43 ألف معاملة عن بُعد؛ هل انتهى زمن الانتظار أمام الكاتب بالعدل؟

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

43 ألف معاملة عن بُعد؛ هل انتهى زمن الانتظار أمام الكاتب بالعدل؟
منظومة رقمية
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
في السابق، كان إنجاز وكالة أو معاملة لدى الكاتب بالعدل يبدأ بخطوة لا مفر منها: الذهاب إلى الدائرة. يحسب المراجع وقت الطريق والانتظار، ويحضر مستنداته، ويتابع معاملته حتى تكتمل. أما اليوم، فقد تبدأ المعاملة وتنتهي من دون أن يخطو صاحبها إلى دائرة الكاتب بالعدل أصلًا.
هذه ليست مجرد حكاية انتقال من الورق إلى الشاشة؛ فالأرقام المسجلة عبر منصة “توثيق” خلال عام 2025 التي وردت في الكتاب الإحصائي السنوي للمجلس الأعلى للقضاء، تكشف تحولًا أكبر في طريقة تقديم خدمات الكاتب بالعدل؛ إذ أُنجزت أكثر من 43 ألف معاملة عبر الاتصال المرئي، مقابل 353 معاملة فقط في عام 2024.
ماذا يحدث عندما تنتقل المعاملة من الدائرة إلى المنصة، وهل بدأ جزء من الازدحام والمراجعات الحضورية ينتقل فعلًا إلى المسار الإلكتروني؟

من خدمة محدودة إلى منظومة رقمية

في 1 ديسمبر 2024، دخلت المرحلة الأولى من الخدمة حيز التنفيذ، بإتاحة 20 خدمة عن بُعد، من بينها ”وكالة محاماة“ و ”وكالة بيع عقار محدد“.
وبعدها، في 23 فبراير 2025، دُشنت منصة ”توثيق“ بصورة شاملة، مع توسيع نطاق الخدمات وربط المنصة بأكثر من 18 جهة حكومية.
واليوم، تضم المنصة 147 خدمة إلكترونية موزعة على 8 أنظمة، تشمل خدمات الكاتب بالعدل، وشؤون المحامين والخبراء، ولجان التوفيق والمصالحة، ومكتب التصديقات، واستثمار الأموال، والضبطية القضائية، إلى جانب خدمات المراجعين والدعم الفني والمراسلات الداخلية.
وهكذا لم تعد الرقمنة مرتبطة بخدمة واحدة تُنجز إلكترونيًا، بل أصبحت مسارًا بديلًا لجزء واسع من الخدمات التي كانت تتطلب حضور المراجع إلى المؤسسة.

الاتصال المرئي: حين يصبح الحضور ”رقميًا“

بعض معاملات الكاتب بالعدل ترتبط بطبيعتها بمتطلب أساسي: التأكد من شخصية صاحب الطلب وأهليته وإرادته.
لذلك، لم يكن رفع المستندات إلكترونيًا وحده كافيًا؛ وهنا يأتي الاتصال المرئي؛ إذ يتيح التحقق من شخصية مقدم الطلب إلكترونيًا، ثم استكمال بقية مراحل المعاملة عن بُعد.
وتعتمد المنصة في ذلك على التصديق الإلكتروني للدخول، وربطها بالسحابة الحكومية، إلى جانب تبادل البيانات مع الجهات الحكومية المرتبطة بها. وبذلك، لا يعود المراجع مضطرًا بالضرورة إلى التنقل بين المؤسسات لاستكمال متطلبات معاملته؛ فالمنصة تتولى في الخلفية ربط الجهات وتبادل المعلومات اللازمة.
وهنا تظهر نقطة مهمة في فهم أثر “توثيق”: تقليل الحضور لا ينتج فقط عن تحويل الخدمة إلى إلكترونية، بل أيضًا عن قدرة البنية الرقمية على نقل المعلومات والإجراءات بين الجهات، بدل أن ينتقل المراجع بينها بنفسه.

43 ألف معاملة: ماذا تخبرنا الأرقام؟

تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى نوعية المعاملات التي انتقلت إلى الاتصال المرئي؛ فـ ”وكالة محاماة“ ارتفعت من 249 معاملة في 2024 إلى 24,234 معاملة في 2025، وقفزت ”وكالة بيع عقار“ من 28 إلى 4,641 معاملة، فيما سجلت ”وكالة في الإرث“ 4,344 معاملة في 2025، بعد أن لم تكن ضمن أعلى عشر معاملات في العام السابق، وبإجمالي 43,062 ألف معاملة.
وامتد الاستخدام إلى معاملات أخرى؛ إذ وصلت ”وكالة في عامة العقارات“ إلى 1,924 معاملة، و ”وكالة في عامة المركبات“ إلى 1,113، و ”وكالة قريب في التقاضي“ إلى 791 معاملة.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن إجمالي هذه المعاملات ارتفع بالمقدار نفسه، فهي تقيس ما أُنجز عبر الاتصال المرئي. لكن دلالتها الأبرز أن القناة الإلكترونية أصبحت تستوعب حجمًا كبيرًا من الطلب على خدمات كان جزء منها يُنجز بالحضور الفعلي.

