هل سيحرك الديزل الروسي قطار التسوية بين طهران وواشنطن؟

يتصاعد التهديد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، فيما يبرز لقاء بزشكيان وبوتين في موسكو فرصة ضيقة لإعادة طهران وواشنطن إلى مسار التفاوض.

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

هل سيحرك الديزل الروسي قطار التسوية بين طهران وواشنطن؟
هل سيحرك الديزل الروسي قطار التسوية بين طهران وواشنطن؟
أثير- الركابي حسن يعقوب
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في كل من واشنطن وتل أبيب، ترتفع أصوات القرع على طبول الحرب ضد إيران في كلتا العاصمتين، ويدخل الصراع الإيراني الأمريكي مرحلة حرجة وتسود بسببه حالة من الاحتقان السياسي الإقليمي تتراجع في ظله اللغة الدبلوماسية لصالح لغة التصعيد والتهديد والوعيد.
ورغم أن جهود الوساطة لم تتوقف وتبادل الرسائل غير المباشرة لم يتم تعليقه رسمياََ حتى الآن، إلا أن النتائج غير مبشرة وتشير إلى عسر شديد في الحركة نحو مربع التهدئة والعودة لمسار التفاوض. والمشهد برمته لا يعطي مؤشرات واضحة لإمكانية استئناف العملية التفاوضية، بل بالعكس فإن مؤشرات العودة للحرب أكثر وضوحاََ وأكثر ترجيحاََ.
على الجانب الأمريكي - الإسرائيلي تبدو الصورة أوضح، حيث ترتفع أصوات القرع على طبول الحرب وتختلط هذه الأصوات بأصوات تحركات عسكرية يقوم بها الجيش الإسرائيلي استعداداََ لتوجيه ضربات إلى إيران، مقرونة بتصريحات لنتنياهو أوضح فيها أنه أصدر توجيهاته للجيش وجهاز الموساد الإسرائيلي للعمل على إسقاط النظام الإيراني، متهماََ إياه بمحاولة تطوير قنبلة نووية، ومعتبراََ أن ضرب المنشآت النووية وحدها لا يكفي لمنع ما وصفه بالتهديدات الإيرانية، وأكد نتنياهو بأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أنجزت معظم المهام المطلوبة وتبقى جزء يسير منها. ونقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن مصادر قولها إن الجيش الإسرائيلي أعد خطة لتنفيذ حملة قصف جوي تستمر عدة أيام كان مقرراََ لها العاشر من أكتوبر الحالي وأرجئ تنفيذها بطلب من ترامب إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وعلى الجانب الأمريكي، قد أكد الرئيس ترامب جاهزية إدارته لتوجيه ضربات إضافية لإيران، وظل يكرر القول بأن الحرب ستنتهي بسرعة كبيرة في إشارة منه إلى أن الضربة القادمة لن تستغرق وقتاََ طويلاََ، ووصفها بأنها شبيهة بسابقتها المعروفة بالغضب الملحمي لكنها أقصر في أمدها، وقد سبقت تصريحات ترامب تحركات بحرية أمريكية مكثفة باتجاه المنطقة ، فقد تم إرسال حاملات طائرات وقوات إضافية من مشاة البحرية تتجه للاستقرار في المنطقة، وزيادة عدد السفن الحربية إلى أكثر من 24 سفينة حربية، وفي الوقت نفسه تعمل أمريكا على تشديد الحصار الذي تفرضه على الموانئ الإيرانية منعاََ لتصدير إيران نفطها إلى الخارج ضمن خطة الخنق الاقتصادي الأمريكية.
في المقابل وعلى الجانب الإيراني، قالت طهران إنها جاهزة للدفاع عن البلاد ومقدراتها ضد أي عدوان تشنه تل أبيب وواشنطن عليها، وأكدت على لسان رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية أنها لن تسمح للسفن الحربية الأمريكية بدخول مياه الخليج مجدداََ، مشيرا إلى أن حاملات الطائرات الأمريكية وقواتها العسكرية لا تجرؤ على الاقتراب من مضيق هرمز وحدود إيران على حد تعبيره.
