
في كتابه “صوت البركان- سيرة الكوميديا العراقية “
محمد صابر عبيد : الوجع العراقيّ لا يُختصَرُ مطلقاً

بيروت – سجا العبدلي
في ” صوت البركان – سيرة الكوميديا العراقية- ” لم يُبْقِي محمد صابر عبيد وَلم يَذَرُ من الهم العراقي إلا وطاف حوله، هو كتاب يحمل الوجع والفقد والحنين لوطن لا يهدى ولا يستكين، وطن يئن من جراح أثقلته وحولته إلى كهل يصارع الموت، وهو في الوقت نفسه متشبت بالحياة يبعث بالأمل في كل ذرة من ترابه. في هذا الإصدار يحكي لنا عبيد ” حكاية وطن، وهي بالنسبة له وللكثيرين أندر الحكايات وأكثرها وجعاً والتباساً.
*محمد صابر عبيد كاتب وشاعر وناقد عراقي أنجز أكثر من خمسين بحثاً عملياً نشر في المجلات الأكاديمية المحكّمة في مختلف الجامعات العراقية والعربية. حاصل على الكثير من الجوائز الأدبية، اختير محكّماً في أكثر من مسابقة أدبية. صدر له : المتخيّل الشعري ، أساليب التشكيل ودلالات الرؤية في الشعر العراقي الحديث ، شعرية القصيدة العربية الحديثة ، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، الشعر العراقي الحديث، قراءة ومختارات ، شعرية طائر الضوء، شعرية الكتب والأمكنة، تمظهرات التشكل السير ذاتي، حركية التعبير الشعري ، ـ جماليات القصيدة العربية الحديث، رؤيا الحداثة الشعرية ، عشب أرجواني يصطلي في أحشاء الريح – شعر ، رسائل حب بالأزرق الفاتح ـ نصوص مفتوحة، مرايا التخييل الشعري، تأويل رؤيا الحكاية ـ في تمظهرات الشكل السردي، المغامرة الجمالية للنص الشعري ، السيرة الذاتية الشعرية ـ قراءة في التجربة السيرية لشعراء الحداثة العربية،ـ صوت الشاعر الحديث، أسرار التعبير الشعري، الأعمال الشعرية 1980 ،عضوية الأداة الشعرية ، أطياف ممدوح عدوان، شعرية الحجب في خطاب الجسد،ـ المغامرة الجمالية للنص القصصي.
حين تكون الحكاية حكاية وطن .. كيف نستطيع كتابتها دون تحيز؟
حين تكون الحكاية حكاية وطن لا بدّ من الانحياز، الانحياز للوطن (الواقعيّ أو المتخيّل) بوصفه روحاً وتاريخاً ووجداناً وعشقاً وأمنياتٍ وآمالاً، حكاية الوطن هي أندر الحكايات وأكثرها وجعاً والتباساً وخيبةً في أوطان قاسية لا ترحم مثل أوطاننا، وطنٌ يشبه وحشاً أعمى يأخذ منّا كلّ شيء حتى دموعنا ودمنا وأحلامنا ولا يمنحنا شيئاً من فُتات حقوقنا، حين ننحاز إلى الوطن ننحاز إلى الذات في باطنها العميق اللاواعي، ومن لا ينحاز إلى ذاته (مهما كان موضوعياً) فهو كاذب ودجّال ومدّعٍ، الوطن هو وجعنا التاريخيّ الأكبر منذ أن عرفنا هذه الكلمة ونحن طلبة في المدارس الابتدائية، نردّدها بعفوية ودهشة وننشد لها ونغني، وطني وطن طارد طالما حارب نجاحي حتى أفشل، هو ليس وطني بالمعنى الإجرائيّ الفعليّ الثقافيّ لأنّه يرفض أفكاري ويسعى إلى تبسيطي وتجهيلي، بل هو وطن اللصوص والمشعوذين والأفاقين والكذّابين، كم أحلم أن يكون لديّ وطن أحبّه وأفنى في عشقه كما أسمع عن الأوطان الأخرى البعيدة التي يعشقها