بين الوهمين … تعقيب على مقال ” تحرير العقل العماني من الأوهام: عاصفة الحزم نموذجا…”

ردّ عبدالحميد بن حميد الجامعي في مايو 2015 على مقال حمد الغيلاني، فراجع منطقه ومعلوماته، ونفى مشاركة عُمان في احتلال العراق، مع إقراره بحق نقد السياسة العمانية.

بين الوهمين … تعقيب على مقال ” تحرير العقل العماني من الأوهام: عاصفة الحزم نموذجا…”
Atheer - أثير

أثير – عبدالحميد بن حميد الجامعي

 

يقوم النقد الموضوعي عادة على البعد عن العاطفة كأساس أولي، بدءا بضبط العنوان، فدقة المعلومة المطروحة، فالتفنن في التعاطي معها بأدوات النقد الحقيقية من توثيق ومقابلة وغيرها، فالانتهاء به -اي النقد- الى وضع الحلول او مواطن الخلل في سبيل التصحيح والتوجيه…

 

لقد وقع بين يدي اليوم مقال للدكتور حمد الغيلاني بعنوان “تحرير العقل العماني من الأوهام: عاصفة الحزم نموذجا ..” وقد يستطيع القارئ ان يدرك رسالة الكاتب التي أراد تقديمها، وقد لخصها هو في مقابلته الثلاثيةلمواقف قديمة خالدة مشرفة قامت بها عمان، مع مواقف اخيرة مغايرة (غير مشرفة) زعمها قد وقعت فيها عمان …

 

ان المقال في عنوانه يدعي تلبس العقل العماني بالوهم في ظنه أن عمان دولة استقلت بقرارها ولم تكن تابعة فيه لأمريكا في معظمه، وهو امر يحق لأي كان ادعاؤه، ما دلل لزعمه وساق له الحجج والبراهين الدالة عليه، وهيالجزئية التي حملتني على التعاطي مع المقال والوقوف عليه بكتابي هذا، لما في ذلك من تلويث ليد أمة بيضاء بدم أمم أخرى، وتحميل ارض موت ودمار ارض اخرى، وهي من ذلك كله براء، براءة الذئب من دم يوسف…..

 

ان ما ساقه الكاتب في مقاله للتدليل على عنوانه تلخص في زعم اشتراك عمان في حرب أفغانستان وتدميرها، وحرب العراق وتدميره، وحرب سورية (داعش) وتدميرها بدل حرب بشار، وقد انتقد في مقابل الاخيرة (داعش) عدم مشاركة عمان في حرب عاصفة الحزم باليمن، الا انه وقع حينها في زعمين متناقضين، فزعمٌ يتحدث عن سبب عدم مشاركة عمان في الحزم هو عدم إتاحة الفرصة لعمان للاشتراك في الحرب أصلا، واستدل لذلك بتصريح نقله عن الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني، وزعمٌ آخرُ جاء بعده بأسطر في إطار مقارنة موقف عمان من داعش وموقفها من الحوثيين، بأن ذلك كان قرارا سياسيا مستقلا، وقد نقل ايضا في سبيل الاستدلال لذلك تصريحات لذات الوزير، وهما أمران نقيضان، من عدم إتاحة فرصة للمشاركة في حرب عاصفة الحزم فقرارها بعدم التدخل كان جبرا، الى ملكية الدولة العمانية لقرارها في عدم المشاركة في الحرب، فقرارها هنا كان خيارا، وهو امر -مع غيره مما يأتي- يدل على خلو المقال من الموضوعية، والمنطقية، وامتلائه حد التخمة بالعاطفة، والعاطفة المخلة غير الأدبية للاسف…

 

لست هنا لأنفي عدم وقوع السياسة العمانية في خطإ، او في قرار، غيره أصلح منه وأولى، فقد انتقدت شخصيا قرارات للسياسة العمانية في مواقف عدة منها موقفهم من مؤتمر دعم مصر الاقتصادي الأخير، وانتقادهم وزيرة الخارجية السويدية في تصريحاتها الاخيرة ضد حقوق الانسان في السعودية، ولكني هنا لأنفي شهادة صاحب المقال ان عمان شاركت في تدمير دول بما فيها العراق، وإظهار سطحية المقال وضعفه ..

