أثير - د.منصور بن حمد الهدابي
لا تكفي وفرة المياه وحدها لتحقيق الأمن المائي؛ فقد تكون المياه متاحة بكميات كبيرة، لكن تراجع جودتها قد يحد من استخدامها أو يجعلها غير مناسبة للغرض المطلوب. لذلك، لا يرتبط الأمن المائي بكمية المياه المتاحة فحسب، بل بمدى صلاحيتها للاستخدام أيضًا.
ويتضح ذلك في صور كثيرة؛ فالمياه التي استُخدمت لسنوات في ري المحاصيل قد تصبح أقل ملاءمة للزراعة مع ارتفاع ملوحتها. وقد تكون المياه الجوفية متوافرة بكميات كافية، لكن تراجع جودتها نتيجة تسرب الملوثات إليها قد يحد من الاستفادة منها ويرفع كلفة معالجتها.
من هنا، لا يكفي حين نتحدث عن مستقبل المياه أن نسأل: كم لدينا من الماء؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كم من هذا الماء يمكننا استخدامه فعلًا، وبأي جودة، ولأي غرض، وبأي كلفة؟
ويتسق ذلك مع مفهوم الأمن المائي لدى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمياه، الذي يرتبط بقدرة السكان على الوصول بصورة مستدامة إلى كميات كافية من المياه ذات جودة مقبولة، بما يدعم حياة الإنسان والتنمية، ويحمي من مخاطر التلوث والكوارث المرتبطة بالمياه.
وعليه، فإن تدهور جودة المياه ليس قضية بيئية منفصلة عن الأمن المائي؛ لأنه قد يقلل عمليًا من كمية المياه القابلة للاستخدام، حتى وإن ظل المورد المائي موجودًا.
عُمان أمام معادلة مائية دقيقة
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في سلطنة عُمان، فهي تقع في بيئة جافة، إذ يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي فيها نحو 100 ملم، مع تفاوت كبير بين منطقة وأخرى. وفي مثل هذه البيئة، يصبح لكل مورد مائي قيمة مضاعفة، ويصبح الحفاظ على جودته جزءًا لا ينفصل عن الحفاظ على كميته.
لقد شكّلت المياه الجوفية تاريخيًا أحد أهم مصادر المياه في عُمان، ولا تزال ذات أهمية كبيرة، ولا سيما في القطاع الزراعي. ويتجدد جزء من هذه المياه بفعل الأمطار وتسرب مياه الأودية، في حين توجد خزانات أخرى غير متجددة تتلقى قدرًا ضئيلًا أو لا تتلقى تغذية حديثة تُذكر.
ويظهر حجم الضغط على الموارد الطبيعية من خلال ما يعرف بالإجهاد المائي. وبصورة مبسطة، يقيس هذا المؤشر حجم المياه العذبة التي يجري سحبها مقارنة بالموارد العذبة المتجددة المتاحة، بعد مراعاة الاحتياجات المائية للنظم البيئية. وكلما ارتفعت النسبة، ازداد الضغط على الموارد العذبة المتجددة وأصبحت استدامة استخدامها أكثر تحديًا.
وتشير أحدث البيانات الدولية المتاحة إلى أن مستوى الإجهاد المائي في عُمان بلغ نحو %117 في عام 2023. ولا يعني تجاوز النسبة 100% أن المياه قد اختفت؛ فالمؤشر يقارن سحب المياه العذبة بالموارد العذبة المتجددة المتاحة، ويمكن أن تتجاوز السحوبات هذه الموارد، ولا سيما عند الاعتماد على موارد جوفية غير متجددة. كما أن مياه التحلية لا تدخل ضمن سحب المياه العذبة الذي يُحتسب في هذا المؤشر. وما يكشفه الرقم بوضوح هو شدة الضغط على الموارد المائية العذبة المتجددة، وأهمية المصادر غير التقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، في المنظومة المائية العُمانية.
وهنا يظهر أحد أكبر التحولات في قصة المياه العُمانية خلال العقود الأخيرة. فقد أصبحت التحلية ركيزة أساسية لإمدادات مياه الشرب. وفي تصريح رسمي لنماء لخدمات المياه في مايو 2026، ذكرت الشركة أن إجمالي إنتاج المياه في عُمان خلال عام 2025 بلغ نحو 445 مليون متر مكعب، جاء قرابة 90% منها من المياه المحلّاة، مقابل نحو 10% من المياه الجوفية.
