هل تمنح هزيمة ترامب دول الخليج ورقة منع حرب جديدة؟

هل تمنح هزيمة ترامب دول الخليج ورقة منع حرب جديدة؟
الحرب
رصد - أثير
قد تمنح “هزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب” في انتخابات التجديد النصفي دول الخليج فرصة للإفلات من حروب أمريكا، ودعا الكاتب أندرياس كريغ، في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي” قادة المنطقة إلى توظيف نفوذهم في الكونغرس لمنع هجوم آخر على إيران، والتفاوض مع طهران على ميثاق عدم اعتداء وفق شروطهم الخاصة.
وتلتقي هذه الدعوة مع ما طرحه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، في محاضرته “الأمن الشامل في الخليج” بكلية غيرتون في جامعة كامبريدج في 26 أكتوبر الماضي، حين قال: “وينبغي أن يكون الهدف هو التوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثمان”، أي دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران، معتبراً ذلك “الشرط المسبق الأساسي لقيام هيكل أمن إقليمي شامل وحقيقي”.
ويرى كريغ أن المعلّقين سيقولون إنّ هذه الانتخابات تمحورت حول تكاليف المعيشة، غير أنّ إمعان النظر يكشف حُكماً على السياسة الخارجية، فقد أصدر الناخبون حكمهم على دور واشنطن في الشرق الأوسط: على دعمها غير المشروط لإسرائيل، وعلى حرب ترامب على إيران. وكلاهما خسر.

كيف أسهمت طهران في هزيمة الجمهوريين؟

يرى الكاتب بأن الجمهوريين خسروا السيطرة على مجلسي الكونغرس، وانقلبت ولايات عدة، ظلّت لعقود معقلاً للجمهوريين، لصالح الديمقراطيين. وقد التقط المعلقون المفارقة بالفعل: انطلق ترامب لتغيير النظام في طهران، فإذا بطهران، بقدرتها على الصمود أطول منه، تسهم في تغيير النظام السياسي في واشنطن.
وعلاوة على ذلك، تمثّل النتائج نقطة تحوّل بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي ونزعته المحافظة الجديدة المفرطة في الاندفاع. فتأييد “أيباك”، مجموعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، الذي كان يوماً مكسباً ثميناً، بات وصمةً يسارع المرشحون إلى التنصّل منها. وقد تكيّف اللوبي بتحويل أمواله عبر قنوات أقلّ ظهوراً.
وأنفق اللوبي ملايين الدولارات ضد مرشحين شكّكوا في الدعم العسكري والمالي الأمريكي القاطع والمفتوح لحكومة إسرائيلية رمت بالمنطقة إلى التهلكة. وفي سباقات حاسمة، أخفقت تلك الأموال في تحريك الناخبين.
وتقدّم ميشيغان المثال الأوضح. فعبد الرحمن السيد، الديمقراطي الذي فاز بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ، خاض حملته على أساس المصالح الأمريكية، بينما حاول خصومه تحويل السباق إلى استفتاء على المصالح الإسرائيلية. لكن الحيلة لم تنطلِ على الناخبين، فعاقبوا المرشح الجمهوري مايك روجرز، الذي لم تقدّم حملته سوى تعهدات جوفاء بالولاء لإسرائيل، والقليل مما يمسّ الهموم اليومية لسكان ميشيغان. لقد جرّ ولاء واشنطن لإسرائيل، الولايات المتحدة إلى أسوأ هزيمة عسكرية لها منذ فيتنام.
وعلى خلاف الهزيمتين في العراق وأفغانستان، شعر الأمريكيون العاديون بهذه الهزيمة في الداخل، وفي جيوبهم. فقد خلّفت الحرب على إيران الأمريكيين أكثر فقراً، وبلادهم أكثر هشاشة، وواشنطن أكثر انكشافاً في تنافسها مع الصين وروسيا.
أما طهران، فقد لعبت لعبة الصبر. استوعبت أشهراً من الخطاب العدواني الصادر عن إسرائيل وإدارة ترامب، اللتين بدتا متلهفتين لهندسة جولة أخرى من حرب كبرى قبل الاقتراع.
كما رفضت أن تمنح ترامب اختراقاً دبلوماسياً يخوض به حملته. بيد أن هذا الحساب لا يخلو من مخاطرة، إذ تواجه إيران الآن رئيساً قد يرغب في تصفية الحسابات.