 

ان زعم الكاتب أن عمان اشتركت في حرب تدمير العراق وَهمٌ حقيقي لمقال شاء رفع الوهم عن غيره، فوقع هو وصاحبه في وهم أتعس منه، مما يوجب الحذر الكبير من أخذ باقي ما أُسْرد من زعم، اذ ان عمان اشتركت في تحرير الكويت فقط، بحكم ما توجبه قرارات مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اعتبار دول الخليج وأمنها من أمن بعضها، واحتلال دولة منها احتلال للبقية، فضلا عن القانون الدولي والإنساني والأخلاقي العام، ولم تشترك عمان في حرب احتلال العراق وتدميره البتة، والبون بين التحرير (الكويت) والاحتلال (العراق) بقيادة أمريكا بون شاسع، في المعنى (بين التحرير والاحتلال)، وفي الفارق الزمني (العشر سنوات الفاصلة)، والذي شاء المقال وصاحبه ان يجعلها لقمة واحدة، جهلا او عمدا، بل ان عمان لم تغلق سفارتها في بغداد اثناء احتلال الكويت وبعد تحريرها يوم أغلق الآخرون سفاراتهم الا بعد تفاقم الوضع الأمني إبان الغزو الامريكي للعراق…

 

ان في زعم مشاركة عمان في تدمير العراق كفاية عن غيره من المزاعم الاخرى المشابهة (تدمير أفغانستان وتدمير سورية بتدمير داعش)، والتي من حق صاحب المقال ان يطالب بالملكية الفكرية او براءة الاختراع فيها، لانه لم يسبق الى نتيجته احد من الإنس ولا الجن، ان في تلك المزاعم التي لا تتصف جميعها بأدنى مستوى للموضوعية في ضبط المعلومة المقدمة فضلا عن نقدها او اعتمادها في نقد غيرها، كفاية عن باقي ما جاء في مقال د حمد الغيلاني، والذي بحق لم يصب في ما أراد من عنوانه، لا في معناه، ولا في مبناه، ولم يقدم للقاريء الا معلومات مغلوطة لم تسعفه في شيء مما أراده الكاتب، بل للاسف كذبت عليه في تحليلها المغلوط، مع تأكيدي على ان السياسة العمانية قد تستحق النقد في مواقف بعينها، ولكن بحق النقد، وليس بالافتراء والتجني، وفي سبيل الإصلاح ودعم الوطن، وليس في سبيل غير ذلك، من طائفية وتعصب واصطفاف سياسي وغير سياسي، فإن جرم الكاتب في شهادته لا يقل عن جرم المجرم في مظلمته…

 

ان الوهم الذي أراد الكاتب رفعه عن العمانيين كان الكاتب واقعا فيه حتى شحمة أذنيه، بل هو أشد قبحا من الوهم الذي خشيه على العمانيين، فوهمهم عن ثقة وحسن نية وتفائل بالمشهد العام والواقع المعاش، ووهمه عن جهل وعاطفة جعلته مُنَْبَتَّا فيها او كما يقال ” داير مدار وسطة”، حد جعل تدمير داعش تدميرا لسوريا، وحد عدم ضبطه لمبنى الكلام ولا معناه لاندافعه، من مصطلحات مهزوزة، كوزير خارجية لعمان، الى سومطرة وسوقطرة، الى عد التزود اللوجستي للأمريكان بالماء وغيره مشاركة مباشرة في حرب طالبان وتدمير أفغانستان كما يزعم، وغفل انها اتفاقيات وتفاهمات مبرمة سابقة لتلكم الحروب مع تحفظنا الشديد عليها، وتزودهم انما يأتي ضمن ذلك، الى القومية المخلة وفوبيا الفرس وإيران، وحرب العراق وما الى غير ذلك من خبط عشواء عن اليمين والشمائل، هدانا الله والكاتب لما فيه العدل والصلاح في الكلمة والشهادة، وحمى الله عمان وثبتها على ملكها لقرارها، وحيادها فيه، وعدم اصطفافها، وحمى المسلمين واصلح حالهم، وكتب الله الأمن والأمان للعالمين…

٢٧ رجب ١٤٣٦

١٦ مايو٢٠١٥

 

 

 صورة المقال : تصوير خالد الخروصي 

شارك هذا الخبر