
أثير-عبدالحميد بن حميد الجامعي
عندما تفتح عينيك وتغمضهما على فتن ينسال بعضها من بطن بعض -كالأفعى الرقطاء- تحاول جاهدا ان لا تنتزعك عواصفها، وتتشبث من ثم بكل ما قد ينجيك منها…جسدا ولسانا وفكرا ووطنا…
عدا ان ذلك قد يصل الى مفترق لا بد للمرء يومئذ من الخوض مكرها فيما لا يحب، والدلو بما يجيش في نفسه من حديث ومشاعر متضاربة ، ربما حتى لا يكون ممن قالوا ” لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا…” ويكون من مقابلهم ، من الذين آثروا الحديث والتداخل ” معذرة الى ربكم”..وشهادة امام الله، وأداء للواجب…
لعل هذا هو ما ينزعني على المستوى الشخصي للحديث، وقد يكون هو ايضا ما يحمل كثيرا من العمانيين وغيرهم على التعبير عن القلق والخوف من الغد على الامة العربية المكلومة بل وعلى العالم اجمع…
لقد ألقت احداث اليمن الاخيرة ولا تزال بظلالها على الوطن العربي عموما، كما هي سابقاتها منذ الحرب العراقية الإيرانية فغزو الكويت فأفغانستان فالعراق مرورا بأحداث ” الربيع العربي ” وسقوط أنظمة وصعود اخرى، وحرب سوريا، ومن قبلها اعتداء الاحتلال على جنوب لبنان وعلى غزة وانتهاء بما نعيشه اليوم في اليمن، في جميع تلكم الاحداث كان الوطن العربي ينقسم الى أشتات متحاربة، تبدأ بحرب موقف وكلمة وإعلام، ثم حرب دعم لوجستي لفرقاء متنحارين بالسلاح والعتاد، فحرب مباشرة بالطائرات والقذائف، ولا يبعد ان نرى التدخل بالجنود والدبابات ما دام الحمق هو المتحكم الحقيقي بأفعال وردود أفعال الامة العربية، وما دام الله ورسوله ودينه والانسان مغيبين تماماً عن المشهد العربي وقراراته…
لقد وجد العقل العربي السياسي للاسف في جميع ذلك مسوغات -غير مبررة- للانقسام، فمن مسوغات سياسية، الى اخرى طائفية، فحرب العراق، وحرب الاخوان، وحرب ليبيا، هي حروب أنظمة وتحالفات سياسية وعداوات قديمة، كادت فوق القطيعة السياسية ان تودي بدول المجلس الى الاقتتال الفعلي، وانقسمت الامة طائفيا في موقفها من المقاومة اللبنانية ومن الحرب السورية وأخيرا من الحرب اليمنية، فبينا كانت دول الخليج العربي كتلة واحدة في الحروب الطائفية، كانت بددا وشيعا متنافرة في الحروب السياسية…
لقد انتقلت تلكم الأمشاج الخليط لتشل جميع مفاصل الحياة السياسية، ولتصطف جميعها اصطفافها وتصطبغ صبغتها، فبينا كانت قناتا الجزيرة والعربية مثلا في شقاق وحرب إعلامية شرسة في قضية الاخوان في مصر، تبعا لموقف دولهما السياسية، نجدهما اليوم في تلاحم وتناغم منقطع النظير في ما يخص ” عاصفة الحزم” تبعا مرة اخرى للاهوية ذاتها…
ان تتبع الأهواء بهذا الشكل الصرف وبناء قرارات موت أمة او إحياءها عليه، وتخريب بنى تحتية او إعمارها، تعد عملية عبثية يجب الوقوف ضدها، لما تحمله من تهديد لقيم الانسانية والبشرية العظمى…والذي يقرها دين الله الأزلي في ارضه وخلقه…
لقد بدأ هذا الانحراف الدولي في صعود أنظمة عالمية لقيادات تفتقر الى الحد الأدنى من القيم الانسان الأخلاقية والتي تحرم القتل والعدوان او حتى الظهور على وجوه متعددة ومتناقضة في آن…وتمثلت باكورته الرديئة في الغزو الامريكي لأفغانستان والذي قامت به أمريكا منفردة وخارج إطار الشرعية الدولية وخارج إطار مظلة مجلس الأمن، ثم قامت بذات السياسة في غزوها العراق رغم محاولتها استنقاذ قرار أممي بذلك وفشلها، وتتابع تصدع بنيان العالم ونظامه الجامع، فقامت روسيا بضم القرم مؤخراً، وعلى مستوى عالمنا العربي فقد قامت دول عربية بتجاوز حدودها الجغرافية والهجوم على دول عربية اخرى بدعوى نصرة الثورة وحماية المدنيين، دون غطاء دولي، وها هي تقوم مرة اخرى بغزو بلد عربي بدعوى شرعية رئيس، قد يكون في استقالته التي قدمها قبل خروجه من العاصمة رأي آخر في تحديد مدى تلكم الشرعية من عدمها …وكان ذلك هو الغطاء الوحيد ولم يكن للأمم المتحدة ولا مجلس الأمن غطاء، ولم يكن له في المقابل موقف حازم اتجاه العاصفة، اتباعا في ما يظهر للسياسة الجديدة في تهميشه واحتفاظه على الصورة الشكلية خدمة للكبار فقط دون غيرهم، تماماً كما لم يكن للجامعة العربية موقف مشرف في توجيه هذا المشهد او العاصفة للبناء والتعمير، كما لم يكن لها موقف مشرف للعرب عموما في اي من الأزمات التي عصفت بهذا الوطن الكليم في السنين الغابرة بل منذ نشأتها لو نظرنا الى تاريخ الامة المتقهقر منذ احتلال فلسطين والأراضي العربية في لبنان وسوريا مرورا بمواقف الجامعة الهدامة والقرارات التعسفية التي اثبتت فشلها في التسديد والمقاربة، وقد يكون في تعامل الجامعة مع أزمة “الربيع العربي” في ليبيا وسوريا ومصر كفاية دليل عن سابق السقطات والتخرصات…ولولا ” حنانيك بعض الشر أهون من بعض..” لكان الأحرى هجر الشر جميعا….
عمان في عين العاصفة؛



