عمان وبريطانيا نموذجًا: كيف تستمر الصداقة عبر الأجيال؟

تربط العلاقات العُمانية البريطانية ذاكرة تاريخية بفرص جديدة يقودها الشباب عبر الدراسة والعمل والرحلات والمؤسسات، لتبقى الصداقة حية ومتجددة بين الأجيال.

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

عمان وبريطانيا نموذجًا: كيف تستمر الصداقة عبر الأجيال؟
عمان وبريطانيا
رصد – أثير
متابعة: جميلة العبرية
قد يعود طالب عماني من بريطانيا بشهادة وأصدقاء وذكريات، ثم يلتحق ابنه بعد سنوات بإحدى جامعاتها، فيتعرّف إلى البلد الذي سمع عنه في أحاديث والده. وقد يزور بريطاني عمان للعمل، ثم تعود أسرته إليها بحثًا عن الأماكن والأشخاص الذين ارتبطوا بحكايته. هكذا يمكن تخيّل انتقال معرفة البلدان داخل الأسر، لكن كيف تنتقل الصداقة بين دولتين عبر الأجيال؟ وما الذي يمنحها الاستمرار حين يتغير الأشخاص؟
حضر هذا المعنى في كلمتي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه - والملك تشارلز الثالث، خلال مأدبة العشاء الرسمية بقلعة ويندسور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م، إذ التقت الكلمتان عند علاقة تُستعاد ذكرياتها، وتُفتح أمام أجيال جديدة فرص المشاركة في مستقبلها.

كيف تنتقل ذكريات الآباء إلى مشاركة الأبناء؟

استحضر الملك تشارلز صداقته بالمغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- وذكريات لقاءاتهما، كما أشار إلى لحظات جمعته بجلالة السلطان هيثم بن طارق خلال زياراته لعمان ومحاولاته رسم طبيعتها.
ثم انتقل إلى جيل الأبناء، معربًا عن سعادته بتولي صاحب السمو الملكي أمير ويلز وصاحب السمو السيد ذي يزن الرعاية الفخرية المشتركة للرحلة الاستكشافية «سلطنة عُمان جوهرة العرب»، وقال: “ولا يمكن للمرء أن يجد رمزًا للنجاح أبهج من استمرار علاقة حية تنتقل من جيل إلى جيل”.
وفي الكلمة السامية، أعلن جلالة السلطان موافقة أمير ويلز على الانضمام إلى جانب صاحب السمو السيد ذي يزن لتولي رعاية الجمعية البريطانية العمانية، مؤكدًا ثقته بأن الأجيال المقبلة ستبني على التواصل الحيوي بين الشعبين.
وتتيح قراءة هاتين الإشارتين فهم الاستمرار بوصفه مشاركةً تتجدد؛ فالأبناء يدخلون العلاقة عبر مسؤوليات وأنشطة تخص جيلهم، ويضيفون تجاربهم إلى ما عرفه الآباء.

ماذا تفعل المؤسسات من أجل الصداقة؟

تبدأ كثير من الروابط بلقاء بين أشخاص، لكن استمرارها يحتاج إلى فرص للقاء مجددًا، وإلى مساحات يتعارف فيها آخرون. وهنا تبرز قيمة المؤسسات التي تستطيع جمع المهتمين، وحفظ الخبرات، وإتاحة المشاركة لمن لم يكونوا جزءًا من البدايات.
وتحضر الجمعية البريطانية العمانية في هذا السياق بوصفها أحد الأطر المؤسسية للعلاقة، ويمنح إعلان الرعاية المشتركة مدخلًا للنظر في كيفية وصل الأجيال داخل هذه الأطر؛ فالسؤال يتجاوز مَن عرف البلد الآخر سابقًا إلى مَن ستتاح له فرصة معرفته مستقبلًا.
وتزداد قدرة أي مؤسسة على خدمة هذا التواصل حين يجد الشباب فيها مساحة للمبادرة وتبادل الخبرات والعمل المشترك، فتتحول الذاكرة التي يحتفظ بها جيل إلى فرصة يستطيع جيل آخر البناء عليها.

الشهادة بداية علاقة أطول

قدّم جلالة السلطان التعليم مثالًا واضحًا على هذا الامتداد، حين تحدث عن الشباب العمانيين الذين يدرسون في بريطانيا، ويتعرّفون إلى شعبها، ويسهمون في بناء وطنهم ومدّ الجسور بين البلدين.
فالجامعة تجمع أشخاصًا قد تستمر علاقاتهم بعد التخرج، وقد تتحول معرفة الزمالة إلى تعاون بحثي أو مهني، أو إلى مساعدة طالب جديد على فهم المكان الذي سيعيش فيه. وبهذه الصورة، تكتسب العلاقة مسارات متجددة يحملها أشخاص تتنوع تخصصاتهم وأعمالهم.
وأشار الملك بدوره إلى الطلاب والعلماء والمستثمرين والكتّاب وغيرهم ممن يوثّقون الروابط بين البلدين. وهذا الاتساع يجعل التواصل حاضرًا في قطاعات متعددة، ويمنحه فرصًا للاستمرار خارج المناسبات الرسمية.

المعرفة التي تنتقل بالممارسة

وفي المجال العسكري، تحدث جلالة السلطان عن أجيال من القوات العمانية والبريطانية خدمت وتدرّبت جنبًا إلى جنب، وتبادلت الخبرات، ووصف ما ينشأ عن ذلك بأنه ميثاق من الجاهزية والثقة لا تستطيع أي معاهدة وحدها تحقيق مداه.
وتكشف هذه الإشارة آلية أخرى لانتقال العلاقات، عبر الخبرة المهنية التي يكتسبها فرد ثم ينقلها إلى زملائه ومن يأتي بعده؛ فتتراكم معرفة بأساليب العمل، وتتشكّل ثقة تُختبر في الممارسة.
أما الرحلات الاستكشافية، فيمكنها أن تمنح المشاركين معرفة بالمكان وببعضهم بعضًا عبر تجربة مشتركة، بما تتيحه من تعاون وملاحظة وحوار. ولذلك، يحمل حضورها في كلمة الملك معنى يتصل بتجديد المعرفة بعُمان، وإشراك جيل جديد في اكتشافها.

لكل جيل أسبابه في صداقته

استعادت الكلمتان معاهدة عام 1800م وما ارتبط بها من وعد باستمرار الصداقة، لكن الملك أشار أيضًا إلى تحديات سيواجهها من يخلفون الجيل الحالي، من تغيّر المناخ إلى الذكاء الاصطناعي والتنافس على الموارد، مؤكدًا حاجتهم إلى أصدقاء موثوقين.
وهنا يبرز شرط مهم لاستمرار العلاقات: أن يجد كل جيل فيها ما يساعده على التعامل مع أسئلته وتحدياته؛ فالتاريخ يمنحه أساسًا للثقة، والعمل المشترك يمنحه سببًا لتجديدها.

إذًا، هل تُورَّث الصداقة؟

يمكن القول إن ما ينتقل بين الأجيال هو الذاكرة والثقة وفرص التعارف، أما الصداقة نفسها فتحتاج إلى أن يعيشها كل جيل، عبر دراسة أو عمل أو رحلة أو مشروع يجمعه بالآخر، لتبقى العلاقة التي بدأت قبل قرون حاضرةً في حياة أشخاص يصنعون امتدادها.

شارك هذا الخبر