أثير - الركابي حسن يعقوب
على الرغم من حالة التباعد في المواقف والحرب الكلامية والتصريحات النارية المتبادلة بين طهران وواشنطن، والتي تتصاعد وتيرتها يوماََ بعد يوم ،إلا أن تحليل هذه المواقف وتفكيك مضامين التصريحات والحرب الكلامية أخذاََ في الاعتبار السياق الظرفي الراهن للصراع بين الجانبين يعطي نتيجة وخلاصة مفادها أن كلا الطرفين يسعى إلى إيجاد منفذ للخروج عبره من الصراع لكن دون إراقة قطرة من ماء الوجه.
وعنصر الوقت هو المتغير الثابت في معادلة الصراع الأمريكي الإيراني، إذ أن هذا العنصر يمثل عامل ضغط بدفع متساوي على الجانبين، وفي نفس الإتجاه، وصوب نفس الوجهة وهي التفاوض وتسوية الصراع ، وإن اختلف الدافع والسبب بين الطرفين، فطهران تدفعها رغبتها في التخلص من وطأة الحصار والخنق الإقتصادي وتفادي مواجهة مفتوحة النهايات ربما لا تقوى على تحمل تبعاتها في الأجل الطويل، بينما إدارة ترمب في سباق مع الوقت لإحراز هدف في المرمى الإيراني ليتسنى لها التأهل لخوض انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي اقتربت ودنا ميعادها بوضع أفضل مما هي عليه الآن، حيث أنه ليس في جعبتها حتى الآن ما يضمن لها الحفاظ على أغلبيتها في ظل ظروف داخلية اقتصادية وسياسية غير مواتية.
وثمة مؤشرات عديدة تدعم صحة هذا الزعم وتثبته، وهي مؤشرات مستقاة ومستخلصة من التصريحات والحرب الكلامية المتبادلة التي تبدو في ظاهرها تصعيدية لكنها في حقيقتها لا تعدو أن تكون نوعاََ من “الاسقاط” Projection وهي حالة نفسية ظلت تعتري الطرفين منذ التوقيع على مذكرة التفاهم قبل أكثر من ثلاثة أشهر، و “الإسقاط” هو حالة دفاع استباقي يقوم كليهما بالهجوم على الآخر.
الجانب الأمريكي هو الطرف الأشد حدة في هذه الحرب الكلامية التي يتولاها الرئيس ترمب بنفسه بتصريحاته النارية التي يرسلها بشكل يومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الطرف الإيراني، وآخرها تلك التي أعلن فيها عن خيارات ثلاث قال إن على إيران أن تأخذ بأحدها، وهي خيارات جاءت محمولة على متن ألفاظ غير مألوفة دبلوماسياََ ولا بروتوكولياََ، لكنها “ترامبياََ” تعتبر اعتيادية لكثرة ما درج على إستخدام أشباهها. والخيارات الثلاث حسبما ذكرها الرئيس ترامب هي إما المحو ، وإما التعفن اقتصادياََ ، وإما التوصل إلى صفقة!! وكعادته جعل ترامب الباب موارباََ حين أردف بالقول إنه في الوقت نفسه منفتح على لقاء الرئيس الإيراني بزشكيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلى الرغم من العنف اللفظي الذي صاحب العرض الأمريكي، إلا أنه يمكن أن نلحظ فيه منفذاََ تعمد الرئيس ترامب إحداثه ليمثل مخرجاََ له ولإيران في نفس الوقت، فالتخيير بين خيارَي المحو والإنهيار الإقتصادي من جهة، والقبول بصفقة يتم التوصل إليها هو في حقيقته تخيير “إيحائي” إن صح التعبير، بمعنى أن الرئيس ترامب يطرح لإيران خيار التفاوض كخيار أوحد ومناسب لها ولبلاده، كما لو أنه يرشد طهران لاختيار الخيار الصحيح.
