بالإرادة والدبلوماسية يمكن تفادي الحرب على إيران

بالإرادة والدبلوماسية يمكن تفادي الحرب على إيران
أمريكا و إيران
رصد – أثير
حذّر الكاتب سايمون تيسدال، في مقال رأي نشرته صحيفة ”الغارديان“ البريطانية ورصدته ”أثير“، من كارثة إيرانية أخرى تلوح في الأفق، معتبراً أن السؤال الذي يفوق أي سؤال آخر أهمية اليوم هو: كيف يمكن وقفها قبل فوات الأوان؟ فأياً تكن النتيجة النهائية للانتخابات الإسرائيلية ولانتخابات التجديد النصفي الأمريكية الأسبوع المقبل، يبدو دونالد ترامب، متقمّصاً دور ”الفارس الوحيد“، وبنيامين نتنياهو، في دور تابعه الشرس ”تونتو“، مصمّمَين بعناد على استئناف الحرب غير الشرعية التي اختارا شنّها في يونيو من العام الماضي ثم وسّعا نطاقها في فبراير. وكما في تراجيديا شكسبيرية تمضي بلا هوادة نحو خاتمة دامية، يرى تيسدال أن الأسوأ لم يأتِ بعد، وإن بدت ثلاثة أمور مؤكدة. الأول أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستفشلان مجدداً في التدمير الكامل للقدرات النووية الإيرانية، الافتراضية في معظمها. والثاني أن النظام الإيراني سيصمد. والثالث أن ملايين الناس العاديين، هناك وفي أنحاء العالم، سيدفعون ثمن هذا العدوان المتهور الذي لا مسوّغ له.

مأزق ترامب الانتخابي وهوس الثأر من إيران

يرى الكاتب بأن ترامب يراوغ، في محاولة يائسة للتملص من المسؤولية عن الانهيار المتوقع للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وهو انهيار يعود في جانب كبير منه إلى تضخم أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية الناجم عن الحرب. فقد زعم أن الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية هي المسؤولة عن ذلك، لكن ذلك لم ينطلِ على أحد. وأبرم صفقة ديزل مع فلاديمير بوتين، وحثّ حلفاء الولايات المتحدة على السحب من احتياطاتهم الاستراتيجية، لكنه، على نحو غير مستغرب، شيطن القادة الأوروبيين وهمّشهم. وهؤلاء يرون في حربه كارثة محضة، فرفضوا إنقاذه. وتفيد التقارير أيضاً بأن ترامب صدّ ضغوطاً أخيرة من نتنياهو، حرّكتها حسابات انتخابية، لضرب إيران هذا الشهر، خشية أن يطلق ذلك موجة ديمقراطية كاسحة.
غير أنه ما إن تُغلق صناديق الاقتراع، وأياً تكن النتائج، حتى تسقط كل هذه الاعتبارات. فلن يعود رأي الناخبين يعني ترامب شيئاً، وسيكون بوسعه عندها أن يفعل ما يشاء تقريباً في السياستين الخارجية والدفاعية خلال عاميه الأخيرين. وما يريده لا صلة له تُذكر بالأسلحة النووية الإيرانية المتخيَّلة، أو بانتفاضة ديمقراطية في طهران، أو بأي من ذرائعه الزائفة الأخرى لشن الحرب. سيكون ترامب حراً في فعل ما يجيده أكثر من أي شيء آخر: سياسة الثأر. فخطيئة إيران الكبرى أنها تحدّت الإرادة الإمبراطورية. لقد أراد نصراً سهلاً على الطريقة الفنزويلية يبدّل وجه النظام (ومعه صفقات نفطية مغرية)، فلم ينل سوى أصابع محترقة، وحرب لا نهاية لها. وكما يلاحق خصومه في الداخل بروح انتقامية، فإنه ينكّل الآن بالإيرانيين. ليس في الأمر عقلانية ولا أيديولوجيا، فكما في كل ما يتعلق بترامب، المسألة في نهاية المطاف شخصية، على حد راي الكاتب.

دوافع نتنياهو للحرب

أما دوافع نتنياهو للرغبة في جولة أخرى فمشينة تماماً هي الأخرى، وإن على نحو مختلف. فقد تراكمت إخفاقاته المزمنة التي لا تُحصى قبل هجوم عام 2023 وبعدها، ومرّغ سمعة إسرائيل الدولية في الوحل بأفعاله الإجرامية في غزة ولبنان، وانزلق، على طريقة ترامب، نحو سلطوية قومية متطرفة ومتعصبة. ولذلك فإن نتنياهو يقاتل من أجل منصبه، وربما من أجل حريته. ويصرّ، رغم سجلّه، على أنه وحده القادر على ضمان أمن إسرائيل. بل يلمّح، على نحو فاضح، إلى أن فوز المعارضة قد يمهّد الطريق لتدمير إسرائيل في محرقة ثانية، نووية هذه المرة. ويشتبه قادة الجيش الإسرائيلي في أنه قد يستأنف الحرب على إيران ليهيمن على مفاوضات الائتلاف الحتمية بعد الانتخابات ويتلاعب بها، أملاً في البقاء في السلطة وخارج السجن.

