ما الذي تريده عُمان وبريطانيا من شراكتهما في هذه المرحلة؟

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

ما الذي تريده عُمان وبريطانيا من شراكتهما في هذه المرحلة؟
سلطنة عُمان وبريطانيا
رصد – أثير
متابعة - جميلة العبرية
بين مراسم الاستقبال في قلعة وندسور وطاولات المباحثات، تتجه الأنظار إلى زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة. وبينما تحضر رمزية الزيارة بوصفها الأولى لسلطان عُماني منذ عام 1982، يفتح توقيتها سؤالًا أوسع: ماذا يحتاج البلدان من هذه الشراكة في مرحلة تتداخل فيها تحديات الأمن مع متطلبات النمو الاقتصادي؟
ويمكن قراءة الزيارة باعتبارها فرصة لتحديد الأولويات المستقبلية لعلاقة تاريخية ممتدة ومستدامة؛ فعُمان تتطلع إلى شراكات تدعم تنويع اقتصادها، فيما تجد بريطانيا أمامها شريكًا يجمع بين الموقع البحري والفرص الاستثمارية والقدرة على إبقاء الحوار قائمًا في بيئة إقليمية معقدة. ومن التقاء هذه المصالح تتشكل دلالة الزيارة وما يمكن أن تفتحه للمرحلة المقبلة، وهو ما تبرزه “أثير” في الأسئلة الآتية:

لماذا تزداد قيمة الحوار مع مسقط؟

تأتي الزيارة ضمن مسار متواصل من التشاور؛ ففي الثاني من يوليو 2026، نشرت “أثير” تفاصيل لقاء جلالة السلطان برئيس الوزراء البريطاني في لندن، الذي تناول سبل التهدئة ومنع التصعيد، ودعم الجهود الدبلوماسية لضمان أمن الملاحة في الخليج، والتوصل إلى اتفاق دائم بشأن القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني.
وتمنح هذه الملفات الزيارة الحالية سياقًا سياسيًا يتصل بقضايا سبق أن ناقشها الطرفان؛ فحين تتعقد الخلافات، تزداد أهمية الدول القادرة على مواصلة التواصل مع الأطراف المختلفة، وتصبح الثقة المتراكمة أداة تساعد على فهم المواقف واستكشاف فرص التهدئة.
وقد أكدت السفيرة البريطانية لدى السلطنة، قبيل الزيارة، تقدير بلادها لقدرة عُمان على الحفاظ على القنوات الدبلوماسية، ودورها في دعم التسوية السياسية في اليمن وتخفيف التوترات الإقليمية، وهو ما يوضح جانبًا من أهمية مسقط في الحسابات البريطانية، دون أن يعني ذلك افتراض وجود مهمة وساطة محددة ضمن الزيارة الحالية.

ما علاقة توقيت الزيارة بالتجارة الحرة؟

اقتصاديًا، تأتي الزيارة بعد إعلان اختتام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة المتحدة في 20 مايو 2026، وهي محطة تفتح آفاقًا لتطوير العلاقات التجارية، مع التمييز بين اختتام المفاوضات ودخول الاتفاقية حيز التنفيذ؛ إذ أوضحت الحكومة البريطانية أن استكمال النص القانوني يمثل خطوة لاحقة.
ويجعل هذا التطور الاستعداد للمرحلة المقبلة مسألة عملية؛ فاستفادة الشركات العُمانية تتطلب معرفة بالمواصفات وإجراءات التصدير وشبكات التوزيع، إلى جانب تحديد المنتجات والخدمات القادرة على المنافسة في السوق البريطانية.
ومن هنا، تتيح الزيارة فرصة لمنح هذه المسارات زخمًا سياسيًا، فيما تتولى المؤسسات المعنية ترجمة الفرص إلى برامج تعاون، وتواصل مباشر بين الشركات، وخدمات تساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى الأسواق.

كيف يتحول الاستثمار إلى أثر تنموي؟

تستند هذه التطلعات إلى حضور استثماري واسع؛ فبحسب البيانات التي نشرتها “أثير”، ارتفع حجم الاستثمار البريطاني المباشر في سلطنة عُمان من 14.9 مليار ريال عُماني في عام 2024 إلى 16.1 مليار ريال في عام 2025، ووصل إلى 16.8 مليار ريال بنهاية الربع الثاني من عام 2026.
وسبق أن وقّع جهاز الاستثمار العُماني ومكتب الاستثمار البريطاني، في يناير 2022، شراكة تستهدف الاستثمارات ذات القيمة العالية، بما يشمل الطاقة النظيفة وتقنية المعلومات، وهو مسار يربط العلاقة الاقتصادية بقطاعات تتصل بأولويات المستقبل.
وتقود هذه المعطيات إلى سؤال نوعي: كيف يمكن أن تسهم الاستثمارات في توسيع قدرات الاقتصاد العُماني؟ فالأثر التنموي يتضح عندما يتيح المشروع تدريب الكفاءات الوطنية، ويمنح الموردين المحليين فرصًا للمشاركة، وينقل تقنيات ومعارف قابلة للتطوير داخل السلطنة.
لذلك، فإن متابعة المخرجات الاقتصادية للزيارة تستدعي النظر إلى طبيعة المشروعات والشراكات، ومدى ارتباطها باحتياجات الاقتصاد، وقدرتها على توليد صادرات ووظائف ومهارات تستمر قيمتها على المدى الطويل.

كيف يرتبط أمن الملاحة بمصالح الناس؟

يوضح حضور ملف الملاحة في المباحثات العُمانية البريطانية السابقة أن الأمن والاقتصاد مساران مترابطان؛ فالحوار بشأن الممرات البحرية يتصل بحركة التجارة وقدرة الدول والشركات على الاعتماد على وصول الإمدادات.
وتتضح هذه الصلة عند النظر إلى رحلة البضائع؛ فانتظام الملاحة يساعد الشركات على التخطيط والإنتاج والتسليم، بينما يمكن أن ينعكس اضطرابها على تكاليف النقل وتوافر السلع. ومن هذا المنظور، تمتد أهمية التنسيق السياسي إلى مصالح المنتج والمستهلك.
وتتيح هذه الزاوية قراءة الدور العُماني من خلال الجمع بين موقع السلطنة البحري ونهجها الدبلوماسي، وما يمكن أن يقدمه هذا الجمع من إسهام في دعم الاستقرار الذي تحتاج إليه التجارة والاستثمارات.

ماذا يبقى بعد مراسم الزيارة؟

تمنح زيارة جلالة السلطان إلى بريطانيا هذه الملفات اهتمامًا على أعلى المستويات، وتتيح مناقشة أولويات الشراكة بصورة مباشرة، أما أثرها الممتد فستكشفه الخطوات التي تليها، من برامج تعاون ومشروعات وآليات متابعة.
وهنا ينتقل السؤال من “لماذا تُعد الزيارة تاريخية؟” إلى “كيف تصنع أثرًا للمستقبل؟”، وتصبح متابعة ما يتحقق في فرص العمل ونقل المعرفة وتنمية الصادرات ودعم الاستقرار مدخلًا لفهم قيمتها لدى البلدين وشعبيهما.
المصادر:

شارك هذا الخبر