أثير - محمد الدغيشي
شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الثلاث الماضية تحولات لافتة في أعداد وثائق الزواج، بين تراجع ملحوظ في عام 2023 وعودة قوية للارتفاع في عام 2025، الذي سجل 23,117 وثيقة زواج، وفقًا للكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة كونها تمثل ثاني أعلى حصيلة سنوية خلال السنوات العشر الماضية، بعد الرقم المسجل في عام 2016، ما يسلط الضوء على التغيرات التي طرأت على معدلات الزواج في المجتمع العُماني، ويفتح المجال للتساؤل حول العوامل التي أسهمت في هذا الارتفاع، ومدى ارتباطه بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب دور المبادرات المجتمعية والجهود الرامية إلى تيسير الزواج وتعزيز الاستقرار الأسري.
من القاع إلى القفزة: رحلة الثلاث سنوات
شهد عام 2023 حالك من الجمود؛ إذ تراجعت عقود الزواج إلى 14,704 وثائق فقط، وهو رقم حاد الانخفاض مقارنة بمعدلات العقد الماضي، لكن هذا الانكماش لم يدم طويلاً؛ إذ شهد عام 2024 نقطة تحول بارتفاع قدره 22% أي قرابة من 18 ألف عقد، أما في عام 2025 فقد تسارعت الوتيرة بزيادة بلغت 29%، والنتيجة نمو إجمالي متراكم قارب 57% خلال عامين فقط.
أين يتركز الزخم؟
أظهرت البيانات الإحصائية لوثائق الزواج إعادة تشكيل تدريجية للتوزيع الجغرافي للذين أقبلوا على الزواج؛ حيث أصبحت محافظة مسقط تسجل النسبة الأكبر، متوسعةً في حصتها من إجمالي العقود المسجلة خلال العامي 2024-2025 تصبح من أن كانت 27% إلى 29%.
وأما مستوى المحافظات الأخرى، فقد كانت أكثر المحافظات مستقرة نسبياً، باستثناء محافظة ظفار التي شهدت زيادة تدريجية في حجم التوثيق لتأتي في المرتبة الرابعة من حيث إجمالي العقود مسجلةً فارقاً يبلغ نحو 50 وثيقة مقارنة بمحافظة الداخلية بحلول عام 2025.
وأما على مستوى الولايات، تجلّى التغير الأكثر وضوحاً في ولاية بوشر؛ فبعد أن سجلت نحو 755 وثيقة زواج في عام 2023، شهدت ارتفاعاً لافتاً في عام 2024 لتصبح في المرتبة الثانية بعد ولاية السيب، ومواصلةً هذا المسار التعددي في عام 2025 بتسجيل 2,188 وثيقة، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف أرقامها المسجلة سابقاً.
وفي الجانب نفسه، أظهرت البيانات استقرار كل من ولايتي العامرات وبركاء ضمن قائمة الولايات الخمس الأكثر تسجيلاً لوثائق الزواج منذ عام 2024م، مقارنة بمستويات سابقة في ولايات أخرى كـ عبري والسويق؛ مما يعكس تركز الحراك الاجتماعي ومعدلات الزواج في الحواضر والمناطق المحيطة بالعاصمة مسقط.
ما الذي حرك مياه “الزواج المختلط”؟
في حين ارتفع زواج العمانيين من عمانيات بنحو الربع، فقد دخل الزواج المختلط وسجل قفزة لافتة بنسبة 45%، وتكشف بيانات عام 2024 أبعاد هذا المشهد؛ حيث بلغت وثائق زواج العمانيين من أجنبيات 3,293 وثيقة، تصدرتها الجنسيات اليمنية ثم الباكستانية فالمغربية.
في المقابل، اقتصرت وثائق زواج العمانيات من أجانب على 343 وثيقة، تصدرتها الجنسية الباكستانية تليها الإماراتية بفارق وثيقة واحدة.
الفئة العمرية 25-29 هي الأكثر إقبالاً على الزواج
استحوذت الفئة العمرية من 25 إلى 29 عامًا على النصيب الأعلى لدى الجنسين، إلا أن المسارين يفترقان بعدها؛ إذ يمتد النطاق العمري للرجال نحو عمر الثلاثينيات، بينما يتركز إقبال النساء في سن أبكر، وأكدت الأرقام استمرار الفجوة العمرية التقليدية بين الزوجين، دون أن تطرأ عليها تغييرات جوهرية رغم هذه القفزة الإحصائية.
خلف الأرقام: تأجيل أم تحول بنيوي؟
يُعد هذا الصعود السريع بعد أن انخفض في عام 2023 يطرح قراءات عدة؛ فالسرعة التي نمت بها الأرقام تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من العقود كان تأجيلًا مؤقتًا لا تقليلاً في الزواج، حيث تريث الكثيرون ربما بسبب تحسن لظروف وأصبحت أفضل، ويدعم ذلك كون الانتعاش الأكبر جرى في الولايات القريبة من العاصمة حيث فرص العمل ووفرة خيارات السكن وتمركز الشباب، كما قد تكون مرونة التكاليف وتبسيط الإجراءات عوامل حاسمة في اتساع رقعة الزواج المختلط.
هل هي مجرد موجة تعويضية أم بداية مسار دائم؟
اثبتت البيانات أن حركة الزواج في السلطنة لم تسترد عافيتها فحسب، بل أعادت تشكيل خارطتها الجغرافية والاجتماعية. وتبقى الإجابة العميقة رهينة التقارير الإحصائية القادمة، هل نحن أمام “موجة تعويضية” مؤقتة تلت سنوات التريث، أم أن العمانيين يخطون بالفعل أولى خطواتهم في مسار اجتماعي جديد؟





