

السيف النقاد العُماني
ظللت سحائب الحزن داخلي فور ورود رسالة إلى هاتفي تحمل نبأ رحيل الشيخ الداعية خلفان بن محمد العيسري إلى دار الخلود بعد صراع طويل مع المرض ورحلة من الكفاح والنجاح والإنجازات الفكرية والدعوية والتأريخية والثقافية والإنسانية والوطنية بكفاءة واقتدار بالغين.
نعم .. لقد انتقل إلى رحمة الله يوم 23 رجب 1436هـ 12 مايو 2015م رجل الإنسانية والنبل والكرم.. اسم يكتبه التاريخ بمداد من ذهب كأحد أهم وأبرز رموز عُمان، معلم وأب حاني، يسجل له التأريخ العماني المجيد صفحات بيضاء ناصعة. فالشيخ خلفان العيسري رحمه الله لم يكن رجلاً عادياً… بل كان رجلاً مميزاً ومُجيداً ، وشخصية فريدة من نوعها ، جمع العديد من القيم والخصال الحميدة التي من النادر أن تتجمع في شخص واحد. فقد كان مخلصاً ، محباً للخير سخياً، صادقاً، على درجة كبيرة من كرم الأخلاق وطيب المعشر. إضافة إلى كونه مثقفاً واعياً محباً للعلم والمعرفة، وكان قمةً في التواضع، إلى جانب كونه أحد رجالات تجديد الفكر الديني في السلطنة ، مُثقفاً من الطراز الأول لم تشغله التشققات المذهبية ولا النعرات الدينية ولا الأفكار الحداثية ، لم تشغله أعماله – رغم كثرتها – عن النشاط الدعوي والإنساني والثقافي والفكري ، فله فيها بصمات واضحة على جدار الفكر ورقي المعرفة .. وتظل محاضراته الدينية الفكرية ونشاطه الدعوي الذي دخل بسببه الكثيرون إلى الإسلام أحد أعماله وغرة في جبين تاريخ نشر الثقافة الإسلامية والعربية والعمانية ، لم أر الشيخ خلفان رحمه الله قاطب الحاجبين، حتى وهو يئن فوق فراش المرض ، فقد رأيته مبتسما دائما ، ينثر قيم الصبر ، وينشر التسامح كسجية العماني دائماً – وما أجملها من سجيّة – مرفوقة بالعزة والكرامة في أي مكان يحل فيه ، ويؤكد على أهمية الحفاظ على منجزات الوطن والالتفاف على قيادته وألّا نألو جميعاً قيد أنملة عن تقيدم كل ما لدينا من طاقات وتسخيرها لأجل عُمان من دينياً وفكرياً وثقافياً ، وكم ستحتاج مثله هذه الأمة جمعاء ، ففي مثل هذا الزمن الذي تواجه فيه القيم العربية مخططات التمزيق والتفتيت والفتنة الطائفية البغيضة والمدمرة، وإعمال القتل والذبح لا زلت أتذكر كلمته “ذكرت غير مرة عن ثقافة الشعوب العربية عامة حيث تطغى سمة الشماتة والطعن واللمز والسب والشتم والشك واحتقار الآخر والإحساس بالظلم ، لست ضد المطالبة بالحقوق ولا بالاعتذار من المخطئ. ما يهمني هو أسلوب التفاعل مع الحدث(سباب المسلم كفر وقتاله شرك) فأين نحن من الأخلاق المحمدية؟
حين تفقد عمان أحد رجالاتها الكبار من أمثال الشيخ خلفان العيسري الله وطيب ثراه فإنها حتماً تعيش حالة من الحزن ، فالشيخ خلفان أحد رموز النهضة والثقافة والعلوم والآداب والدعوة إلى الله ، ولنا في مشاهد الحزن والنعي التي عمّت كل مواقع التواصل الاجتماعي والمجالس الفكرية ، وكيف كانت محاضراته تتسرب إلى العُمق سريعاً إلى القلوب بأسلوب قلّ نظيره هكذا أيها المرحوم الشيخ ستفتقدك عًمان، ستفتقدك منابر العيد والجمعة ، ستفتقدك أفئدة تهوي حُباً للدين الإسلامي، ولا عزاء لعُمان والأمة إلا بذكراك الطيبة… نعم إن للموت هيبة فاجعة.. ولاسيما عندما تفقد الأمة والوطن رجلاً من رجالاتها ونبيلاً من نبلائها، قدم لدينه ثم وطنه من نفسه ونفيسِه ما يسجل بمداد من نور في صفحاته المضيئة، رجل لن تنساه عًمان قاطبة، ولكنه الأجل المحتوم، والقدر المكتوب، ارحل مُطمئناً أيها الشيخ الكريم الحبيب الأريب خلفان العيسري ، ارحل فستظل بيننا حياً وألسنتنا وقلوبنا لاهجة بالدعاء لروحك الطاهرة بالرحمة والثواب العظيم ، عظم الله أجر عُمان وأهلها بوفاتك ونعدك أيها الشيخ أننا آمنا بالله وقضائه وحُق لك هذا النعي العظيم ، فقد سكنت القلوب وتدثرت الأرواح ، عُمان كلها تبكيك وتترحم عليك وهي ستظل كما قلت يوماً “أنا مؤمن بأن عمان كانت وما زالت وستبقى في خير ببركة دعاء الحبيب المصطفى محمد لأهلها وشعبها الأبي. والتأريخ يشهد بثباتنا على أخلاقنا وقيمنا”
حتام يا دهري لا تبقي على بشر … وحتـــام ضــيم الحــر إحســـــان
أكل رأيك حربي أم لها أمد … فإن عهــدي و للحــالات ألـــــوان
حل العقال و أطلقني إلى سعتي… ففي سجــونك للميــدان فرســــان
يا دهر يا باخس الأحرار حقهم… أعــط العـــدالة إن الله ديـــــــان
فيم التقصي بأهل الفضل إن نقصت.. حسناك زادوا و إن شان الورى زانو*
وإننا إذ نعزي بادي الأمر مقام مولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه على وفاة أحد أهم وأبرز الُمكرمين أعضاء مجلس الدولة ، ومن ثم أفراد أسرته الكريمة والمكرمين أعضاء مجلس الدولة والدعاة والمثقفين فإننا نرفع أكف الضراعة أن يغفر له ويرحمه ويُبدل سيئاته حسنات، ويضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، وأن يوسع منزله ويغسله بالماء والثلج والبرد .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
*أبو مسلم البهلاني