ويأتي هذا التصعيد الكلامي مترافقاََ مع تزايد الهجمات في الآونة الأخيرة على السفن التي تحاول عبور المضيق، كما أنه يأتي متزامناََ مع تحذيرات أطلقتها إيران تقول إنها وضعت خططاََ مفصلة لمهاجمة كابلات الاتصالات البحرية في الخليج في حال شنت أمريكا وإسرائيل هجوماََ جديداََ عليها، كما أن الجانب الإيراني ظل يصر على قبول شروطه من الجانب الأمريكي للعودة للمفاوضات فيما عرف بخطة الأيام السبعة.
وإذا ما أضفنا إلى الصورة قول المبعوث الأمريكي توم براك يوم الجمعة الماضي بأنه لا يستبعد شن أمريكا ضربة على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع تكتمل الحيثيات والمعطيات التي تقول إن الحرب آتية لا ريب فيها.
غير أن هناك نافذتان يمكن من خلالهما أن تتاح للدبلوماسية الفرصة للتأثير على مواقف الجانبين لحملهما للعودة للمسار التفاوضي، لكن يبدو أنهما ضيقتان جداََ في الوقت الراهن ولا تتسعان لخروج الأزمة عبرهما نحو فضاء المفاوضات والتهدئة، وأولى هاتين النافذتين المساعي القطرية والوساطة الباكستانية، حيث ما تزال هذه النافذة مفتوحة ولم تغلق ويمكن أن تمثل ملاذاََ حين تصل الأمور لطريق مسدود، و النافذة الثانية هي اللقاء المزمع عقده بين الرئيسين الإيراني مسعود بزشكيان ، والروسي فلاديمير بوتين في موسكو على هامش قمة رؤساء الدول المصدرة للغاز الثلاثاء القادم حيث من المرجح أن يناقش اللقاء قضية الحرب الأمريكية على إيران ضمن أجندة الاجتماع بين الجانبين التي تشمل قضايا أخرى. وفي هذا الصدد ربما ينبثق عن اللقاء رؤية لنزع فتيل الأزمة بين طهران وواشنطن خاصة أن التوقيت الحالي يشهد تقارباََ كبيراً بين موسكو وواشنطن ووضع موسكو فيه مؤثر يتيح لها إحداث اختراق في اللحظة الأخيرة وهو أمر غير مستبعد، وربما كانت التصريحات التي أطلقها الرئيس بزشكيان مؤخراً فيما يشبه “التفكير بصوتٍ عالٍ” والتي قال فيها بضرورة تجاوز حالة “اللاحرب واللاسلم” والخروج من هذا الواقع الراهن - على حد تعبيره - تعكس رغبة إيرانية قوية في تجنب العودة إلى الحرب وتأتي معززة للاتجاه نحو تليين الموقف الإيراني بما يفضي إلى العودة للتفاوض ولا أحد يمكن أن يكون مقبولاََ - لدى الجانبين - ومناسباََ وقادراََ على ترجمة هذا الاتجاه إلى واقع والتفاهم فيه مع ترامب سوى بوتين.
لكن ما لا يمكن التكهن به بدقة في ظل حالة الاحتقان الراهنة ، والمد والجزر بين الطرفين وهيجان الجانب الإسرائيلي وأجندته الحربية هو على الجانب الأمريكي، هل واشنطن على استعداد للقبول بهذا السيناريو والاستعاضة به عن الحرب..؟، وبالمقابل على الجانب الإيراني هل الحرس الثوري يمكن أن يتصالح مع هذا الاتجاه ويتخلى عن موقفه الرافض لمهادنة أمريكا ؟ وبالتالي يتحرك قطار التسوية بقوة دفع الديزل الروسي ويغلق باب من أبواب الشر وعدم الاستقرار وتتجنب المنطقة كارثة لو استمرت فهي حتماً ستخلف أثرها الضار على المنطقة بأسرها ويمتد هذا الأثر ليشمل نطاقاََ جغرافياََ أوسع خارجها.

شارك هذا الخبر