مواطنوها، مضى على هجرتي القسرية من وطني ما يقرب من عام الآن، ولا ينتابني الحنين سوى إلى بيتي وقد أنفقت عليه كلّ ما جمعته من نضالي العنيد مع الحياة، سافرت إلى بغداد قبل أيام وهي عاصمة بلدي وأنا خائف، ثم سافرت إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان وهي جزء من بلدي وأنا خائف، فَعَنْ أيّ وطنٍ لي يمكن أن أتحدّث وأرنو وأتطلّع، وطني فقط هو بيتي هناك ينتظر عودتي التي لا يعرف إلّا الله وأمريكا متى تتحقّق، حكاية الوطن حكاية مرّة في راويها ومرويّها وفي من تروى له، لم أفكر قطعاً في تسطير ما سطّرت في كتابي (صوت البركان) قبل ما جرى لي من ويلات، كنت أحاول فقط أن أدفع عن نفسي ما يجتاحني من ألمٍ مريرٍ ليس بوسعي احتماله، أن أخفّف عن أذنيّ الهادئتين أزيز صوت البركان الجحيميّ وهو يخترق حواسّي ويخرمها بقصديّة لاذعة، كتبت ما كتبت بحثاً عن سببٍ ما مهما كان تافهاً لمواصلة العيش، فتراكم المكتوب حتى أصبح كتاباً قابلاً للقراءة، أراقبه الآن بعد ولادته عن كثب… وأحزن.
هل نحن أمام إصدار يختصر الوجع والهم العراقي ؟
الوجع العراقيّ لا يُختصَرُ مطلقاً، إنّه وجع أصيل متجذّرٌ في الميثولوجيا العراقية والخرافة العراقية والدين العراقيّ والمزاج العراقيّ المكتظّ بالنحيب والعويل والندب واللطم على دم مراق يجري بلا حساب، الوجع العراقيّ اختصارٌ لوجع الدنيا كلّها منذ آدم، وقد أدركت تماماً، والآن فقط، لماذا اعترض الملائكة على الله حين أخبرهم بأنه سيُنزِلُ آدم إلى الأرض، فالأرض هي موطن الفساد وسفك الدماء، ترى هل كان الملائكة يقصدون في ذلك وطني (العراق) وقد مدّ على الأفق جناحا وارتدى مجد الحضارات وشاحا!! بحضارته التي تمتدّ آلاف السنين، تُرى ما قيمة حضارة وطن عمرها ملايين السنين والشعب فيه محروم من أبسط قيم الحياة؟ ما قيمة صوت الحضارة بإزاء صدى الجوع؟ ما قيمة آلاف الكتب أمام رغيف خبز يحتاجه فقير معدم كي لا يموت، هذه كذبة كبيرة نكتشف الخدعة الضاحكة فيها يومياً، لا يوجد عراقيّ نازح أو رازح، مهاجر أو ماكث، طليق أو سجين، إلّا وهو أسير وجع لا ينتهي، استثني من ذلك طبقة جوقة الحرامية لأنّهم سحقوا الوجع بأكوام الدولارات المسروقة من زئير الدم العراقيّ المباح، الوجع العراقيّ لا يُختصر لأنّه أكبر كثيراً من قدرة البشر على اختصاره، ولا أحد يمكن أن يشعر بطوفان هذا الوجع سوى العراقيّ الذي توشّم وجهه بطين العراق، حسب كتابي (صوت البركان) أن يطلق صرخة أليمة من بئر هذا الوجع الممتدّ إلى جذر التاريخ حتى المتاهة، حسبه أن يحكي نثار روحي وقد انتشر على عشرات المدن من الموصل العراقية إلى van التركية، حسبه أنّه سعى لقول ما لا يُقال، وأنّه وصل إليكم حتى لتسألوا عن كثافة الأنين الجارف فيه وقد منع شروق الشمس وخنق ضوء القمر، وجعنا العراقيّ لا نظير له، ومرحى لحضارة عريقة تمتدّ آلاف السنين، مرحى لكلكامش وهو يمزّق ملحمته على مرأى ومسمع من سرّاق عشبته الجدد.
