- الركابي حسن يعقوب
رغم التأكيدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً وكررها عدة مرات بأن الحرب على إيران ستنتهي “قريباََ” وأن موعد إنهاءها هو عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إلا أن الواقع على الأرض لا يؤيد هذه التأكيدات، إلا إذا كان الرئيس ينوي سحب قواته وعتاده العسكري من المنطقة ويعلن إنهاء الحرب من طرف واحد وهو احتمال ضعيف، بل غير وارد إذ أن ذلك يعني الهزيمة بالنسبة لدولة عظمى بدأت الحرب ولم تحقق شيئاً من أهدافها المعلنة حتى الآن.
الواقع على الأرض يقول بأنه ما تزال الفجوة واسعة بين الأهداف التي من أجلها هوجمت إيران من قبل إسرائيل وأمريكا، وما هو قائم بالفعل على أرض الواقع، فقد عجزت أمريكا عن تحقيق هدف إزالة النظام الإيراني وهو هدف يأتي على رأس الأهداف الأمريكية المعلنة، وعوضاََ عن إزالة النظام ساهم السلوك الأمريكي والعقلية التي أدارت الحرب على إيران في توطيد دعائم النظام وتثبيت أقدامه، وإكسابه قدراََ كبيراً من الشرعية أتاحت له الاستمرار والبقا،ء ومواصلة المقاومة وتحدي الضغوط الأمريكية المتعددة والمركبة من ضغط عسكري وحصار بحري، وجوي ، وخنق اقتصادي مشدد.
وتأسست مقاومة إيران في مواجهة هذه الضغوط الأمريكية الهائلة على استراتيجية “تحمل الألم” ورفع كلفة فرض هذه الضغوط على الجانب الأمريكي بحيث تؤدي في النهاية إلى ترحيل الألم إلى الجانب الأمريكي وبالتالي جعله يتراجع عن الاستمرار في فرض هذه الضغوط أو التقليل منها، بحسبان أن المضي فيها يعني المزيد من الألم الذي يصيبه.
إن المعضلة الأساسية في هذه المفارقة هي أن سقف الطموح الأمريكي عالي جداً والهدف الذي تريد واشنطن تحقيقه منفصل عن الواقع، وبعيد المنال على الأقل في المرحلة الراهنة، فواشنطن تريد من النظام في إيران الاستسلام ورفع الراية البيضاء والإذعان لإملاءاتها وشروطها، وهو ما لا يمكن تصور حدوثه في الوقت الراهن ولا حتى في الأجل الطويل، لأن التجربة برهنت على أن النظام في إيران ظل ومنذ بداية الحرب يطور آليات فعالة لمواجهة التصعيد الأمريكي، سواء في شقه العسكري، أو شقه الاقتصادي استناداََ إلى خبرة تراكمت على مدى أكثر من أربعة عقود عمل النظام في إيران على توريثها للأجيال التي تعاقبت على الحكم، كما أنه طور تجاربه في التفاوض مع أمريكا عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، هذا غير المباحثات والتفاهمات واللقاءات التي تمت عبر وسطاء اقليميين ودوليين في أوقات متفرقة في أزمات مختلفة منذ نجاح الثورة الإسلامية في التمكن من الإمساك بمفاصل السلطة في إيران.
وبجانب استراتيجية الصبر وتحمل الألم التي يتبعها النظام في إيران في مواجهة الضغوط والتصعيد الأمريكي، ينتهج النظام بجانب ذلك سياسة رفع الكلفة على الجانب الأمريكي وتعظيم خسائره ويقدم هذه السياسة على تعظيم مصالحه هو ويعطيها الأولوية، وبدأ تطبيق هذه السياسة بإغلاق مضيق هرمز فنتج عن ذلك أزمة طاقة عالمية تأثر بها الداخل الأمريكي وانعكست سلباََ على وضعية الحزب الجمهوري، وعلى شعبية الرئيس ترامب مما اضطرت معه الإدارة الأمريكية إلى خفض تصعيدها وكبح جماحها إلى حدوده الدنيا، كذلك أدى هذا الإغلاق إلى تدويل الأزمة وإطالة أمد الحرب التي تعارضها قطاعات كبيرة من الرأي العام الأمريكي، وتحولت واشنطن إلى شريك في خلق الأزمة الاقتصادية العالمية بحصارها للموانئ الإيرانية وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
إلى جانب ما تقدم، فقد وضعت إيران أمريكا في وضع حرج مع حلفائها بالمنطقة باستهدافها لهم بالضربات وعجز واشنطن عن إيقاف هذه الضربات من ناحية، ومن ناحية أخرى عجزت أيضاً عن تفادي تداعيات هذه الضربات على اقتصاديات هذه الدول الحليفة ولم تستطع تأمين عبور الصادرات من منتجات الطاقة عبر المضيق وهو ما أثار الجدل في المنطقة حول جدوى المظلة الأمنية الأمريكية، ودفع ذلك بعض الدول إلى إعادة النظر فيها والبحث عن مظلات بديلة، ومثال ذلك إبرام المملكة العربية السعودية لحلف دفاعي مع كل من تركيا وباكستان فيما عرف بـ “حلف مكة”. وهي خطوة تنقص كثيراً من ثقل مكانة واشنطن بالمنطقة والتي حافظت عليها على مدى عقود عديدة وتفقدها أرضية ذات أهمية استراتيجية لها قد لا تستطيع أمريكا استعادتها لعقود قادمة.
وميزة أخرى أخيرة ترى طهران أنها تمثل ورقة رابحة في يدها، وهي التفاوض، حيث أن الخبرة المتراكمة من جولات التفاوض اكسبت المفاوض الإيراني مهارة في هذا الجانب ظهرت آثاره جلية من خلال المفاوضات مع إدارة أوباما التي توجت بالاتفاق التاريخي في العام 2015 والذي عرف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” ومجموعة دول (5+1) التي ضمت أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا وروسيا. وقد احتفت به إيران باعتباره اتفاقاََ عادلاََ يمثل معادلة رابح-رابح.
كذلك انخرطت إيران في مفاوضات مع أمريكا في عهد أوباما، والمفاوضات التي رعتها سلطنة عُمان وكانت على مرمى حجر من الوصول إلى اتفاق مثالي وعادل وصفه معالي وزير الخارجية العماني بأنه كان “في المتناول” لولا أن الجانب الأمريكي نسفه في اللحظة الأخيرة بالضربات المباغتة في العمق الإيراني، وقد درج الجانب الأمريكي على نسف المفاوضات عدة مرات مما أعطى مؤشرًا على أنه لا يريد التفاوض، لأسباب قد يكون من ضمنها ضعف الموقف التفاوضي لديه أو أنه لا يؤمن بمبدأ الحلول الوسط التي تقوم على تقديم التنازلات.
لكل ذلك تبدو طهران كما لو أنها تراهن كثيراً على التفاوض كوسيلة فعالة لإنهاء أزمتها مع واشنطن، وتراهن في نفس الوقت أيضاً على قدرتها على تحمل ألم التصعيد العسكري والضربات الأمريكية مهما علت وتيرتها وهذا ما يفسر هذا الإصرار على المواجهة وعدم الاستسلام.






