لو فهموا المعنى لأهدروا دمي!!

قدمت سعدية مفرح في أمسية بالكويت قراءة احتفائية بشعر قاسم حداد، متتبعة فرادة تجربته من بشارته البحرينية عام 1970 حتى دفاتر فان جوخ عام 2015.

لو فهموا المعنى لأهدروا دمي!!
Atheer - أثير

لو فهموا المعنى لأهدروا دمي!!

لو فهموا المعنى لأهدروا دمي

 سعدية مفرح

 

مساؤكم قراءة.. يا أصدقاء القراءة.

مساؤكم شعر.. يا أصدقاء الشعر.

مساؤكم قاسم.. يا أصدقاء قاسم.

ولا يمكن لأصدقاء الشعر والقراءة إلا أن يكونوا أصدقاء لقاسم..

نحن اليوم في حضرة هذا الشاعر الذي ينام في أحضان الجنيات ويمشط جدائل الساحرات ويرسم القصائد قلائد لهن..

“أيقظته ساحرة ذات فجر

ورَسَمَتْ له رمزَهاوسقته كأسَـها،كلما غفى رآها عند حرفه ساهرة”.

ثم أنها أوقفته في الرؤية وقالت  له:”اسردْ أخبارك عليهم، يضعون أكفّهم على وجوههم لفرط الخجل، ولا يستحون. فلا أنت تجهل ولا هم يعلمون”.

ثم أنها حذرته:

“لا تكلمهم إلا رمزاً، ففي ذلك نعمةٌ لهم، ورحمةٌ عليك”.

ثم أنها همست له : “ليس الكلام في الكتب،الكلام في الناس”.

إنها .. شعرية قاسم حداد المتأبية..

يتساءل في اختبار شعري ناجز، تعريفا بالشخص في ليل الوهدة كما يسميه :

” ماذا يفعل شيخ الأشباح

لموتى يحتفلون بأخبار بقاياهم

في ليل الوهدة ؟!”

وقاسم حداد الذي يطرح السؤال إجابةً على ما هو أعمق من الأسئلة القابعة في قاع الروح شاعرٌ، وفقا لتقاليد قصيدته المفردة في محيطها الجغرافي والتي تركت كثير من رفيقاتها في غيوب التقليد وأمان الشاطئ ودفء رماله لتذهب إلى غياهب الفرادة ووحشة الطريق  باكرا، من قلة مبدعة، ظل قادرا على أن يصنع لقصيدته أجنحتها الخاصة والطيران بها في سماوات يلون أقاصيها بأطياف الموسيقى، ويزرع في شرفاتها العلوية نباتاتِ الولع بالحياة والدهشة ،  بدلا من البقاء في ظلها المتلاشي.

فكانت قصيدته واحدة من المنارات النادرة  التي أضاءت ليل الخليج قبل أكثر من أربعين عاما بالحميم من التجربة الشعرية، والاصرار على الخصوصية في هامش من جوقاتٍ مدعية يتعالى زعيقها المستعار صدى للمتحقق من الشعر لدى الآخرين.

 لقد أصر على نحت تماثيل شعرية تضيء في الماء، لفرط رهافتها../

وهو منذ بشارته البحرينية الأولى في العام 1970، وحتى دفاتر فان جوخ الأخيرة 2015، بقي ذلك البحر المستوي على بحرين ، الطالع منهما إلى العالم كله علاجاً للمسافة، لا يفرق بين شعر ونثر وإن تفرقت النصوص عنه ومنه وفيه، وتوزعت دمَها ودمَه قبائلُ الكلمات في عزلة الملكات.

 له حصةٌ في الولع بكل مكان وزمان.. ولكنه ليس ضيفا على أحد.

 قاسم المختلف ككل شاعر يتوسد القصيدة المستحيلة، المأخوذ بشهوة القول الى حيث البئر الأولى يمتح منها ما يشاء من القصائد. يتشظى في حديقة التجربة، ولا يخضع لسطوة المألوف ولا لراحة السائد ولا لمتعة الاستقرار.. فالشعر عكس ذلك. والقصيدة كسر!

في واحدة من محاولاته لوصف ذاته كتب: “أضع المرآة على الطاولة. أحملق، وأتساءل: من يكون هذا الشخص ؟ أكاد لا أعرفه. أستعين بالمزيد من المرايا. وإذا بالشخص ذاته يتعدد أمامي ويتكاثر مثل الصدى في كاتدرائية الجبال، فأتخيل أنني قادر على وصفه : إنه قاسم حداد   .. تقريبا”.

وبالنسبة لنا ، نحن مريديه هو قاسم حداد بالتأكيد.. فتى النهروان القديم الذي  ما زال يمشي برعاية عمال ورشة الأمل في السهوب والسهول .. مأخوذا بفتنة السؤال .. ومخفورا بالوعي والوعول.

يقول : “لو فهموا المعنى لأهدروا دمي”..

يا سيدي.. لا نريد هذه الليلة أن نفهم المعنى لكي نهدر دمك.. لكننا نريد أن نسمعك! 

 

ــــــــــــــــــ

(*) تقديم أمسية الشاعر قاسم حداد في الكويت مؤخرا، وما بين الأقواس من قصائده بتصرف يسير أحياناً.

 

شارك هذا الخبر