رصد - أثير
أظهرت الثورة الرقمية بصورها المتمثلة في الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة تغييرًا في مختلف مجالات الحياة، حيث يعد الذكاء الاصطناعي هو السبب الرئيس في التطور الهائل الذي تشهده البشرية، نتيجة الأنظمة التي تعمل بها تطبيقاته المادية مثل الروبوتات، وقد أسبغ الإنسان جوهره الإنساني على الأشياء منذ القدم، بدءًا بتشكيل الطين على هيئة الإنسان، إلى أن حاكى هيئته البشرية بتصنيع الروبوت. كما حاول الإنسان استنساخ عمليات عقله في تطبيقات متعددة سميت بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتم استخدام الروبوت في مختلف المجالات ومنها المجال الطبي، حيث تم الاستعانة به لإجراء العمليات الجراحية، وبالرغم من فوائد الذكاء الاصطناعي في تسهيل أمور الحياة إلا أن في الجانب الآخر العديد من الأضرار الناتجة عنه، والتي تستدعي البحث في المسؤولية المترتبة عنها.
وقد تناولت ورقة بحثية رصدتها ”أثير“، منشورة ضمن أعمال المؤتمر العلمي الثامن لكلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، وعنوانه ”التحديات القانونية في العصر الرقمي“ في عام 2024م من إعداد مريم الوهابية والعنود الفارسية، تحت عنوان: المسؤولية المدنية الموضوعية الناتجة عن أضرار الروبوتات الطبية، مدى صلاحية قواعد المسؤولية المدنية الموضوعية للتعويض عن أضرار الروبوتات الطبية، كما عرضت بدائل مبتكرة للتعويض عن الأضرار وأوصت المشرّع العُماني بإصدار قانون خاص ينظمها.
ما الروبوت الطبي ؟
يعد الروبوت من أهم صور الذكاء الاصطناعي، وتتعدد المجالات التي يتم فيها استخدام الروبوت ومنها المجال الطبي، ويعرف علم الروبوتات بأنه ”علم قائم على استخدام الذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب والهندسة في تصميم الآلات التي تبرمج للقيام بأعمال محددة، ولا يوجد تعريف قانوني للروبوت ما عدا قانون تطوير الروبوتات وترويج التوزيع الكوري الذي عرفه بأنه ”جهاز ميكانيكي يدرك البيئة الخارجية بنفسه، ويميز الظروف، ويتحرك بشكل إرادي“.
ويتنوع دور الروبوتات الطبية بين الجراحة مثل روبوت دافنشي الجراحي من شركة Surgical) (Intuitive، واستبدال الأطراف المفقودة في جسم الإنسان مثل ) Arm DEKA (System، وهي ذراع إلكترونية صممت لمساعدة مبتوري الذراع، وتشخيص الأمراض، واتخاذ القرارات، والرعاية التي تستخدم لكبار السن.
كيف ينظر القانون إلى الروبوت ؟
جعلت التشريعات صلاحية اكتساب أشخاص القانون للحقوق وتحمل الالتزامات مشروطة بتوافر الأهلية اللازمة، والتي تختلف باختلاف أشخاص القانون، حيث يكتسب الإنسان الطبيعي الشخصية القانونية بتمام ولادته حيًا. أما الشخص المعنوي فيكتسب الأهلية بموجب نص القانون الذي يعترف له بوجوده ويمنحه مكنة اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
والروبوت لا ينطبق عليه أيٌّ منهما؛ فهو ليس إنسانًا يولد، وليس مجموعة من الأشخاص أو الأموال تجتمع لتحقيق هدف.
طرح بعض الفقه فكرة ثالثة: ”الشخصية الإلكترونية“، بحيث يُنشأ سجل خاص بالروبوتات على غرار سجل الشركات، وتُرصد لها ذمة مالية مستقلة تضمن التعويض، لكن الفكرة قوبلت باعتراض جوهري: الاعتراف بشخصية مستقلة للآلة يعني عمليًا نقل عبء المسؤولية من المصمم والمنتج إلى الآلة ذاتها، وهو ما قد يشجع الشركات على إنتاج أجهزة طبية عالية المخاطر وهي مطمئنة إلى أن الضمان لن يصل إليها. يُضاف إلى ذلك أن الاستقلالية التي يُحتج بها ليست مطلقة، فالخيارات المتاحة أمام الروبوت مُحدَّدة سلفًا في برمجته.
