ميثاق الجاهزية والثقة في كلمة السلطان هيثم: حين تتجاوز الشراكة حدود المعاهدات

تراكمت الثقة بين المؤسستين العسكريتين العُمانية والبريطانية عبر الإبحار والتدريب الصحراوي والطب الميداني وخدمة الإعارة، بما يعزز الجاهزية للعمل المشترك.

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

ميثاق الجاهزية والثقة في كلمة السلطان هيثم: حين تتجاوز الشراكة حدود المعاهدات
جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم
رصد – أثير
متابعة: جميلة العبرية
ضمن تقرير نشره سلاح الجو الملكي البريطاني عن أنشطة تمرين “السيف السريع 3” عام 2018، وردت حكاية المدرب العماني الذي كان يذهب إلى مدرسته بالقارب في طفولته، ثم شارك بخبرته البحرية في الأنشطة التدريبية التي جمعت عددًا من العسكريين العمانيين والبريطانيين، ليصبح ما تعلّمه في حياته اليومية معرفةً ينقلها إلى الآخرين.
ويذكر التقرير أن بين المدربين العمانيين ضباطًا سابقين في البحرية السلطانية العمانية، أسهموا بخبراتهم في تعليم المشاركين. ونقل التقرير عن صالح سعيد الجابري، مدير عمليات مدرسة الإبحار، قوله إن الإبحار يساعد على تنمية التواصل والانضباط والعمل الجماعي والعناية بالمعدات، وهي مهارات تمنح التدريب على متن القارب صلةً مباشرةً بالعمل العسكري.
ومن هذه التفاصيل يمكن الاقتراب من المعنى الذي عبّر عنه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- خلال مأدبة العشاء الرسمية بقلعة ويندسور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م، بقوله: “لقد أرسى تبادل المعارف والخبرات ميثاقًا من الجاهزية والثقة لا تستطيع أي معاهدة وحدها أن تحقّقه وتبلغ مداه”.
فخلف التعاون بين المؤسستين العسكريتين العُمانية والبريطانية تجارب عاشها أفراد، تعلّموا خلالها من بعضهم، واختبروا قدرتهم على العمل معًا. فكيف تتشكّل هذه الثقة؟ وماذا يضيف كل طرف إلى خبرة الآخر حين تجمعهما مهمة واحدة؟

حين يصبح البحر قاعةً للتدريب

وفقًا للتقرير البريطاني، ارتبطت أنشطة الإبحار بالعمل الجماعي والثقة والقدرة على التحمّل، وامتد التدريب إلى أنشطة في الجبال تضع المشاركين أمام تحديات جديدة، تحت الإشراف وفي بيئة منضبطة. كما أبرز التقرير أهمية فهم الخلفيات الثقافية المختلفة للمشاركين.
وفي هذه التجارب، يمكن فهم الثقة من خلال مسؤولية يتقاسمها الفريق؛ فالمشارك يحتاج إلى أن يوضّح ما يفعله، ويفهم دور زميله، ويستجيب له. وتصبح معرفة الآخر حصيلة عمل عاشاه معًا، يتعلّمان خلاله كيف يتصرّف كل منهما حين يواجه موقفًا غير مألوف.

البريطاني الذي جاء ليتعلّم من الصحراء

نقلت وكالة الأنباء العمانية، في تغطيتها لختام تمرين “خنجر عُمان 2022” بمحافظة الوسطى، عن المقدم جون دن، قائد مجموعة المعركة بالجيش البريطاني، تأكيده أن المشاركة تتيح لقواته اكتساب معرفة بالعمل في البيئة الصحراوية والظروف القاسية، إلى جانب مشاركة العسكريين العُمانيين بعض أساليب العمل البريطانية.
ومن الجانب العماني، أوضح العميد الركن حميد بن عبدالله المعمري، قائد لواء المشاة 23 آنذاك، أن التمارين ركزت على توحيد المفاهيم وتطبيقها وتبادل الخبرات والتجارب.
وتغيّر هذه الشهادات المنشورة إعلاميًا طريقة النظر إلى التدريب المشترك؛ فالخبرة تسير في اتجاهين، ومعرفة الأرض والبيئة تمنح العسكري العُماني ما يقدّمه لنظيره، بينما تتيح مقارنة أساليب العمل لكل طرف مراجعة طريقته والتعلّم من الآخر، وصولًا إلى فهم مشترك للمهمة وكيفية تنفيذها.

