عاصفة الحزم….وناذرة الشؤم

رأى الكاتب في 2015 أن أحداث اليمن عمقت الانقسام العربي، وانتقد منطق الحرب وغياب الغطاء الدولي، مؤكدا أهمية بقاء عمان على مسافة واحدة من الأطراف.

عاصفة الحزم….وناذرة الشؤم
Atheer - أثير

أثير-عبدالحميد بن حميد الجامعي

 

عندما تفتح عينيك وتغمضهما على فتن ينسال بعضها من بطن بعض -كالأفعى الرقطاء- تحاول جاهدا ان لا تنتزعك عواصفها، وتتشبث من ثم بكل ما قد ينجيك منها…جسدا ولسانا وفكرا ووطنا…

عدا ان ذلك قد يصل الى مفترق لا بد للمرء يومئذ من الخوض مكرها فيما لا يحب، والدلو بما يجيش في نفسه من حديث ومشاعر متضاربة ، ربما حتى لا يكون ممن قالوا ” لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا…” ويكون من مقابلهم ، من الذين آثروا الحديث والتداخل ” معذرة الى ربكم”..وشهادة امام الله، وأداء للواجب…

لعل هذا هو ما ينزعني على المستوى الشخصي للحديث، وقد يكون هو ايضا ما يحمل كثيرا من العمانيين وغيرهم على التعبير عن القلق والخوف من الغد على الامة العربية المكلومة بل وعلى العالم اجمع…

لقد ألقت احداث اليمن الاخيرة ولا تزال بظلالها على الوطن العربي عموما، كما هي سابقاتها منذ الحرب العراقية الإيرانية فغزو الكويت فأفغانستان فالعراق مرورا بأحداث ” الربيع العربي ” وسقوط أنظمة وصعود اخرى، وحرب سوريا، ومن قبلها اعتداء الاحتلال على جنوب لبنان وعلى غزة وانتهاء بما نعيشه اليوم في اليمن، في جميع تلكم الاحداث كان الوطن العربي ينقسم الى أشتات متحاربة، تبدأ بحرب موقف وكلمة وإعلام، ثم حرب دعم لوجستي لفرقاء متنحارين بالسلاح والعتاد، فحرب مباشرة بالطائرات والقذائف، ولا يبعد ان نرى التدخل بالجنود والدبابات ما دام الحمق هو المتحكم الحقيقي بأفعال وردود أفعال الامة العربية، وما دام الله ورسوله ودينه والانسان مغيبين تماماً عن المشهد العربي وقراراته…

لقد وجد العقل العربي السياسي للاسف في جميع ذلك مسوغات -غير مبررة- للانقسام، فمن مسوغات سياسية، الى اخرى طائفية، فحرب العراق، وحرب الاخوان، وحرب ليبيا، هي حروب أنظمة وتحالفات سياسية وعداوات قديمة، كادت فوق القطيعة السياسية ان تودي بدول المجلس الى الاقتتال الفعلي، وانقسمت الامة طائفيا في موقفها من المقاومة اللبنانية ومن الحرب السورية وأخيرا من الحرب اليمنية،  فبينا كانت دول الخليج العربي كتلة واحدة في الحروب الطائفية، كانت بددا وشيعا متنافرة في الحروب السياسية…

لقد انتقلت تلكم الأمشاج الخليط لتشل جميع مفاصل الحياة السياسية، ولتصطف جميعها اصطفافها وتصطبغ صبغتها، فبينا كانت قناتا الجزيرة والعربية مثلا في شقاق وحرب إعلامية شرسة في قضية الاخوان في مصر، تبعا لموقف دولهما السياسية، نجدهما اليوم في تلاحم وتناغم منقطع النظير في ما يخص ” عاصفة الحزم” تبعا مرة اخرى للاهوية ذاتها…

ان تتبع الأهواء بهذا الشكل الصرف وبناء قرارات موت أمة او إحياءها عليه، وتخريب بنى تحتية او إعمارها، تعد عملية عبثية يجب الوقوف ضدها، لما تحمله من تهديد لقيم الانسانية والبشرية العظمى…والذي يقرها دين الله الأزلي في ارضه وخلقه…