لماذا سيرة الكوميديا العراقية؟
لأنّها سيرة بما انطوت عليه من حياة كاملة من الشتات والضياع والتشرّد والقمع والتنكيل والقهر والاضطهاد والمصادرة والإكراه، التراجيديا حين تبلغ مرحلة مخيفة من مراحل المأساة تتحوّل إلى كوميديا، ولعلّ المثل الشهير (شرّ البليّة ما يُضحِك) يجيب بعمق وحيوية على سؤال الكوميديا العراقية، هذه الكوميديا الضاربة في سخريتها المرّة ذات الطبيعة الأسطورية شغلت العالم كلّه منذ سنين، كوميديا صالحة للحكي والسرد والدراما والسخرية والتمثيل والتنكيت والضحك والبكاء، تبدأ سيرتها من فجر التاريخ وستستمرّ حتى نهايته، سيرة الكوميديا العراقية هي سيرة العدم والموت الكثير المهيمن الطاغية، ثلاثة وثلاثون مليون نخلة بستمائة نوع من التمور في جنّة الجنوب العراقيّ أُعدمت، وثلاثة وثلاثون مليون روح عراقية ملتاعة تبحث عن وطن ولا تجد، وثلاثة وثلاثون مليون ضمير عراقيّ يتسوّل الرحمة والشفقة ونسمة هواء نظيفة ولا يجد، وطن هرم مخرّب عجوز يتوكأ على عَوَقِهِ كي يصل أقرب رصيف يعينه على تشرّده، ماذا يمكن أن يقال عن سيرته سوى أنّها كوميديا عراقية سوداء؟
تطرقت إلى قضية الهوية والأقليات المهمشة برأيك هل من مستقبل لهذه الأقليات التي هاجر أغلبها من العراق إلى وجهات عديدة؟
لا مستقبل للأكثرية في العراق فكيف بالأقلّية؟ لا مستقبل في العراق إلّا للمجرمين والطائفيين والفاسدين والسرّاق، الأكثريّة الآن هم هؤلاء، حتى قضية الهويّة ضاعت في خضمّ الانسحاق الإنسانيّ العنيف الذي لم يشهد له العالم مثيلاً، الأكثرية هي السلطة الحاكمة المتحكّمة الجاهلة وعموم الشعب هم الأقلّية، العراق بلد طارد للجميع وثمة ضغط كبير على الأقليات الدينية والعرقية والإثنية لأسباب لا علاقة للناس البسطاء بها، لا مستقبل للأقليات في عراق على هذا النحو كما لا مستقبل لكلّ إنسان حرّ فيه، لا أحد يعرف أين يتوجّه هذا البلد، إنّه قطعاً يتوجّه نحو مجهول غارق في مجهوليته، تحوّل العراق إلى إقطاعيات للأحزاب الدينية التي وفّر لها الدين الحنيف المتسامح؟! غطاءّ شرعياً للاستغلال والثراء الفاحش غير المشروع، من متسولين إلى أثرياء بجنون، على حساب الفقراء والمشرّدين وهم يمثلون الغالبية العظمى من الشعب العراقيّ من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، لا مستقبل لأحد في العراق سوى مافيات الفساد التي لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها، وهي تذكّرني بمافيات المخدرات في دول أميركا اللاتينية، ولعلّ الفاسدين عندنا أخطر من تجّار المخدّرات، والمشكلة أنّ دول العالم لا تستقبل العراقيّ وقد أصبح منبوذاً وخطراً على الأمن القومي لبلدان العالم قاطبة، وجواز السفر العراقيّ جواز مذلول ومهان، ولم يعد أمام العراقيّ سوى أن يهرب من موت إلى موت آخر، ولا ملاذ له سوى الاحتماء بما تيسّر له من بقايا أمل متحجّر لا يلين، فالعراقيون الآن كلّهم أقلّية.
