أكثر من 700 سفينة صيد حرفي أمام ”المأسسة“: ماذا يتغيّر؟

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

أكثر من 700 سفينة صيد حرفي أمام ”المأسسة“: ماذا يتغيّر؟
سفن صيد
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
لا تبدو عملية تطوير أسطول الصيد الحرفي في سلطنة عُمان مجرد تحديث لمواصفات السفن أو إضافة معدات جديدة، بل ترتبط بانتقال تدريجي من نمط الملكية الفردية إلى الملكية المؤسسية، وفق متطلبات تنظيمية وفنية وتمويلية تستهدف رفع كفاءة الأسطول وتحسين بيئة العمل والسلامة على متنه.
وفي هذا السياق، جاءت ندوة ”تطوير سفن الصيد الحرفي.. نحو أسطول أكثر كفاءة واستدامة“ التي نظمتها المديرية العامة للثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بمحافظة الوسطى يوم أمس، ونشرت تفاصيلها وكالة الأنباء العمانية، لتستعرض برنامج التطوير وإجراءات الانتقال من الملكية الفردية إلى المؤسسية، إلى جانب واقع القطاع والتحديات والفرص المرتبطة به.

ماذا تستهدف عملية تطوير السفن؟

يستهدف البرنامج الحفاظ على أسطول الصيد الحرفي القائم وتطويره وفق معايير محددة، من خلال تحسين مرافق السفن وتجهيزاتها ورفع مستويات السلامة والأمان، إلى جانب إتاحة الاستفادة من العمالة الوافدة عند الحاجة، وخلق فرص عمل للعُمانيين.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالنظر إلى حجم الأسطول؛ إذ يبلغ عدد سفن الصيد الحرفي العاملة في المياه العُمانية 709 سفن، يعمل على متنها 4,121 عاملًا وافدًا مرخصًا.
وفي محافظة الوسطى وحدها، يبلغ عدد الصيادين نحو 4,724 صيادًا، فيما يصل عدد سفن الصيد الحرفي إلى 100 سفينة، ما يجعل تطوير الأسطول مرتبطًا بصورة مباشرة بواقع العاملين في القطاع وحجم النشاط الاقتصادي المرتبط به.

ماذا تقول اللائحة عن شكل السفينة؟

لا تقف عملية التطوير عند تغيير الملكية، إذ تضع اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المائية الحية عددًا من المتطلبات المتعلقة بتجهيز سفن الصيد الحرفي، بما يعزز جاهزيتها للعمل ويحسن ظروف العاملين على متنها.
وتشمل هذه المتطلبات توفير أماكن إقامة لأربعة أشخاص، ودورة مياه، وصندوق تبريد آلي، وجهاز تحديد المواقع (GPS)، وجهاز صدى الأعماق (Echo Sounder)، وجهاز اتصال لاسلكي (VHF)، وونش هيدروليكي.
كما تتضمن اشتراطات السلامة وجود قوارب نجاة، وحقيبة إسعافات أولية، وسترات وحلقات نجاة، وطفايات حريق، ونظام للمراقبة.
وبذلك، فإن الانتقال إلى الملكية المؤسسية لا ينفصل عن مسار أوسع لتحديث السفينة نفسها، لتصبح أقرب إلى وحدة تشغيلية مستوفية لمتطلبات السلامة والعمل والإنتاج.

كم سفينة أنجزت الانتقال إلى الملكية المؤسسية؟

بحسب البيانات التي استعرضتها الندوة، أكملت 422 سفينة إجراءات الانتقال إلى الملكية المؤسسية، بما يمثل 59.5% من إجمالي الأسطول.
وتأتي محافظة الوسطى ضمن المحافظات التي قطعت شوطًا في هذا المسار، إذ بلغ عدد السفن التي أكملت الانتقال فيها 90 سفينة، تمثل نحو 21% من إجمالي السفن التي أنجزت إجراءات التحول.
ويستند الانتقال من الملكية الفردية إلى الملكية المؤسسية إلى قرار وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه رقم 249/2025، بما يضع العملية ضمن إطار تنظيمي يستهدف إعادة تنظيم ملكية وتشغيل سفن الصيد الحرفي.

