أثير - محمد الدغيشي
لطالما ارتبط الملح في الذاكرة العُمانية بحرفة تقليدية بسيطة توارثتها الأجيال في الولايات الساحلية؛ حيث كانت أحواض التجفيف تمد الأسر بمصدر رزق متواضع. غير أن هذا المورد الطبيعي الذي أطلق عليه الأهالي وصف “الذهب الأبيض” يشهد تحولًا هيكليًا، منتقلًا من صناعة موسمية محدودة إلى قطاع استثماري واعد تتجاوز استثماراته المليار دولار أمريكي، في إطار مستهدفات رؤية “عُمان 2040” لتنويع مصادر الدخل.
من أحواض قريات إلى صناعة وطنية
تُعد منطقة “خور الملح” بولاية قريات في محافظة مسقط من أقدم الشواهد على التراث الملاحي في السلطنة؛ إذ اشتهرت منذ القدم باستخراج الملح عبر أحواض التبخير الشمسي لتلبية الطلب المحلي وفي عمليات التنقيب النفطي. وتتمد العملية التقليدية على إدخال مياه البحر إلى أحواض مخصصة لتبخيرها طبيعيًا بشدة أشعة الشمس، تعقبها مراحل التنقية والتجفيف والتخزين خلال أسبوع إلى عشرة أيام، ويُعد الصيف الموسم الأنسب لارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر.
وقد وثّق مصورون عُمانيون عبر الطائرات المسيّرة (الدرون) هندسة أحواض الملح في قريات، التي تبدو من الأعلى كلوحة ألوان متناغمة، لتغدو أيقونة بصريًا تجمع بين القيمة الجمالية والأهمية التاريخية لهذا الخام.
تحول نوعي نحو الصناعات التحويلية
في السنوات الأخيرة، انتقل قطاع الملح من أطره التقليدية إلى مرحلة التوسع الصناعي والتصنيع التحويلي؛ ليشمل إنتاج الملح الصناعي عالي النقاوة والملح الغذائي، فضلاً عن استخلاص المركبات الكيميائية الاستراتيجية كالبرومين، والصودا الكاوية، ورماد الصودا، وكلوريد متعدد الفينيل (PVC)، ما يرفع القيمة المضافة للموارد الوطنية.
وتُظهر مؤشرات عام 2025م تحقيق إنتاج بلغ نحو 40 ألف طن من الملح، صُدّر منها قرابة 30 ألف طن للأسواق الخارجية، فيما استوعب السوق المحلي 10 آلاف طن؛ نتيجة الطلب المتزايد من قطاعات النفط والغاز والصناعات الغذائية والكيميائية.
استثمارات تتجاوز المليار دولار
تستند خطط التوسع إلى توقيع عقود أربع مناطق امتياز تعدينية للملاحات البحرية بمحافظة الوسطى باستثمارات تتجاوز المليار دولار، بهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تصل إلى 5 ملايين طن سنويًا، مع التخطيط لطرح مناطق امتياز جديدة. وتبرز محافظة الوسطى كمركز رئيسي لهذه الصناعة نظرًا لمقوماتها الطبيعية من اتساع الشواطئ، وسرعة الرياح، والقرب من ميناء الدقم والمناطق التعدينية والنفطية.
مشروع محوت: مرتكّز استراتيجي لإنتاج الملح عالي النقاء
يهدف مشروع استخراج الملح من مياه البحر بولاية محوت (التي تبعد مسافة 170 كيلومترًا عن منطقة الدقم) إلى التركيز بشكل أساسي على إنتاج ملح عالي النقاء، يُستخدم في مشاريع الشق السفلي والأغراض الصناعية المختلفة، بالإضافة إلى تصديره للأسواق الإقليمية والعالمية. وتتضمن الخطة الاستراتيجية للمشروع إنشاء أحواض تبخّر تتيح إنتاج نحو 1.5 مليون طن من الملح الخام سنوياً.
