رصد أثير
إعداد: ريما الشيخ
تتجه الأنظار اليوم الثلاثاء إلى قلعة ويندسور البريطانية، التي تستضيف مراسم الاستقبال الرسمي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، في إطار زيارة الدولة التي يقوم بها جلالته إلى المملكة المتحدة، بدعوة من الملك تشارلز الثالث. وتُعد هذه أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بريطانيا منذ عام 1982م.
وبحسب ما رصدته ”أثير“ من تقارير نشرتها وسائل إعلام بريطانية، يبدأ البرنامج الرسمي بلقاء الأمير ويليام، أمير ويلز، جلالة السلطان في مقر إقامته بالعاصمة لندن، نيابة عن الملك تشارلز الثالث، قبل أن يرافقه إلى مدينة ويندسور، حيث يستقبله الملك والملكة كاميلا على المنصة الملكية، بالتزامن مع إطلاق التحية المدفعية في متنزه هوم بارك وبرج لندن.
بعد ذلك، يتوجه جلالة السلطان برفقة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا والأمير ويليام والأميرة كاثرين في موكب بالعربات الملكية عبر شوارع ويندسور وصولًا إلى القلعة، حيث يؤدي حرس الشرف التحية الملكية، وتعزف الفرقة العسكرية النشيدين الوطنيين العُماني والبريطاني.
ويتفقد جلالة السلطان حرس الشرف برفقة الملك تشارلز الثالث، قبل متابعة العرض العسكري، ثم المشاركة في مأدبة غداء رسمية، يعقبها الاطلاع على معرض يضم مقتنيات مرتبطة بسلطنة عُمان من المجموعة الملكية البريطانية، داخل غرفة الاستقبال الخضراء بالقلعة.
وتُختتم مراسم اليوم بمأدبة دولة يقيمها الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في قاعة سانت جورج بقلعة ويندسور، بحضور عدد من أفراد العائلة المالكة، ومن المقرر أن يلقي خلالها الملك وجلالة السلطان كلمتين.
أما غدًا الأربعاء، فيودع الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا جلالة السلطان، الذي يتوجه إلى لندن للقاء رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام في مقر رئاسة الوزراء بشارع داونينغ ستريت. ومن المتوقع أيضًا عقد لقاءات دبلوماسية بين وزيري خارجية البلدين. ويشمل برنامج الأربعاء مأدبة في مبنى غيلدهول التاريخي، تستضيفها عمدة مدينة لندن ومؤسسة مدينة لندن، بمشاركة دوق غلوستر.
ومن المقرر أن يختتم جلالة السلطان برنامج الزيارة يوم الخميس بزيارة مجمع ”هير إيست“ للأعمال والثقافة في متنزه الملكة إليزابيث الأولمبي بمنطقة ستراتفورد، للاطلاع على تجربة إعادة تطوير المنطقة بعد دورة الألعاب الأولمبية عام 2012م، إلى جانب التعرف على شركات تعمل في مجالات الطاقة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والفضاء والدفاع.
وبين تفاصيل هذا البرنامج، يبرز مقر إقامة جلالة السلطان في لندن، الذي اختير ليكون نقطة انطلاقه برفقة الأمير ويليام إلى مراسم الاستقبال الملكي. وهو منزل تاريخي ارتبط بسلاطين عُمان منذ عقود، وتكشف السجلات البريطانية عن قصة تمتد لأكثر من 200 عام.
منزل تاريخي في قلب لندن
يقع المنزل المعروف باسم ”غروف هاوس“ (Grove House) في منطقة ريجنت بارك بالعاصمة البريطانية، ويُعرف في السجل الوطني للتراث الإنجليزي باسم ”نوفيلد لودج“ (Nuffield Lodge)، بينما حمل في بداياته اسم ”غروف لودج“ (Grove Lodge).
وحسب تقرير نشرته صحيفة ”ذا ناشيونال“ في 20 أكتوبر 2026م، ارتبط المنزل بإقامة سلاطين عُمان خلال زياراتهم إلى المملكة المتحدة، كما شهد استقبال عدد من الشخصيات السياسية والرسمية.