من ”المراجع“ إلى ”المعاملة“

لم تعد المؤسسة بحاجة إلى استقبال كل صاحب معاملة في المكان ذاته لتقديم الخدمة، والمراجع من جانبه لم تعد المسافة إلى دائرة الكاتب بالعدل جزءًا ضروريًا من رحلته في الخدمات المتاحة عن بُعد.
ويظهر ذلك أيضًا في توزيع معاملات الاتصال المرئي بين الدوائر، ففي عام 2025 تصدرت مدحاء القائمة بـ 9,011 معاملة، تلتها محضة بـ 7,729، ثم الرستاق بـ 5,389، وعبري بـ 2,652 معاملة.
واللافت أن حضور الدوائر البعيدة جغرافيًا في القائمة يوضح إحدى أهم الوظائف العملية للخدمة الرقمية: عندما تنتقل المعاملة إلى الاتصال المرئي، يصبح موقع الدائرة أقل ارتباطًا بمكان وجود المستفيد.

لماذا كان هذا التحول مطلوبًا؟

الهدف من المنصة يتجاوز رقمنة المعاملة نفسها؛ فهو يرتبط بإعادة تصميم الإجراءات لتصبح أكثر اعتمادًا على البيانات والربط الإلكتروني، وأقل اعتمادًا على حركة الأشخاص والوثائق بين الجهات.
فالمنصة مرتبطة بأكثر من 18 جهة حكومية، بما يتيح تبادل المعلومات وتسريع استكمال المتطلبات وتقليل الوقت اللازم لإنجاز المعاملات، إلى جانب توفير قواعد بيانات أكثر دقة.
وهذا يعالج مشكلة تواجه كثيرًا من الخدمات الحكومية: عندما تحتاج المعاملة الواحدة إلى معلومات أو موافقات موجودة لدى أكثر من جهة، يصبح انتقال المراجع بينها جزءًا من تكلفة الخدمة، حتى لو لم يكن حضوره ضروريًا لإنجازها.
أما عندما تنتقل عملية التحقق وتبادل البيانات إلى الأنظمة الحكومية، فإن الذي يتحرك يصبح المعلومة، لا الشخص.
ومن هنا تأتي إحدى أهم دلالات ”توثيق“: التسهيل لا يقتصر على تقديم الطلب إلكترونيًا، بل يمتد إلى إزالة الخطوات التي لا تستدعي حضور المستفيد من الأساس.

هل انخفضت المراجعات الحضورية؟

البيانات المتاحة تثبت توسعًا كبيرًا في إنجاز المعاملات عبر الاتصال المرئي، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن إجمالي عدد المراجعين الحضوريين انخفض بنسبة محددة؛ إذ يتطلب ذلك مقارنة بأعداد المراجعين قبل تطبيق الخدمات الرقمية وبعدها.
لكن المؤشر المتاح يحمل دلالة واضحة: 43,062 معاملة أُنجزت عبر الاتصال المرئي خلال عام واحد تعني أن هذا العدد من المعاملات لم يعد يتطلب المسار الحضوري التقليدي نفسه.
ويتأكد هذا الاتجاه مع التوسع التنظيمي للخدمة؛ ففي 1 مارس 2026 دخل قرار إلزامية إنجاز جميع وكالات المحاماة عبر تقنية الاتصال المرئي حيز التنفيذ الكامل، بحيث تُنجز المعاملة إلكترونيًا دون استقبال المراجعين في الدوائر لهذه المعاملة.

ماذا تقول تجربة 2025 عن المرحلة المقبلة؟

لا تُقاس قيمة التحول الرقمي بعدد الخدمات التي تظهر على الشاشة فقط، وإنما بقدرته على تغيير تجربة المستفيد ورفع كفاءة المؤسسة في الوقت نفسه.
وتشير بيانات المجلس الأعلى للقضاء إلى أن إجمالي المعاملات في 2025 بلغ 308,396 معاملة، وبلغ الرضا عن الخدمات الإلكترونية 7.5 من 10، مقابل 7.4 للحضور الشخصي، بينما بلغ الرضا العام 7.4، في استطلاع رضا المستفيدين لعام 2025.
ولا ترسم هذه الأرقام وحدها صورة كاملة عن تجربة المستفيد، لكنها تشير إلى أن القناة الإلكترونية أصبحت جزءًا مستقرًا من منظومة تقديم الخدمة، ولم تعد مجرد تجربة محدودة.
كما أن تصدر المجلس الأعلى للقضاء قائمة المؤسسات الأعلى تغييرًا في مؤشر الإجادة الرقمية، بنسبة نمو بلغت 88%، يضع ”توثيق“ ضمن مسار مؤسسي أوسع لإعادة بناء الخدمات على أساس رقمي.
في الختام؛ إذا كانت 43 ألف معاملة عبر الاتصال المرئي قد أُنجزت خلال عام واحد، ثم انتقلت بعض الخدمات إلى الإلزام بالمسار الإلكتروني، فإلى أي مدى يمكن إعادة تصميم الخدمة الحكومية بحيث يصبح حضور المراجع استثناءً، لا جزءًا أساسيًا من المعاملة؟

شارك هذا الخبر