هذا الرقم لا يخبرنا فقط عن حجم ما تنتجه محطات التحلية، بل يكشف كيف تغيرت طبيعة الأمن المائي نفسه. فعلى الرغم من محدودية الأمطار، استطاعت عُمان أن تجعل من مياه البحر مصدرًا رئيسيًا للإمداد بالمياه العذبة، مستفيدة من تطور تقنيات التحلية والاستثمار المستمر في البنية الأساسية. لكن ذلك يعني أيضًا أن الإمداد المائي أصبح يعتمد على سلسلة مترابطة تبدأ بجودة مياه البحر، وتمر بمحطات التحلية والطاقة وشبكات النقل والتوزيع، وتنتهي عند المستهلك.
ومع استمرار النمو السكاني والعمراني والاقتصادي، تزداد أهمية إدارة المنظومة المائية بكفاءة. ففي النظام الرئيسي المترابط للمياه (MIS)، الذي يغطي محافظات مسقط وجنوب الباطنة وشمال الباطنة والداخلية والبريمي والظاهرة، يُتوقع أن يرتفع الطلب الأقصى على المياه من نحو 1.21 مليون متر مكعب يوميًا في 2025 إلى نحو 1.48 مليون متر مكعب يوميًا بحلول 2032.
إذن، لم تعد المسألة في عُمان مرتبطة بالبحث عن مصدر جديد للمياه فحسب، بل بحسن إدارة مجموعة متكاملة من المصادر تشمل المياه المحلاة والجوفية والمعالجة، إلى جانب التخزين الإستراتيجي وشبكات النقل والتوزيع. وفي هذه المنظومة، تظل جودة المياه عاملًا أساسيًا في تحديد قيمة كل مصدر، ومدى ملاءمته للاستخدام، والدور الذي يمكن أن يؤديه في تعزيز الأمن المائي.
هل تعفينا التحلية من القلق؟
من السهل، أمام النجاح الكبير للتحلية في عُمان ودول الخليج، أن نفترض أن التكنولوجيا قد حسمت مشكلة المياه. والحقيقة أن التحلية أدت، ولا تزال تؤدي، دورًا محوريًا؛ فقد مكنت دولًا محدودة الموارد المائية الطبيعية من توفير إمدادات واسعة من مياه الشرب.
لكن نجاح التحلية لا يجعل بقية الموارد المائية أقل قيمة، ولا يعني أن الاعتماد الشديد على مصدر واحد هو الخيار الأكثر أمانًا.
فالتحلية تبدأ من البحر، ومياه البحر نفسها قد تتعرض لاضطرابات طبيعية أو لحوادث طارئة. فقد تؤثر ظواهر مثل ازدهار الطحالب الضارة، أو ما يعرف شائعًا بالمد الأحمر، في جودة المياه الداخلة إلى محطات التحلية، وتزيد العبء على عمليات المعالجة، وقد تؤدي في الحالات الشديدة إلى خفض الإنتاج أو توقف بعض الوحدات مؤقتًا.
وقد شهدت منطقة خليج عُمان والخليج العربي خلال عامي 2008 و2009 موجة شديدة من ازدهار الطحالب الضارة، أثرت في تشغيل محطات للتحلية في عُمان والإمارات واضطرت بعضها إلى وقف أو تعديل عملياتها.
وقد تأتي المخاطر من حوادث بشرية كذلك. فتسرب النفط من ناقلة أو منشأة ساحلية بالقرب من مأخذ محطة تحلية قد يفرض خفض الإنتاج أو الإيقاف المؤقت لحماية جودة المياه ومعدات المحطة. وقد وثقت الأدبيات المتخصصة حالات تعطلت فيها محطات تحلية بسبب حوادث نفطية.
هذه الاحتمالات لا تقلل من موثوقية التحلية، لكنها تطرح سؤالًا مختلفًا: كيف نحافظ على استمرار الإمداد إذا تعرض أحد مصادره الرئيسية لاضطراب مفاجئ؟
الإجابة لا تكمن في التحلية وحدها، بل في مرونة المنظومة المائية: وجود مصادر بديلة، ومخزونات إستراتيجيّة، وشبكات مترابطة، وموارد جوفية محفوظة من الاستنزاف والتلوث، ومياه معالجة يمكن توجيهها إلى الاستخدامات المناسبة بدل استهلاك المياه الأعلى جودة فيها.