شراكات استراتيجية: مشروع “نقاء” باستثمار 13.4 مليون ريال عُماني
في خطوة تنفيدية جديدة، وقّعت شركة “تنمية معادن عُمان” في مايو 2025 اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركة “ديف سولت” لتنفيذ مشروع “نقاء” للملح بولاية محوت في محافظة الوسطى. وتبلغ القيمة الاستثمارية للمشروع نحو 13.4 مليون ريال عُماني، وبطاقة إنتاجية تصل إلى مليوني طن سنويًا، مما يجعله أكبر مشروع لإنتاج الملح الصناعي عالي الجودة في المنطقة.
تعتمد أعمال المشروع الإنشائية على تقنية التبخير باستخدام الطاقة الشمسية لإنتاج ملح برومي عالي النقاء معتمدًا على الخصائص الطبيعية للسبخات الساحلية. ويتميز موقع المشروع بقربه من ميناء الدقم مما يسهّل عمليات التصدير للأسواق العالمية، خاصة تلك التي تعتمد على منتجات استراتيجية مثل البرومين، والصودا الكاوية، ورماد الصودا.
تُجسد هذه الاتفاقية التي وُقّعت بصالة “استثمر في عُمان” نموذجًا للتكامل بين القطاعين العام والخاص وجذب الاستثمارات النوعية. كما يحقق المشروع أبعادًا بيئية واقتصادية متكاملة؛ إذ توفر أحواض التبخير بيئة جاذبة للطيور المهاجرة والحياة البحرية مما يفتح آفاقًا للسياحة البيئية، إلى جانب إيجاد فرص واعدة للشركات الصغرى والمتوسطة في قطاعات الإمداد والتوريد والصيانة، بالتزامن مع توقعات نمو الطلب العالمي على الملح ليتجاوز 372 مليون طن بحلول عام 2027م.
مورد استراتيجي بأبعاد اقتصادية واجتماعية
أكد المهندس سعود بن خميس المحروقي، مدير عام المعادن بوزارة الطاقة والمعادن في تصريح سابق، أن المعادن الصناعية وفي مقدمتها الملح تمثل خامًا استراتيجيًا للأسواق المحلية والدولية، مُشيرًا إلى أن الملح العُماني يمتلك مزايا تنافسية عالية أبرزها جودة الخام، والموقع الجغرافي، والمناخ الملائم للتبخير الطبيعي.
ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على البعد الاقتصادي، بل تمتد لتشمل القيمة المحلية المضافة عبر إشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في اللوجستيات والنقل والخدمات المساندة، إلى جانب تعزيز خطط التعمين وتوفير فرص عمل تخصصية في مجالات الهندسة، والجيولوجيا، والجودة، وإدارة العمليات.
تنوّع جيولوجي يفتح آفاقًا مستقبلية
يتوزع الملح في سلطنة عُمان عبر أشكال جيولوجية متعددة:
- الملح الصخري: المتكون في أحواض رسوبية مغلقة على مدى أزمنة طويلة، ويُعد مصدراً لخامات البوتاش المستخدمة في السماد الزراعي.
- الملح السطحي: كالمتواجد في البيئات الجافة والسبخات، ومن أبرزها سبخة “أم السميم” في محافظتي الوسطى والظاهرة.
- الملاحات البحرية: التي تمثل الواجهة الأبرز للاستثمارات الحديثة.
وتراعي المشروعات الحديثة الاشتراطات البيئية من خلال الاعتماد على التبخير الشمسي الطبيعي لتقليل كلفة الطاقة والانبعاثات، مع اتجاه بعض الشركات لاستخدام الطاقة المتجددة في عملياتها.
يُقدم قطاع الملح في سلطنة عُمان نموذجًا لإعادة تحويل الخامات التقليدية إلى قطاع استثماري واعد، يسهم بفاعلية في منظومة التنويع الاقتصادي ورؤية عُمان المستقبليّة.