والنتيجة أن الروبوت الطبي، وفق التشريعات النافذة اليوم في سلطنة عُمان وأغلب الدول المقارنة، يظل ”شيئًا“، وهذا التوصيف هو ما يفتح الباب أمام مسارين للتعويض.
المسار الأول: حارس الأشياء
تنص المادة (199) من قانون المعاملات المدنية العُماني على أن من كان تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها، أو آلات ميكانيكية، يلزمه التعويض عما تُحدثه من ضرر، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه، وهنا يُعفى المتضرر من إثبات الخطأ، ويُفترض الخطأ في جانب الحارس افتراضًا لا يقبل إثبات العكس، فلا يتخلص منه إلا بإثبات القوة القاهرة أو الظرف الطارئ.
والحراسة في الفقه تقوم على عنصرين: عنصر مادي يتمثل في سلطات الاستعمال والتوجيه والرقابة، وعنصر معنوي يتمثل في استغلال الشيء لمصلحة الحارس الشخصية، وبتطبيق ذلك على الروبوت الطبي، يكون المالك، وهو غالبًا مستشفى حكومي أو خاص، هو الحارس المفترض.
ويشترط لقيام هذه المسؤولية شرطان: أن تكون حراسة الشيء مقتضية عناية خاصة بحكم تكوينه أو طبيعته أو تركيبه، وأن يقع الضرر بفعل الشيء نفسه لا بمجرد تدخله السلبي، فالتدخل الإيجابي هو مناط المساءلة ولو لم يكن ثمة اتصال مادي مباشر بين الشيء والمضرور، ويظل الحارس مسؤولًا حتى لو أفلت الشيء من يده، ما لم يثبت أن ذلك وقع لسبب أجنبي لا يد له فيه.
غير أن هذا المسار يواجه اعتراضين وجيهين؛ أولهما أن الحراسة فكرة مادية بطبيعتها، بينما جوهر الروبوت ليس هيكله المعدني بل البرمجيات والأنظمة التي تحركه، وهي غير ملموسة، فصحيح أن روبوتات الجراحة والتشخيص تتخذ صورة مادية محسوسة تُسهّل تطبيق القواعد، لكن التطبيقات الطبية التي لا تأخذ شكلًا ماديًا.
أما الاعتراض الثاني يتعلق بمعايير الحراسة التي تقوم على الرقابة والتوجيه، بينما أُنشئ الذكاء الاصطناعي أصلًا ليتحرر من رقابة الإنسان، فكيف نطالب الطبيب أو إدارة المستشفى بممارسة رقابة على نظام صُمم كي يعمل من دونها؟ ولو مارسوها فعلًا لأهدروا الغاية من الجهاز نفسه: الدقة وسرعة القرار.
اقترح الفقه مخرجًا: نقل الحراسة من طابعها المادي إلى طابع قانوني، بربطها بالملكية أو بالحق الثابت على الشيء بدلًا من السيطرة الفعلية عليه، وهو حل يتيح الاستفادة من ضمانات المسؤولية عن الشيء، ويتوافق مع الصبغة التأمينية التي غلبت على المسؤولية المدنية المعاصرة.
المسار الثاني: المنتَج المعيب
المسار الآخر ينقل البحث من الخطأ إلى العيب، فالمسؤولية عن فعل المنتجات المعيبة، كما استقرت في التوجيه الأوروبي الصادر في 25 يوليو 1985 ثم في القانون المدني الفرنسي، تُلزم المنتِج بالتعويض عن الضرر الناشئ عن عيب في مُنتَجِه، سواء ارتبط بالمتضرر بعقد أم لم يرتبط، والمُنتَج يُعد معيبًا إذا لم يحقق مواصفات السلامة المتوقعة منه بمعيار موضوعي هو التوقع المشروع للشخص المعتاد.
المشرّع العُماني لم ينظم هذه المسؤولية بنصوص خاصة، وبالتالي تخضع للقواعد العامة في المسؤولية العقدية أو الفعل الضار، وحتى لو نُظمت، فإن ثلاث عقبات تنتظرها:
أولاها التكييف: التوجيه الأوروبي يعرّف المُنتَج بأنه ”كل مال منقول“، والذكاء الاصطناعي في جوهره غير مادي، فيخرج من التعريف وإن اندمج في جسم مادي محسوس.