تحت عنوان “سيرة الواقع وواقع السيرة” تكتب وكأنك مسلوب الأمل فاقد للرغبة في التفاؤل .. أين الأمل فيما نقدم من أدب؟
نعم الأمل، أظنّ أنّني سمعت هذه الكلمة كثيراً فيما مضى، غير أنّني لا أفهم معناها كثيراً، وحتى كلمة التفاؤل كثيراً ما يردّدها الأدباء والمفكرون والفلاسفة وحتى عامّة الناس، وهي عندي أيضاً ذات دلالة وهمية غير ملموسة، لم أعد أُعنى كثيراً بالكلمات التي لا تُرى ولا تُلمس ولا تُحسّ، علّمتني الحياة ولاسيّما في سنواتها وشهورها القليلة الماضية أن أهمل الماضي فهو مجرد وهم مُسكِر، ولا أنظر بعيداً في أفق المستقبل لأنّه حبّة فاليوم سرعان ما ينفد مفعولها، ولا أصدّق إلّا بما يقع في دائرة رؤيتي البصرية والسمعية واللمسية، لذا ربّما يكون هذا العنوان “سيرة الواقع وواقع السيرة” مناسباً على نحو مطلق، إنّه تعبير يفيد من تداخله التفاعليّ المتناوب كي يؤكّد علاقة السيرة بالواقع وعلاقة الواقع بالسيرة. الأدب يصنع الحياة في أمكنة وأزمنة وظروف تحترم الأدب وتقدّسه، وهو يصنع الأمل حين يكون الأمل نافعاً، لكن كيف يمكن أن أطلب من مخنوق أن يضحك، ومن جائع أن يغنّي، ومن طريد أن يرقص، ومن يائس أن يعشق، ما كتبته في كتابي هذا ليس أدباً بل هو نزف حقيقيّ لمخنوق وجائع وطريد ويائس، نسي الضحك وهجر الغناء ولم تعد له أقدام قادرة على الرقص وفقد قلبه الذي كان منذوراً للعشق، ما كتبته كان تعبيراً عن فداحة صوت البركان وهو يختزل أصوات مئات الآلاف من النازحين، يطاردهم الذلّ والمرض والموت الزؤام، فمن أين يمكن أن ينفذ خيط الأمل واللغة تتوهّج بالأسى والحرمان والغياب والمصير الفاجع المعتم في أرض وسماء غريبتين؟
إصدار من هذا النوع في أي خانة يمكن تصنيفه؟
حينما بدأت بكتابة هذه المقالات ونشرها في ملحق جريدة النهار البيروتية لم أكن أفكّر حقيقةً بأمر التصنيف، كان كلّ ما يهمّني أن أعثر على نوع من الكتابة يستجيب لغضبي وثورتي على كلّ شيء، حاولت مع القصيدة وفعلاً كتبت بعض القصائد ونشرتها أيضاً في ملحق النهار لكنّها لم ترضِ جنوني الداخليّ الملتهب، فكّرت في الرواية لكنّني وجدت أنّ الرواية تحتاج إلى عُدّة عمل هادئة ووقت طويل حتى تكتمل لغةً وصنعةً، فوجدت نفسي منساقاً إلى كتابة ما كتبت حين وجدت مساحة كبيرة من الحرية كي أقول ما أشاء بلا ضوابط أجناسيّة يمكن أن تخفّف من غلواء ما أشعر به من ضغط كان بوسعه إحراق العالم، اهتديت إلى هذا النوع من الترسّل الكتابيّ القريب من النصّ الحرّ بما انطوى عليه من فعالية سير ذاتية واضحة، على صعيد الزمن والمكان والرؤية والشخصية والفضاء الكتابيّ بمختلف مستوياته، وعلى صعيد السرد الحارّ أو الحارق ربّما، والوصف المركّز الكثيف وهو يسعى إلى إخراج الموصوفات من جذورها، وثمّة استحضار لكلّ ما أتيح لحظة الكتابة من ممكنات تعبيرية وتشكيلية مستعارة من الفنون الأخرى، ثمة دراما عنيفة، وتصوير سينمائيّ كابس على المصوّرات، وهندسة تشكيلية تستعيد حلم الرسّام القديم في إعادة صوغ الأشياء على نحو حلميّ راقٍ كُتب عليه أن يموت مبكّراً.