ويتميز العقار بموقعه بالقرب من حديقة ريجنت بارك وقناة مائية، فضلًا عن مساحاته الخضراء الواسعة وتصميمه المعماري الذي حافظ على كثير من ملامحه الأصلية.
من منزل لعالم جيولوجيا إلى مبنى تاريخي محمي
يعود تاريخ بناء المنزل إلى الفترة بين عامي 1822 و1824م، عندما صممه المعماري البريطاني ديسيموس بيرتون ليكون مقر إقامة عالم الجيولوجيا جورج بيلاس غرينو، ضمن مجموعة من الفيلات التاريخية التي أُنشئت حول حديقة ريجنت بارك.
وبحسب السجل الوطني للتراث في إنجلترا، صُمم المنزل على الطراز الكلاسيكي المستوحى من العمارة اليونانية، بمخطط معماري متقاطع، ويتكون من طابقين وطابق سفلي.
وفي عام 1877م، أجرى المعماري هنري مارلي بيرتون تعديلات على المبنى، شملت رفع أجزاء منه وتوسيعه، ليتحول من مسكن صُمم لشخص واحد إلى منزل عائلي.
وشهد المنزل مرحلة أخرى من التغييرات نحو عام 1909م، عندما أُضيفت إليه لوحات جدارية نفذها الفنان سيغيسموند غوتزه، الذي كان يمتلك المنزل في تلك الفترة.
وفي 5 فبراير 1970م، أُدرج المبنى رسميًا ضمن قائمة المباني التاريخية المحمية من الفئة الأولى (Grade I)، وهي أعلى درجات الحماية المخصصة للمباني ذات الأهمية المعمارية والتاريخية الاستثنائية في إنجلترا.
ماذا يوجد داخل المنزل؟
تكشف السجلات البريطانية عن تفاصيل معمارية مميزة في واجهات المنزل وقاعاته الداخلية. فالواجهة الغربية، التي تضم المدخل الرئيسي، تحتوي على سبع فتحات للنوافذ، ويتوسطها مدخل بارز تحيط به أعمدة مستوحاة من الطراز الدوري اليوناني.
أما الواجهة الجنوبية المطلة على الحديقة، فتضم خمسة محاور للنوافذ، تتقدم الجزء الأوسط منها أربعة أعمدة أيونية مزخرفة، تعلوها واجهة مثلثة على الطراز الكلاسيكي.
وتتميز الواجهة الشرقية بجزء أوسط منحني، مع أعمدة وزخارف معمارية تتكرر في طابقي المبنى.
وفي الداخل، يضم المنزل قاعة دائرية مركزية تعلوها قبة وتحيط بها أعمدة، إلى جانب بهو ذي سقف مقبب، ولوحات جدارية وزخارف مستوحاة من العمارة اليونانية والرومانية. كما يشير السجل التراثي إلى وجود مدافئ رخامية ذات طابع زخرفي، وتفاصيل معمارية أُضيفت إلى التصميم الداخلي خلال مراحل لاحقة.
واحدة من أكبر الحدائق الخاصة في لندن
يمتد العقار على مساحة أربعة أفدنة، أي نحو 16,000 متر مربع، بالقرب من القناة المائية التي تفصل أرضه عن حديقة ريجنت بارك. وبحسب شركة ”نيل توملينسون للعمارة“، التي تولت أعمال ترميم المنزل، تُعد حديقته من بين أكبر الحدائق الخاصة في العاصمة البريطانية.
وتضم المساحة الخارجية حديقة للزينة، وإسطبلات، ومبنى ملحقًا، ومنشآت صغيرة ذات طابع زخرفي موزعة داخل الحديقة.
وتصف الشركة المنزل بأنه الأقل تعرضًا للتغييرات بين الفيلات التاريخية المحيطة بريجنت بارك، وهو ما يعكس احتفاظه بجزء كبير من طابعه المعماري الأصلي. وفي عام 2014م، تولت الشركة أعمال استبدال سقف المنزل، ضمن أعمال الترميم والصيانة التي شهدها المبنى.
