رصد – أثير
متابعة: جميلة العبرية
“صديقي وأخي العزيز”، بهذه الكلمات استحضر الملك تشارلز الثالث ذكرى المغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- في قلعة ويندسور. فخلال مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها تكريمًا لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- حضرت ذكريات صداقة امتدت عقودًا، وعبّر عنها ملك المملكة المتحدة بمشاعر المودة والتقدير والوفاء.
وفي كلمته خلال المأدبة، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م، عاد الملك تشارلز إلى لقاءاته بالسلطان الراحل، مستذكرًا معرفة بدأت حين كان أميرًا لويلز، وظل أثرها حاضرًا في حديثه عن السلطنة وقائد نهضتها الحديثة، وعن علاقة تتوارثها الأجيال بين البلدين.
ذكريات تحتفظ بمكانها
قال الملك تشارلز: “على مدى هذه العقود، حظيتُ بشرف معرفة سلفكم صديقي وأخي العزيز المغفور له جلالة السلطان قابوس”، ثم استحضر ما حققه السلطان الراحل من تحوّل في السلطنة مع الحفاظ على ثقافتها العريقة، وما انتهجه من سياسة خارجية قائمة على الانفتاح والحوار بحكمة بالغة.
وجاءت عبارته التالية لتكشف مكانة تلك الصداقة في ذاكرته، إذ قال: “ونحن في بريطانيا ندين بالكثير لقيادته الملهمة، كما أحتفظ بمشاعر المودة العميقة وذكريات اللقاءات العديدة التي جمعتني به، منذ زيارتي الأولى لبلادكم قبل ستة وأربعين عامًا”.
في هذه الكلمات، يتجلّى الوفاء الملكي من خلال تقدير تجربة قائد والاحتفاظ بذكريات إنسانية معه؛ فالإشارة إلى اللقاءات العديدة والمودة العميقة تمنح العلاقة بُعدها الشخصي، وتوضح كيف بقي حضور السلطان قابوس راسخًا لدى صديقه بعد رحيله.
سلطنة عمان في ذاكرة الملك تشارلز
وامتدت الذكريات التي رواها الملك إلى زياراته المتكررة لعمان، وما قضاه فيها من لحظات جميلة محاولًا رسم طبيعتها الخلابة، مشيرًا إلى أنه حظي أحيانًا بصحبة جلالة السلطان هيثم بن طارق خلال تلك اللحظات.
وتكشف هذه التفاصيل عن معرفة بسلطنة عمان تشكّلت عبر الزيارات واللقاءات والتأمل في طبيعتها، وهي معرفة استعادها الملك في مناسبة تجمع الذاكرة الشخصية بمستقبل العلاقات؛ فرحّب بجلالة السلطان في وندسور بوصفه أحد الأصدقاء القدامى الأعزاء الذين يألفون هذه الديار.
وعد منذ عام 1800م
وإذا كانت صداقة الملك تشارلز بالسلطان قابوس قد امتدت عقودًا، فإن الكلمتين أعادتاها إلى سياق تاريخي أوسع؛ إذ استحضر جلالة السلطان هيثم بن طارق جذور التواصل البحري بين العمانيين والبريطانيين، وما أسهمت به تلك اللقاءات في نسج أواصر الصداقة بين البلدين.
وأشار جلالته إلى توثيق العلاقة بمعاهدة عام 1800م، التي نصّت على أن “تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدهر، إلى أن تنقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما”، مؤكدًا أن الصداقة بقيت راسخة رغم مرور أكثر من مائتين وعشرين عامًا.
واستعاد الملك تشارلز المعاهدة ذاتها، واصفًا الوعد الذي حملته بالطموح، ومؤكدًا أنه تحقق عبر الروابط الحية والعلاقات الممتدة بين الأجيال. وهكذا، التقت الكلمتان عند وثيقة قديمة ما زالت تجد تعبيرها في الصداقة والتعاون والثقة المتبادلة.
إرث الحوار يتواصل
ويحضر معنى الاستمرار أيضًا في النهج العماني؛ فإشادة الملك بسياسة السلطان قابوس القائمة على الانفتاح والحوار تقاطعت مع تأكيد جلالة السلطان هيثم أن سلطنة عُمان تتخذ مواقفها انطلاقًا من إيمانها بالحوار والتفاهم والسلام، وتسعى إلى إيجاد الحلول وتقريب الأمم عبر الدبلوماسية.
كما عبّر الملك عن تقديره لالتزام سلطنة عمان بالوساطة، ولدورها بوصفها جهة تحظى بثقة جميع الأطراف، رابطًا مكانتها الراهنة بإرث من الحكمة والعمل من أجل السلام.
صداقة تعبر إلى الأبناء
وفي امتداد لهذه الروابط، أعلن جلالة السلطان موافقة صاحب السمو الملكي أمير ويلز على الانضمام إلى جانب صاحب السمو السيد ذي يزن لتولي رعاية الجمعية البريطانية العُمانية، فيما أشاد الملك برعايتهما الفخرية المشتركة للرحلة الاستكشافية «سلطنة عُمان جوهرة العرب»، وعدّ انتقال العلاقة من جيل إلى جيل رمزًا مبهجًا لاستمرارها.
وبين ذكرى السلطان قابوس التي حفظها الملك تشارلز بالمودة، وتأكيد جلالة السلطان هيثم رسوخ الصداقة، حملت كلمات وندسور معنى الوفاء للأشخاص وللعهود معًا؛ فالصداقة التي وثّقتها معاهدة عام 1800م تجد امتدادها في قادة يتذكرون، وأجيال تتعارف، وروابط تتجدد.