كما أن إشارته بامكانية الإلتقاء بالرئيس الإيراني تدعم هذا الإتجاه بصورة مباشرة وأكثر وضوحاََ. ولعله مما يجدر ذكره هنا بشأن استعداده للقاء الرئيس الإيراني أن بزشكيان هو الأكثر مقبولية والأكثر مرونة في نظر الشخصيات الفاعلة داخل الإدارة الأمريكية وأنه الأكثر ميلاََ واستعداداََ للانخراط في أي صيغة للتسوية تطرحها واشنطن تنهي الحرب، وترى إدارة ترمب أن بزشكيان يقف على الطرف النقيض للمعكسر المتشدد الذي يتزعمه قادة الحرس الثوري ومجموعة من رجال الحرس القديم في النظام، ولعل المؤشر القوي على رغبة أمريكا في الخيار التفاوضي هو سماحها للوفد الإيراني بحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة رفيعة المستوى، والغرض من ذلك تهيئة الفرصة للالتقاء بالوفد والتباحث حول عدد من قضايا الخلاف توطئة لجولة لاحقة من التفاوض بناء على ما يتم التوافق عليه، وهي فرصة من الصعب أن تتكرر في المدى القريب، ولعل امتناع الخارجية الأمريكية عن منح تأشيرات دخول للفريق الإعلامي الإيراني المصاحب لوفد بزشكيان يأتي لمزيد من إحكام التهيئة للاجتماع ولمنع أي تسريبات غير مرغوبة من الجانب الأمريكي قد تضر بمخرجات الإجتماع.
مؤشر آخر من جانب الطرف الإيراني هذه المرة يدلل على تبلور قناعة لديه بجدوى وضرورة الجنوح نحو التفاوض، وهو ما يمكن قراءته واستنباطه من بين سطور الشروط الإيرانية الثلاثة التي أعلن عنها قاليباف للتفاوض، وهي وقف الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات، وإنهاء الحصار البحري المفروض على الموانيء الإيرانية، و الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. ويلاحظ على هذه “الشروط” أنها في الحقيقة ليست شروطاََ بالمعنى الحرفي وإنما هي قضايا تفاوض في الأساس وأجندة مباحثات، فطهران تعلم علم اليقين إن أمريكا يمكن أن توافق على هذه “الشروط” لكن بمقابل، وهذا المقابل لن تمانع طهران في منحه وهي مجموعة تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي ومضيق هرمز والراجح أن هذين الملفين النووي وهرمز سيكونان محل مباحثات ونقاش وتفاوض في اللقاء المرتقب بين بزشكيان وترامب وفريقيهما في نيويورك.
والدليل على صحة هذا الاستنتاج هو أن الملفين لم يأتِ أياََ من الطرفين على ذكره في هذه المرحلة، فطهران لم تفصح رسمياََ ضمن شروطها السبع التي أعلنت أنها قدمتها للجانب الأمريكي عن قضية مضيق هرمز ولا البرنامج النووي ويبدو الأمر كما لو كان متفقاََ عليه بين الجانبين والوساطة منعاََ للتشويش.
والراجح أن طهران ستقدم تنازلات في ملفي هرمز والبرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الإقتصادية وربما تساوم على البرنامج الصاروخي - الذي هو مطلب إسرائيلي - بمطالبة واشنطن بدفع تعويضات عن الأضرار الناتجة عن الضربات الأمريكية، ليس لأنها تريد التعويض بالفعل ولكن بغرض حماية البرنامج الصاروخي وإخراجه من المعادلة فطهران تدرك أن واشنطن لن تقبل بفكرة التعويض.
ومؤشر آخر على رغبة طهران في الحل التفاوضي، هو توقف وزير الخارجية الإيراني في الدوحة وهو في طريقه إلى نيويورك لإجراء مشاورات سياسية مع الجانب القطري الذي يقود جهود دبلوماسية مكثفة لاستئناف المحادثات بين طهران وواشنطن ومن المؤكد أنها مشاورات اللحظة الأخيرة حول ما سيتم التداول حوله بين الجانبين الأمريكي والايراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن القضية الأكثر أهمية بالنسبة للجانب الأمريكي هي قضية البرنامج النووي الإيراني حيث ظل وما يزال الرئيس ترامب يردد بعدم تمكين إيران من إنتاج سلاح نووي وجعل ذلك خطاََ أحمر وعنواناََ لانتصار يزمع تقديمه للشعب الأمريكي، ولطالما ردد قاليباف قوله بأن بلاده لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية وأنها ملتزمة بفتوى تحريمها وأن برنامجها النووي سلمي.
أما قضية مضيق هرمز فإن الرؤية المشتركة حوله بين طهران ومسقط الدولتين المشاطئتين له ورؤى بقية دول المنطقة التي لا تبعد كثيراً عن هذه الرؤية المشتركة لن تكون محل رفض مغلظ من جانب أمريكا ويمكن أن تدخل عليها تعديلات طفيفة لتكون مقبولة من كل الأطراف.
هكذا يبدو المشهد ومآلاته، ولكن يظل “نتنياهو التفاصيل” حاضراََ في أروقة الإجتماع في نيويورك ، فمن أشعل الحرب وانقلب على المفاوضات لن يكف يديه عن محاولة تخريبها مرة أخرى، لكن ربما تكون مهمته صعبة هذه المرة.