التداعيات الكارثية للحرب على إيران

يجب أن تُفهم فهماً كاملاً العواقب الوخيمة المرجحة لهجوم أمريكي إسرائيلي متجدد بعد الثالث من نوفمبر. فبادئ ذي بدء، سترتفع أسعار النفط مجدداً، وربما إلى مستويات غير مسبوقة، بما يضر بالناس في أنحاء العالم. ويلمّح مسؤولون في البنتاغون، ربما في إطار ترويج معلومات مضللة، إلى أن إيران تستعد للرد بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على المصافي النفطية والبنى التحتية وكابلات الإنترنت البحرية، مع إحكام الحصار على مضيق هرمز ومضيق باب المندب في البحر الأحمر. وقد يكون الأثر على إمدادات الطاقة الدولية والنقل والتجارة الدولية عموماً أسوأ بكثير مما كان عليه في الربيع الماضي.
وتفيد التقارير بأن ترامب يخطط لهجوم خاطف ومحدود زمنياً على طريقة ”الصدمة والترويع“، يستهدف أساساً المجمّع الجبلي الذي يُفترض أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب مخزّن فيه، إضافة إلى قواعدها الصاروخية وشبكة الطاقة لديها. وإن بدا هذا مألوفاً، فلأنه كذلك فعلاً. فكبير مسلّحي ترامب، بيت هيغسيث، و”رعاة البقر“ التابعون له في سلاح الجو، يزعمون أنهم دمّروا كثيراً من هذه الأهداف من قبل، وبعضها أكثر من مرة. ومن المرجح أن يفلت منهم النجاح الكامل مجدداً. والأرجح أن تطول مدة الحرب، وأن يلقى مزيد من المدنيين الإيرانيين مصير أكثر من 100 تلميذة قُتلن في ضربة بصاروخ ”توماهوك“ على ميناب في فبراير. ولم يعترف ترامب وهيغسيث قط بمسؤوليتهما عن تلك الفظاعة وغيرها.
وهنا سؤالان آخران. الأول: بأي حق تُجيز الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، لنفسها التصرف على هذا النحو؟ انسَوا، إن استطعتم، ترامب ونتنياهو. ماذا يقول الجمهور الأمريكي، أو على الأقل من يصوّتون للجمهوريين؟ ألم يتعلموا بعدُ، بعد هذا الكم من التدخلات الكارثية، أن العالم لا يريد أن تنقذه الولايات المتحدة، ولا يحتاج إلى ذلك؟ ففي عصر حركة ”ماغا“، لا بد أن هذه الاستثنائية الفجّة قد استنفدت زمنها. والسؤال الثاني، بصيغة جديدة: كيف يمكن منع هذه الكارثة الوشيكة؟ إن استئناف الحرب، بما يقود إلى حريق أوسع يزعزع الاستقرار العالمي، ليس قدراً محتوماً. لكن التحرك العاجل ضروري الآن.

معالي السيد بدر البوسعيدي: نحو أمن إقليمي تصنعه دول المنطقة

مسار المحادثات الذي تتوسط فيه قطر لم ينهَر تماماً، رغم إهمال البيت الأبيض له ومقاطعته إياه. وقد قال وزير الخارجية العُماني، معالي السيد بدر البوسعيدي، لـ”الغارديان“ هذا الأسبوع إن المفاوضات لا يزال بإمكانها أن تفضي إلى نتائج قابلة للتطبيق إن أُتيحت لها الفرصة. ورأى أن الحل على المدى الأطول قد يكون ميثاق عدم اعتداء يضم دول الخليج الست، إضافة إلى إيران والعراق، على أساس أن هذه الدول، لا الولايات المتحدة، ستكون المزوّد الرئيسي المشترك للأمن الإقليمي في المستقبل. وفيما كان البوسعيدي يتحدث، كان كبار المسؤولين من السعودية وباكستان وتركيا في طهران في مهمة أخيرة لاستباق استئناف الأعمال القتالية.
وكم سيكون مطمئناً الاعتقاد بأن ترامب ونتنياهو يصغيان. لكن الخلاصة أن كلا الرجلين، كلٌّ لأسبابه، يريد على الأرجح هذه الحرب. والمطلوب نهج حازم وموحّد من التحرك الوقائي السريع لقطع الطريق عليهما. وقد خطت بريطانيا وحلفاؤها الأوروبيون والحكومات ذات التوجه المماثل خطوة مترددة، لكنها متحدية، في إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي، حين حثّت على تغليب الدبلوماسية على العنف. والآن، يتعين عليها وعلى ديمقراطيات العالم كافة أن تقف صفاً واحداً، وأن تبلغ الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر مذكرة دبلوماسية رسمية، بأنهما تخاطران بقطيعة دائمة إن تجاهلتا الرأي العام العالمي وخاضتا الحرب مجدداً، قطيعة لها عواقب سلبية فورية وبعيدة المدى، اقتصادياً ودبلوماسياً وتجارياً وعسكرياً وأمنياً.

شارك هذا الخبر