صعود اللوبي الخليجي

مع ضعف اللوبي الإسرائيلي، يمكن القول إن اللوبي الخليجي يزداد قوة. فبينما تُعدّ إسرائيل مستهلكاً صافياً للقوة الأمريكية في المنطقة، قدّمت دول الخليج نفسها بوصفها مساهماً صافياً فيها، إذ تمنح الولايات المتحدة عمقاً استراتيجياً في واحدة من أكثر المناطق حيوية للمصالح الأمريكية.
وقد تعهدت هذه الدول باستثمارات بتريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، فيما تسهم صناديقها السيادية في دعم النمو الأمريكي. كما قدّمت قطر وعُمان لترامب مراراً مخارج دبلوماسية من مستنقعات صنعتها إسرائيل، من غزة إلى إيران.
ومع ذلك، تظل دول الخليج الطرف الأكثر انكشافاً في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فقد تلقّت، إلى جانب إيران، الضربة الاقتصادية الأشد، وتحمّلت العبء الأكبر للحرب.
وخيبة الأمل من ترامب وحركة “ماغا” ملموسة في عواصم الخليج. فقد وعد ترامب بإنهاء حروب أمريكا الأبدية في المنطقة، واحتضن قادة الخليج تعهده بإعادة أمريكا عظيمة مجدداً.
لكن ما حصلوا عليه لم يكن سوى رئيس آخر مؤيد لإسرائيل، تلاعب به بنيامين نتنياهو بسهولة سعياً وراء أجندته الشخصية.
كما أتاحت الانتخابات النصفية لقادة الخليج تصوّر أمريكا ما بعد ترامب: أكثر قابلية للتنبؤ، وأقل تقلباً، وراضية بالوقوف على الهامش. وهذه السمة الأخيرة هي الأهم. فبالنسبة إلى الخليج، باتت أمريكا التي تنأى بنفسها عن صراعات المنطقة أفضل من أمريكا تنجرّ مرة بعد أخرى إلى مغامرات لا يمكن كسبها، وتترك المنطقة في كل مرة في حال أسوأ.

الاستقلالية الاستراتيجية

لقد مضت دول الخليج بالفعل نحو الاستقلالية الاستراتيجية والاعتماد على الذات، وسيُسرّع ترامب هذا المسار. فحكومات الخليج ستخفّف من اعتمادها المفرط على واشنطن، وتكمّل هذه العلاقة بشركاء آخرين، من بينهم أوروبا.
بيد أن الحل الدائم يكمن في المنطقة نفسها. فدول الخليج وإيران بحاجة إلى تكامل أعمق، يرتكز على ميثاق عدم اعتداء تتفاوض عليه فيما بينها، وتبقى الولايات المتحدة خارج الغرفة.
ولكي ينجح ذلك، لا بد من توافر شرطين.
أولاً، على دول الخليج أن توحّد نفوذها في واشنطن وتوظّفه لهدف واحد: منع عودة أمريكا إلى الحرب.
فجولة أخرى ستضرب الخليج بقسوة أشد من سابقتها، ولن يجني ثمارها سوى إسرائيل. وكل خيار عسكري لوّح به ترامب ينتهي بكارثة على الخليج، فيدمّر الثروة ويترك الاقتصاد العالمي أكثر ضعفاً.
ثانياً، لا بد لطرفٍ ما من بناء إطار دبلوماسي يقبله جانبان تكاد ثقة كل منهما بالآخر تكون معدومة.
والوقت يداهم الجميع. فترامب لم يعد لديه الكثير ليخسره، ولم يكن يكترث كثيراً بالحزب الجمهوري على أي حال. ومن دون اختراق قريب، تصبح ضربة لإرضاء غروره أكثر احتمالاً، وأقرب موعداً.
بيد أن ثمة سبباً واحداً للأمل. فقد امتنعت إيران عن تقديم التنازلات ما دامت ستمنح ترامب فوزاً انتخابياً. أما وقد فُرزت الأصوات، فقد زال هذا الدافع. وقد تُبدي طهران الآن مرونة أكبر، ولا يزال إنجاز اتفاق مؤقت ممكناً.
لقد غيّر الناخبون الأمريكيون موازين القوى في واشنطن. ويردّد كثير من المشرّعين المنتخبين حديثاً صدى الوعد الأصلي لحركة “ماغا”: أمريكا تقود من الخلف، وتعمل عبر شركاء قادرين على تحمّل مسؤولية جوارهم المباشر.
وفي المحصلة، على اللوبي الخليجي أن يتكيّف وفقاً لذلك. فمهمته الآن استمالة هذا الجيل الجديد في الكونغرس، الذي يتحدى ديناصورات المحافظين الجدد من حقبة غابرة، ويدعم استعداد الخليج للإمساك بزمام أمنه الإقليمي بنفسه.

شارك هذا الخبر