ارتباط المنزل بالسلطان قابوس
تُظهر وثائق التخطيط العمراني البريطانية أن المنزل كان يُستخدم مقرًا رسميًا لإقامة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- خلال زياراته إلى العاصمة البريطانية، وتصف إحدى الوثائق المنزل بأنه المقر الرسمي للسلطان قابوس في لندن خلال زياراته إلى المدينة.
كما تكشف وثيقة منشورة ضمن سجلات خدمات النقل في وستمنستر، تعود إلى نحو عام 2010م، أن شركة ”تشارلز كيندال وشركاه“، بصفتها الوكيل المعتمد لحاكم سلطنة عُمان في المملكة المتحدة، قدمت اعتراضًا نيابة عن حكومة السلطنة على مشروع لإنشاء محطة عامة للدراجات بالقرب من مدخل المنزل. وتناول الاعتراض مسائل تتعلق بإمكانية الدخول إلى المنزل وسلامة مستخدميه، في ضوء طبيعة الزيارات الرسمية التي يشهدها العقار.
ولا تحدد الوثائق المتاحة تاريخ بدء استخدام المنزل مقرًا لإقامة السلطان قابوس، لكنها تؤكد ارتباطه بزياراته إلى المملكة المتحدة.
رؤساء دول وشخصيات ملكية زارت المنزل
لم يقتصر استخدام المنزل على الإقامة، بل شهد استقبال عدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية، إذ ذكرت صحيفة ”ذا ناشيونال“ أن من بين زواره رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، عندما كان زعيمًا للمعارضة.
كما ورد في وثائق تتعلق بالاعتراض على إقامة موقف للدراجات بالقرب من المنزل أن السلطان قابوس كان يستقبل فيه بصورة منتظمة رؤساء دول وشخصيات أجنبية رفيعة المستوى، إلى جانب ممثلين كبار عن العائلة المالكة البريطانية والحكومة البريطانية.
وتوضح هذه المعلومات أن المنزل كان يؤدي دورًا في استقبال الضيوف الرسميين خلال زيارات السلطان قابوس إلى لندن.
ماذا تكشف الوثائق الحديثة عن المنزل؟
تُظهر سجلات التخطيط العمراني في وستمنستر أن العقار شهد خلال السنوات الأخيرة طلبات لإجراء تعديلات على بعض مرافقه.
ففي يناير 2022م، قُدم طلب يتعلق بإجراء تعديلات على الجزء الجنوبي من مبنى الأمن الملحق بالمنزل، شملت إعادة تنظيم بعض العناصر المعمارية، وإضافة مظلة فوق أحد المداخل، وإنشاء جدار منحني قرب الدرج الحجري، إلى جانب تركيب حاجزين أخضرين.
وفي أبريل 2025م، قُدم طلب آخر باسم حكومة سلطان عُمان لتركيب سياج شبكي معدني أخضر بمحاذاة شارع الأمير ألبرت والممر الواقع على الجانب الشمالي من العقار، مع الإبقاء على السياج الخشبي القائم.
إلا أن السلطات المحلية رفضت الطلب في 16 سبتمبر 2025م، موضحة أن تصميم السياج المقترح وموقعه وارتفاعه قد تؤثر سلبًا في المحيط التاريخي للمنزل، وفي الطابع التراثي لمنطقة ريجنت بارك والمناطق المجاورة.
وتبرز هذه الإجراءات طبيعة القيود المفروضة على التعديلات التي يمكن إجراؤها على المنزل، نظرًا إلى تصنيفه ضمن المباني التاريخية المحمية من الفئة الأولى.
المصادر :
برنامج الزيارة:
- الموقع الرسمي للعائلة المالكة البريطانية
- مجلة تاتلر البريطانية
- شبكة ITV News
تاريخ المنزل وتفاصيله:
- هيئة التراث الإنجليزية (Historic England)
- شركة نيل توملينسون للعمارة
- صحيفة ذا ناشيونال
- مجلس مدينة وستمنستر
- سجلات التخطيط العمراني في وستمنستر