ومن هنا، فإن حماية المياه الجوفية ليست عودة إلى الماضي في عصر التحلية، بل استثمار في المستقبل. فكل مورد جوفي نحافظ على جودته يمثل خيارًا إضافيًا عند الحاجة.
وتواصل عُمان الاستثمار في سدود التغذية الجوفية بوصفها إحدى وسائل تعزيز المخزون الجوفي والاستفادة من مياه الأمطار والأودية. وتشير بيانات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه إلى أن هذه السدود أسهمت، منذ بدء تشغيلها، في تغذية الخزانات الجوفية بنحو 3.169 مليار متر مكعب من المياه، فيما تتضمن الخطط الخمسية الحالية تنفيذ 33 سدًا إضافيًا للتغذية الجوفية.
كما تنفذ نماء لخدمات المياه في حوض رمال الشرقية بمحافظة جنوب الشرقية مشروعًا تجريبيًا لتخزين فائض المياه المحلاة في خزانات جوفية خلال فترات انخفاض الطلب، ثم استرجاعها عند الحاجة، ولا سيما في حالات الطوارئ وفترات ذروة الاستهلاك. وتشير تقديرات الشركة إلى أن المواقع المختارة يمكن أن توفر سعات تخزين تتراوح بين 18 و30 مليون متر مكعب.
المغزى من هذه المشروعات يتجاوز إضافة مزيد من المياه إلى الرصيد. فهي تعكس تحولًا من التفكير في مصدر الماء إلى التفكير في مرونة المنظومة المائية بأكملها.
فالتحلية تمنحنا الماء، أما تنوع المصادر وحماية جودتها والتخزين وإعادة الاستخدام وترابط الشبكات فهي التي تمنح المنظومة قدرة أكبر على الاستمرار عندما يتعرض أحد مكوناتها للضغط.
المياه المعالجة: مورد ثمين... بشروط
ومن بين الموارد التي يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في هذه المنظومة المياه الناتجة من محطات معالجة مياه الصرف.
فالمنطق التقليدي كان ينظر إلى مياه الصرف باعتبارها مشكلة ينبغي التخلص منها بأقل ضرر ممكن. أما النظرة الحديثة فترى فيها موردًا يمكن استعادته وإعادة استخدامه، بشرط أن تكون جودته مناسبة للغرض الذي سيوجه إليه.
لكن عبارة “مياه معالجة” لا تكفي وحدها للحكم على صلاحيتها. فالمياه التي تناسب ري بعض المساحات الخضراء ليست بالضرورة هي نفسها التي تناسب استخدامًا آخر. والسؤال الأهم ليس: هل عولجت؟ بل: إلى أي مستوى عولجت، وما الاستخدام الذي ستوجه إليه؟
ولهذا تصبح مراقبة الجودة شرطًا أساسيًا للتوسع الآمن في إعادة الاستخدام.
وفي نطاق عمليات نماء لخدمات المياه، الذي يشمل محافظات السلطنة باستثناء محافظة ظفار، بلغت كمية مياه الصرف الداخلة إلى مرافق المعالجة التابعة للشركة في عام 2025 نحو 95.21 مليون متر مكعب، وبلغت نسبة الاستفادة من المياه المعالجة نحو 53%.
وفي هذا السياق، تكتسب الدراسة الوطنية التي نفذتها هيئة البيئة أهمية خاصة؛ إذ شمل المسح خلال عامي 2024 و2025 عدد 217 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي في مختلف محافظات السلطنة، مع تحليل مؤشرات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية بهدف تقييم جودة المياه المعالجة ودعم إدارتها المستدامة واستكشاف إمكانات إعادة استخدامها.
والهدف ليس استخدام كل قطرة معالجة بأي ثمن، بل توجيه النوعية المناسبة من المياه إلى الاستخدام المناسب. فكلما أمكن استخدام المياه المعالجة بأمان في الري أو الصناعة أو التشجير، أمكن توجيه المياه الأعلى جودة للاستخدامات التي تحتاج إليها فعلًا. غير أن تنويع مصادر المياه ورفع كفاءة استخدامها لا يكفيان وحدهما؛ فالحفاظ على جودة هذه الموارد يظل جزءًا أساسيًا من الأمن المائي.