ماذا تعني ”المأسسة“ بالنسبة للسفينة؟

المقصود ليس تغيير اسم المالك فقط، بل الانتقال إلى نموذج مؤسسي يرتبط بمتطلبات قانونية وفنية وتشغيلية.
وتفرض متطلبات اللائحة أن يكون مقدم الطلب في الحالات المشمولة بالانتقال شركة عُمانية مملوكة بالكامل لعُمانيين، ويكون نشاطها الرئيسي الصيد الحرفي، بما يربط ملكية السفينة بنشاط تجاري مؤسسي واضح.
ومن هنا، تتقاطع عملية المأسسة مع تطوير السفينة؛ فالشركة المالكة مطالبة بالتعامل مع متطلبات التجهيز والسلامة والعمالة والتشغيل ضمن منظومة أكثر تنظيمًا.

كم تبلغ كلفة تطوير السفينة؟

تُقدّر كلفة التعديلات المطلوبة على السفينة بنحو 3 آلاف إلى 5 آلاف ريال عُماني، وتشمل أعمالًا مرتبطة بتوفير أماكن الإقامة والمرافق الأساسية والتجهيزات المطلوبة.
ولا تأتي هذه الكلفة منفصلة عن حجم الأسطول؛ إذ إن استمرار البرنامج يعني التعامل مع مئات السفن، فيما تبلغ القدرة التنفيذية الحالية نحو 10 إلى 15 سفينة شهريًا.
وهذا يجعل عامل الوقت جزءًا من معادلة التطوير، إلى جانب قدرة الملاك على توفير التمويل اللازم لإجراء التعديلات المطلوبة.

هل يخفف التمويل كلفة الانتقال؟

لم تقتصر الندوة على عرض المتطلبات، بل ناقشت كذلك الجانب التمويلي، مع إتاحة قروض من ”بنك التنمية“ بفائدة تبلغ 3%، وفترة سداد تتراوح بين 7 و 8 سنوات، مع سنة واحدة كفترة سماح.
كما أُشير إلى تثبيت رسوم الملاحة عند 25 ريالًا عُمانيًا، في إطار الإجراءات المرتبطة بتشغيل السفن وتطويرها.
وتوفر هذه التسهيلات مسارًا تمويليًا لملاك السفن الراغبين في استكمال المتطلبات، خصوصًا أن كلفة التعديل قد تمثل تحديًا عند النظر إليها على مستوى كل سفينة، وتتضاعف عند احتسابها على مئات السفن.

ماذا عن العمالة والحماية الاجتماعية؟

يرتبط تطوير الأسطول كذلك بالعنصر البشري؛ فالبرنامج يستهدف تحسين بيئة العمل على متن السفن، مع السماح بالاستعانة بالعمالة الوافدة عند الحاجة، بالتوازي مع إيجاد فرص عمل للعُمانيين.
واختُتمت أوراق الندوة بورقة حول منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين لحسابهم الخاص ومن في حكمهم، مع التأكيد على أهمية استفادة الصيادين وأصحاب أعمال الصيد من مظلة الحماية الاجتماعية، بما يدعم الاستقرار الأسري والاجتماعي والمهني للعاملين في القطاع.

ماذا تكشف الندوة عن مستقبل الأسطول؟

تضع البيانات المطروحة أمام القطاع معادلة واضحة: أسطول قائم يضم 709 سفن، ومتطلبات تنظيمية وفنية جديدة، ونحو 3–5 آلاف ريال لتطوير السفينة، وتمويل متاح بشروط محددة، ومسار انتقالي أنجزته 422 سفينة حتى الآن.
وفي محافظة الوسطى، حيث يلتقي عدد كبير من الصيادين بسوق نشط للصيد الحرفي، تبدو عملية التطوير مرتبطة بما هو أبعد من تحديث السفينة؛ فهي تمس طريقة الملكية، وبيئة العمل، والسلامة، والعمالة، وقدرة القطاع على زيادة القيمة المضافة للمنتجات البحرية ودعم الأمن الغذائي.

لائحة واحدة تجمع تنظيمات سابقة

وتأتي هذه التغييرات ضمن إعادة تنظيم أوسع لقطاع الثروة المائية الحية؛ إذ أصدرت اللائحة التنفيذية الجديدة هذا العام، وألغت 14 قرارًا سابقًا كانت تنظم جوانب مختلفة من القطاع، من بينها الصيد التجاري، والرقابة على كميات صيد الأسماك، وأسعار الثروات المائية الحية التي يتم ضبطها، وسفن الصيد الحرفي، وممارسة هواية الصيد.
وتضم اللائحة الجديدة 366 مادة و16 ملحقًا، لتجمع في إطار واحد الأحكام المنظمة لمختلف الجوانب المرتبطة بالثروة المائية الحية.

شارك هذا الخبر