لقد بدأ هذا الانحراف الدولي في صعود أنظمة عالمية لقيادات تفتقر الى الحد الأدنى من القيم الانسان الأخلاقية والتي تحرم القتل والعدوان او حتى الظهور على وجوه متعددة ومتناقضة في آن…وتمثلت باكورته الرديئة في الغزو الامريكي لأفغانستان والذي قامت به أمريكا منفردة وخارج إطار الشرعية الدولية وخارج إطار مظلة مجلس الأمن، ثم قامت بذات السياسة في غزوها العراق رغم محاولتها استنقاذ قرار أممي بذلك وفشلها، وتتابع تصدع بنيان العالم ونظامه الجامع، فقامت روسيا بضم القرم مؤخراً، وعلى مستوى عالمنا العربي فقد قامت دول عربية بتجاوز حدودها الجغرافية والهجوم على دول عربية اخرى بدعوى نصرة الثورة وحماية المدنيين، دون غطاء دولي، وها هي تقوم مرة اخرى بغزو بلد عربي بدعوى شرعية رئيس،  قد يكون في استقالته التي قدمها قبل خروجه من العاصمة رأي آخر في تحديد مدى تلكم الشرعية من عدمها …وكان ذلك هو الغطاء الوحيد ولم يكن للأمم المتحدة ولا مجلس الأمن غطاء، ولم يكن له في المقابل موقف حازم اتجاه العاصفة، اتباعا في ما يظهر للسياسة الجديدة في تهميشه واحتفاظه على الصورة الشكلية خدمة للكبار فقط دون غيرهم، تماماً كما لم يكن للجامعة العربية موقف مشرف في توجيه هذا المشهد او العاصفة للبناء والتعمير، كما لم يكن لها موقف مشرف للعرب عموما في اي من الأزمات التي عصفت بهذا الوطن الكليم في السنين الغابرة بل منذ نشأتها لو نظرنا الى تاريخ الامة المتقهقر منذ احتلال فلسطين والأراضي العربية في لبنان وسوريا مرورا بمواقف الجامعة الهدامة والقرارات التعسفية التي اثبتت فشلها في التسديد والمقاربة، وقد يكون في   تعامل الجامعة مع أزمة “الربيع العربي” في ليبيا وسوريا ومصر كفاية دليل عن سابق السقطات والتخرصات…ولولا ” حنانيك بعض الشر أهون من بعض..” لكان الأحرى هجر الشر جميعا….

عمان في عين العاصفة؛

 

لقد كاد موقفا عمان الأخيران ما قبل عاصفة اليمن، والذي ظهر أولهما في بيان استنكار وزارة الخارجية العمانية موقف السويد من السعودية، وظهر الآخر في اشتراك السلطنة في مؤتمر الدعم الاقتصادي لحكومة مصر ببعض الملايين، لقد كان في هذين الموقفين تهديد حقيقي للسياسة العمانية المحايدة، لأنهما كانا -في رأينا- خروجا عن تلكم السياسة، وشذوذا عنها، فالأول تدخل في شؤون السويد بينما أراد منع التدخل في شؤون السعودية،  بشكل ينكت نكتة سوداء في سجل مواقف السلطنة العالمي الأبيض ، وثانيهما دعم بلد يعيش فيه  شركاء وطن متناحرون لم يلتفوا حول وطنهم بعد، ولم يسامح القوي فيهم الضعيف، ولم يعف المتحكم فيه عن المحكوم، ولا يدرى أين ستصب تلكم الأموال والمليارات المقدمة وفي خدمة من؟! أمن مصر ام أمن فريق متنفذ منهم؟!…

الا ان الموقف الأخير من عاصفة الحزم في اليمن مع عودة سلطان البلد اليها معافى بحمد الاله بعث الأمل والثقة بالسياسة العمانية من جديد وأنها على عهدها، حيث تحتاج المنطقة اليوم الى سياسة ” المسافة الواحدة..” ليمكن فك الأزمة الماضية في التعقد..

يجب ان تبقى عمان على سياستها التي لم تعلم الطائفية ولا الخصومات السياسية، فهي لم تكن -كما يحاول بعضهم الترويج والصيد في الماء العكر- ملاذا لإيران بمواقفها ومن ثم طوق نجاة لها خاصة دون الاخرين، كما يردد بعضهم ويزعم في وسائل الاعلام والتواصل المختلفة، بل هي طوق نجاة للمنطقة بأسرها، فلم تقاطع مصر السادات بسبب معاهدتها مع (اسرائيل) كبقية الدول العربية الذين خاصموا حد تنقيلهم لمقر جامعتهم من مصر، ولم تكن يومها ايران حاضرة…وقد وقفت في معزل عن مقاطعة العراق في حرب تحرير الكويت ولم تكن ايران مرة اخرى حاضرة، ووقفت ثالثة بعيدا عن مقاطعة قطر في الأيام الاخيرة، بينما سحب البعض سفراءهم منها،  ولم تكن ايران حاضرة….فكانت عمان المنفذ ونفق النور وطوق النجاة لجميع تلكم الاحداث، ولم تكن ايران في جميعها حاضرة..الا ان وضع المرء نفسه في خندق احد المتخاصمين سيعمي عينه ويصم أذنه ويبكم لسانه عن رؤية وسماع الحقيقة ومن ثم التكلم بها كما هي، ويبقى مشوها لا خير فيه، ولا في نقده للطرفين، لمن يساندهم ومن يخاصمهم على حد سواء…

اخيراً فعاصفة الحزم لن تأتي الا بالخراب على الأشقاء، وسينال الجميع بما فيها الدولة السعودية عوارها، وسيكون لتلك المظالم والدماء رب ينتقم لها، ولن يكون في مصلحة احد تقسيم المملكة او سقوط دولتها او تقسيم اليمن ولا دخول المملكة في حروب وقلاقل داخلية كما هو في مصر، حرب استنزاف بشري وعسكري وامن اجتماعي لا خير في كله، او ان يكون لها رفض خارجي وعداوة لها ولشعبها يتجاوز حدودها، لحساسية المملكة ووضعها بالنسبة للوطن العربي والعالم الإسلامي، من ثم يجب على العمانيين والمخلصين لهذه الامة التحرك على ذات الهدف، وهو التسديد والمقاربة كما امر الله فيما يتبادلون وما يتعاطون من مادة إعلامية وغيرها تخص الأزمات العربية عموما وأزمة اليمن خصوصا، والله الحافظ، وحاقن الدماء، وهو على كل شيء قدير…

شارك هذا الخبر