رصد - أثير
إعداد: جميلة العبرية
جرّة بيضاء مستديرة، يضيق جسمها باتجاه العنق، وتتقاطع الخطوط على جوانبها. هكذا يصف المتحف البريطاني قطعة عُمانية من مجموعاته، صُنعت لحفظ الماء، وتفتح تفاصيلها نافذة على معرفة الحرفي الذي حوّل الطين إلى إناء يجمع بين المنفعة والزينة.
وعقب زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم -حفظه الله ورعاه-، إلى المملكة المتحدة، واختُتمت يوم الخميس 22 أكتوبر 2026م، تتواصل قراءة العلاقات التاريخية المتجذرة بين البلدين من زوايا متعددة. وتتيح المقتنيات العمانية المحفوظة في المتاحف البريطانية مدخلًا ثقافيًا للتعرّف إلى سلطنة عُمان، عبر حِرفها وأدوات الحياة اليومية فيها، وما تختزنه من خبرات تناقلتها الأجيال.
ومن بين هذه المقتنيات، يسجّل المتحف البريطاني الجرّة تحت الرقم (As2001,12.6)، محددًا عمان مكانًا لصناعتها، لتقودنا من حضور التراث العماني في بريطانيا إلى حكاية صناعة الفخار في موطنه: كيف تُختار مادته؟ وكيف يُجهّز الطين ويُشكّل؟ وماذا تكشف الزخارف عن العناية بإناء صُنع لحفظ الماء؟
ماذا تخبرنا الزخارف عن صناعتها؟
يفرّق وصف المتحف بين الخطوط المتقاطعة المطبوعة على جوانب الجرّة والعلامات المحفورة على عنقها، ويشير إلى احتمال كون الأخيرة كتابة عربية، دون الجزم بذلك؛ إذ لا يقدّمها بوصفها نصًا مقروءًا أو توقيعًا للصانع.
وتلفت هذه التفاصيل إلى العناية بمظهر إناء مخصص للاستخدام اليومي؛ فسطحه يحمل زخارف تضاف إلى تشكيل جسمه وعنقه، وتتيح قراءة القطعة بوصفها عملًا يجمع بين متطلبات الاستخدام والعناية بالشكل.
هل تبدأ الحرفة عند تشكيل الإناء؟
في ولاية بهلاء، تقدّم تجربة الحرفي سعيد بن عبد الله العدوي مدخلًا لفهم العمل الذي يسبق ظهور الإناء. ففي تقرير لوكالة الأنباء العُمانية نشرته “أثير” بتاريخ 20 أكتوبر 2021م، روى أنه بدأ تعلّم صناعة الفخار في الثامنة من عمره، وأتقنها بعد ثلاثة أعوام.
وشرح العدوي مراحل تجهيز الطين في أحواض تُعرف باسم “المخمرة”، ثم غربلته بقطعة قماش ونقله إلى حوض آخر للتخلص من الماء الزائد، قبل الانتقال إلى العجن والتشكيل. وتوضح هذه المراحل أن مهارة الحرفي تبدأ من إعداد المادة التي سيعمل عليها، قبل أن تتخذ شكلها النهائي.
وتضيء هذه الشهادة صناعة الفخار في بيئتها العمانية، وتقدّم سياقًا لفهم المهارات المرتبطة بها، دون نسبة جرّة المتحف إلى ورشة العدوي أو تحديد بهلاء مكانًا لصناعتها.
لماذا يختار الحرفي تربة للإناء وأخرى لغيره؟
وفق العدوي، تتميز تربة “المدر” بكثرة مساماتها، وتُستخدم لصناعة الفخاريات المخصصة لتبريد الماء، بينما تتميز تربة “الصربوخ” بالصلابة وقلة المسامات، وتدخل في صناعة منتجات تشمل الخروس والمجامر وأواني الزراعة والزينة.
ويكشف هذا الاختيار عن معرفة ترتبط بالغرض من القطعة؛ فالتربة المناسبة لإناء الماء قد تختلف عن المادة المستخدمة في صناعة منتج آخر. كما تحدث العدوي عن دور الخبرة المتراكمة في تقدير جودة المنتج.
وهذه أمثلة على معرفة الحرفي بمواده، أما اللون الأبيض للجرّة المحفوظة في المتحف فلا يكفي وحده لتحديد نوع تربتها أو مصدرها.
كيف ارتبط الفخار بتفاصيل البيت العماني؟
في مادة صحفية نشرتها “أثير” عام 2019م، تظهر الاستخدامات المتنوعة للفخار، من الجحال المخصصة لتبريد الماء، إلى الخروس الكبيرة المستخدمة للتخزين، والمجامر لحرق البخور، والمزهريات المخصصة للزراعة والزينة.
ويضع هذا التنوع جرّة الماء ضمن عالم أوسع من الأدوات التي لبّت احتياجات المنزل العُماني؛ إذ تتغير متطلبات الإناء بحسب استخدامه، ويختار الصانع الشكل والحجم المناسبين للوظيفة التي سيؤديها.
وتوثّق المادة إنشاء مركز التدريب وإنتاج الفخار والخزف في بهلاء عام 1976م، وافتتاحه رسميًا عام 1986م، بهدف المحافظة على هذه الصناعة وتطويرها. وبذلك، ارتبطت العناية بالمنتجات الحرفية بتعليم المهارات اللازمة لاستمرار إنتاجها.
كيف تحفظ الجرّة أثر اليد التي صنعتها؟
في جسم الجرّة المستدير وعنقها الضيق والزخارف التي تغطي سطحها، تجتمع تفاصيل العمل الذي أنجزه صانعها، من تشكيل الإناء إلى العناية بمظهره. وهي تفاصيل تمنح أداة حفظ الماء قيمة تتصل بالحياة اليومية والذائقة الحرفية في عُمان.
وتضيء تجربة العدوي جانبًا من المعرفة التي تقوم عليها هذه الصناعة؛ فاختيار التربة وتجهيزها وتشكيلها مهارات تُكتسب بالممارسة وتنتقل بالتعلّم. ومن هذه الزاوية، يفتح وجود الجرّة في المتحف البريطاني نافذة على الحرفة العُمانية والخبرة التي تحوّل مادة من الأرض إلى إناء يؤدي غرضًا ويحمل ملامح المكان الذي صُنع فيه.
ومع ختام الزيارة السامية، تبقى هذه المقتنيات بابًا للتعرّف إلى عمان في بريطانيا؛ فمن خلال إناء لحفظ الماء، يستطيع القارئ الاقتراب من الحرفة وأهلها، ومن تفاصيل صغيرة تحفظ جانبًا من تاريخ الحياة اليومية العُمانية.