اختبار في الأربعين درجة

وفي تقرير نشرته وزارة الدفاع البريطانية خلال الاستعدادات لتمرين “السيف السريع 3” عام 2018، ظهر تحدٍّ مختلف واجهه فريق طبي بريطاني في الصحراء العمانية: كيف يُنقل الدم اللازم لإنقاذ مصاب مع الحفاظ على شروط تبريده في حرارة تبلغ 40 درجة مئوية؟
وثّق التقرير اختبارًا نفّذه طبيب وممرض ومسعفان لنقل الدم باستخدام وسيلة تحفظه مبردًا لمدة تصل إلى 72 ساعة. كما أعلنت الوزارة عن تدريبات طبية متبادلة ينضم فيها أفراد من وحدات طبية ميدانية عُمانية إلى نظرائهم البريطانيين للتعامل مع سيناريوهات سريرية.
وهنا تتضح إحدى صور الجاهزية: إجراءات تُختبر قبل الطوارئ، ومعدات تُجرَّب في بيئة صعبة، وأفراد يتدربون على العمل ضمن فريق. فحماية الحياة تحتاج إلى معرفة فنية، وإلى تنسيق يجعل هذه المعرفة قابلةً للتطبيق حين يضيق الوقت.

ضابط يعود بعد عشرين عامًا

وتروي السيرة المنشورة للواء المتقاعد ريتشارد ستانفورد لدى الجمعية البريطانية العُمانية مسارًا آخر للتعاون؛ فقد خدم بالإعارة في عُمان خلال عامي 1996 و1997، ثم عاد كبيرًا لضباط الإعارة البريطانيين بين عامي 2017 و2021، وعند مغادرته مُنح وسام عُمان العسكري من الدرجة الثانية.
وبين التجربتين نحو عشرين عامًا، وتمنح العودة بعد هذه المدة دلالةً على امتداد الصلة بالمكان والمؤسسة، كما تقدّم وجهًا إنسانيًا للخدمة بالإعارة، التي وثّقت وزارة الدفاع البريطانية، في إجابة أمام البرلمان عام 2017، وجودها ضمن الأسلحة العُمانية البرية والبحرية والجوية.
وتتيح هذه الخدمة معرفةً بالمؤسسة وأساليبها تتكوّن عبر العمل الممتد، وتختلف طبيعتها ومسؤولياتها عن المشاركة في تمرين قصير، بحسب ترتيبات كل برنامج. وفي وندسور، أشار الملك تشارلز الثالث إلى هذا الجانب بقوله: «ونحن نشعر بفخر بالغ تجاه ضباط الخدمة المُعارين الذين يعملون في كلا بلدينا».

ما الذي يبقى بعد انتهاء التمرين؟

قد ينتهي التمرين وتعود الوحدات إلى مواقعها، لكن التجربة تمنح المشاركين معرفةً يصعب اكتسابها من بعيد: كيف يعمل الفريق الآخر؟ وكيف يتواصل؟ وما الخبرة التي يمكن الاستفادة منها؟
ومن حكاية طفل كان يذهب إلى المدرسة بالقارب، إلى عسكري يتعلّم العمل في الصحراء، وفريق يختبر حماية الدم من الحرارة، تظهر تفاصيل ما وصفه جلالة السلطان بميثاق الجاهزية والثقة؛ فالعلاقة تُكتب في المعاهدات، ثم يختبرها أشخاص يعملون معًا، ويتعلّمون من بعضهم، ويعودون بخبرة أوسع ومعرفة أقرب بمن سيقفون إلى جانبهم.

المصادر

شارك هذا الخبر