قيمة الماء ليست في حجمه فقط
الماء قد يبقى في مكانه، لكن قيمته لا تبقى بالضرورة كما هي. فعندما ترتفع الملوحة أو يصل التلوث إلى المورد، لا تتراجع جودة الماء فقط، بل ترتفع كلفة الاستفادة منه وتتقلص الاستخدامات التي يصلح لها. فالمياه الجوفية العذبة القريبة من المستخدم لا تشبه في قيمتها موردًا شديد الملوحة يحتاج إلى معالجة ونقل، كما أن المياه التي تتطلب معالجة بسيطة تختلف عن أخرى تحتاج إلى تقنيات أكثر تعقيدًا لإزالة الأملاح أو الملوثات.
ومع تدهور الجودة تزداد الحاجة إلى المعالجة والطاقة والبنية الأساسية والمواد المستخدمة فيها، وقد يتحول مورد كان منخفض الكلفة نسبيًا إلى مورد أعلى كلفة، أو يصبح غير مناسب لبعض الاستخدامات التي كان يخدمها من قبل.
لهذا فإن حماية جودة المياه ليست شأنًا بيئيًا فحسب، بل لها بعد اقتصادي واستراتيجي واضح. وتبدو المياه الجوفية مثالًا مهمًا على ذلك؛ فمن الممكن إنشاء محطة تحلية جديدة أو توسيع محطة قائمة أو مد خط لنقل المياه، أما خزان جوفي واسع تدهورت نوعية مياهه بفعل الملوحة أو التلوث فقد يكون استعادته أكثر صعوبة.
وفي عُمان، حيث أصبحت التحلية ركيزة أساسية للإمداد المائي وتزداد أهمية المياه المعالجة والمصادر البديلة، يبقى الحفاظ على جودة الموارد الطبيعية جزءًا أساسيًا من قوة المنظومة المائية نفسها. فنجاحنا في المستقبل لن يقاس فقط بكمية المياه التي نستطيع إنتاجها، بل أيضًا بقدرتنا على حماية ما نملكه من موارد، واستخدام كل مصدر في المكان الذي يناسب جودته.
المصادر والمراجع
1. UN-Water. (2013). Water Security and the Global Water Agenda: A UN-Water Analytical Brief. United Nations University Institute for Water, Environment and Health (UNU-INWEH). ISBN 978-92-808-6038-2.
2. جريدة عُمان. (16 مارس 2025). الزراعة الدقيقة.. خيار مستقبلي لتحسين إدارة المحاصيل العُمانية وزيادة الإنتاج.
3. Ministry of Regional Municipalities and Water Resources (MRMWR). (2008). Water Resources in Oman. 2nd Edition. Sultanate of Oman, pp 29-30,82 and 89.
4. UN-Water – SDG 6 Data Portal. Oman: Country or Area Profile. SDG indicator 6.4.2, data for 2023. Accessed 30 August 2026.
5. UN-Water. (2019). Step-by-step Monitoring Methodology for indicator 6.4.2: Level of Water Stress: Freshwater Withdrawal as a proportion of available Freshwater Resources. Version 4 February 2019 rev, p.3.
6. Nama Water Services. (2026, May 17). Nama Water Services Advances Oman’s Water Security through Aquifer Storage Technology.
7. Nama Water Services. (2025). Annual Report 2025.Sultanate of Oman, pp 3-4.
8. Nama Power and Water Procurement Company (PWP). (2026). Water 7-Year Statement 2026-2032. Issue 20. Sultanate of Oman.
9. جريدة عُمان. (27 يناير 2026). «إنشاء 33 سدًا جديدًا ضمن الخطط الخمسية الحالية واستكمال 18 عبر الشراكة المجتمعية». حوار مع المهندس ناصر بن محمد البطاشي، مدير عام المديرية العامة لتقييم موارد المياه بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه. إعداد: غالية الذخرية.
10. وكالة الأنباء العُمانية. (13 نوفمبر 2025). هيئة البيئة تنفذ دراسة لتحليل جودة المياه المعالجة في محطات الصرف الصحي.
11. Richlen, M. L., Morton, S. L., Jamali, E. A., Rajan, A., & Anderson, D. M. (2010). The catastrophic 2008–2009 red tide in the Arabian Gulf region, with observations on the identification and phylogeny of the fish-killing dinoflagellate Cochlodinium polykrikoides. Harmful Algae, 9(2), 163–172.
12. Ogunbiyi, O., Al-Rewaily, R., Saththasivam, J., Lawler, J., & Liu, Z. (2023). “Oil Spill Management to Prevent Desalination Plant Shutdown from the Perspectives of Offshore Cleanup, Seawater Intake and Onshore Pretreatment.” Desalination, 564, 116780.