وثانيتها تعدد المتدخلين: في صناعة روبوت طبي واحد يتدخل المصمم والمبرمج والمطور والمستورد، فيصعب تحديد من يُنسب إليه العيب، وتزداد الصعوبة حين يكون البرنامج المشغّل مفتوح المصدر، يعدّله ويطوّره من يشاء.
وثالثتها الإثبات: على المتضرر أن يثبت العيب والضرر وعلاقة السببية بينهما، وكيف له أن يميز بين ضرر مصدره عيب في التصنيع أو التصميم، وضرر مصدره قرار مستقل اتخذه النظام الذكي بنفسه؟ وهو ما يفسر فشل القضايا التي رُفعت أمام القضاء الأمريكي ضد الشركة الصانعة لروبوت ”دافنشي“ الجراحي.
البدائل المبتكرة للتعويض عن أضرار الروبوت الطبي
أمام قصور المسارين، اتجه الفقه إلى بدائل تعمل على مستوى النظام لا على مستوى الدعوى الفردية، وثلاثة منها تستحق الاهتمام:
التسجيل الإلزامي، بحيث يُنشأ سجل موحّد للروبوتات منذ لحظة إنشائها، تديره جهة مختصة، وتُمنح فيه أرقام تسلسلية وأرقام تعريف محمية يمكن عبرها الرجوع إلى المصنع والمصمم وكل من أسهم في إنتاج الجهاز، وهذا ما ذهب إليه قرار البرلمان الأوروبي بشأن قواعد القانون المدني للروبوتات، قياسًا على تسجيل الشركات التجارية.
والتأمين الإلزامي، على غرار التأمين الإجباري على المركبات، بحيث لا يُشغَّل الروبوت الطبي إلا بغطاء تأميني يضمن تعويض المتضررين، وقد أثبت التأمين جدواه في حماية المتضررين من أخطاء المهن، ومنها مهنة الطب لكن يبقى الخلاف قائمًا حول من يتحمل عبء التأمين: الشركة المصنعة أم المالك أم المستخدم، وهو خلاف لا يُحسم إلا بوجود سجل يميّز كل روبوت عن غيره.
وصناديق التعويض، بوصفها نظامًا تكميليًا يغطي الأضرار التي تفلت من المظلة التأمينية، كأضرار الروبوتات مجهولة الهوية أو غير المؤمَّن عليها، ويُموَّل من إسهامات المصنّع والمنتج والمبرمج والمستخدم والمالك.
إطار قانوني مقترح لتنظيم المسؤولية عن أضرار الروبوتات الطبية في سلطنة عمان
تملك السلطنة صندوقًا للتعويض عن الأخطاء الطبية أُنشئ بالمرسوم السلطاني رقم 67/2004، غير أن تعديلًا لاحقًا قصر تغطيته على الأخطاء الواقعة من العاملين في القطاع الحكومي، فيما يقوم القطاع الخاص على التأمين، فالبنية الأساسية للفكرة موجودة، وينقصها الامتداد إلى نوع جديد من الضرر لا يرتكبه إنسان.
لم ينظم المشرع العماني المسؤولية الناشئة عن الأضرار التي يسببها الروبوت بقواعد خاصة نظرًا للخصائص التي يتمتع بها الروبوت، ولذلك يتم تطبيق المسؤولية العقدية إذا توافر العقد، والمسؤولية عن الفعل الضار إذا لم يتوافر العقد، وإذا أردنا تطبيق قواعد حراسة الأشياء فإننا نجدها أشد جمودًا ومادية من أن تستوعب أضرار الروبوتات الطبية. كما أنّ قواعد المنتَج المعيب أضيق من أن تشملها، وبالتالي يكون الحل العملي هو إصدار قانون خاص ينظم المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بصورة عامة والمسؤولية عن الروبوت الطبي بصورة خاصة، على أن يتضمن القانون: إلزامية تسجيل الروبوتات من خلال جهة مسؤولة عن الروبوتات، واعتبار تسجيل الروبوت دليلًا على استيفائه الشروط والمعايير المطلوبة، وتفعيل نظام التأمين الإلزامي للأضرار التي يسببها الروبوت، بالإضافة إلى إنشاء صندوق تعويضات للمتضررين.
الورقة البحثية: المسؤولية المدنية الموضوعية الناتجة عن أضرار الروبوتات الطبية