الهجرة القسرية التي تعرضت لها وعائلتك كم ساهمت في خروج هذا الكتاب بكل هذا الثقل والوجع ؟
بالتأكيد هذه الهجرة هي المولِّد المركزيّ لظهور هذا الكتاب إلى الحياة، فعلى الرغم من أنّني أسافر كثيراً غير أنّني لم أغب عن بيتي أكثر من شهر، وكنت أسافر وحدي وأعود فأجد أسرتي كلها بانتظاري، واليوم أترك بيتي صحبة أسرتي ما يقرب من عام كامل، مكتبتي، اللوحات التي تزيّن جدران بيتي، مكتبي في الطابق السفلي وقد جهّزته بكلّ ما يدفع نحو التأمل والقراءة والكتابة والأمل والحياة الحرّة الكريمة، غرفة نومي كأنّها مركب طائر، غرفة الاستقبال كأنّها لوحة فنية باذخة، كلّ زاوية لها دلالة وقيمة ومعنى، أتذكّر الأشياء بوضوح لعين مدمّر وأبكي، كيف لكتاب وحيد وغريب ويائس مثل (صوت البركان) أن يجيب على أسئلة هذه الكوميديا الضاربة في وجعها، هذه الكوميديا المروّعة وقد تجاوزت في اختراقها الجلد واللحم لتصل إلى العظم، كلّي أمل أن أكون قد نجحت في أن أنقل إلى من يتورّط في قراءة الكتاب شيئاً من وجعي الثقيل، وأنا أعتذر للقارئ الكريم مسبقاً عمّا فيه من يأس وأسى وغضب وتشيّؤ، وآمل أن يقرأه بوصفه عملاً من أعمال الخيال السرديّ، كتبت ما كتبت من دون أن أفكّر بتسوّلِ تعاطفِ القارئ معي، كم أودّ أن يتعامل القارئ مع كتابي بوصفه كتاباً للتسلية وتزجية الوقت ليس غير.
ماذا عن نبوءة السياب؟
تحقّقت نبوءة السياب على نحو فجائعيّ مدمّر (في كلّ عام حين يُعشبُ الثرى نجوع… ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع)، على مدى عشر سنوات بعد الاحتلال الأميركيّ بلغت ميزانية العراق ألف مليار دولار، مبلغ خرافيّ يكفي لبناء عشرات المدن المتكاملة، لكنّ البصرة والعمارة والناصرية وبعقوبة والموصل وكلّ مدن العراق الأخرى لم يبنَ فيها مستشفى ولا شارع ولا متنزّه ولا ملعب ولا مصنع ولا برج ولا شيء البتةَ، بلا خدمات أساسية، الفقر والمرض والبطالة تنهش أهلها، فالثرى كما يقول السياب يُعشب بجنون وثراء وغنى وخصب لكننا نجوع، فكلّما أعشب الثرى أكثر زاد عدد اللصوص القتلة مصاصّي الدماء، وإذا كنّا نعيش قبل الاحتلال زمن الدكتاتور الأوحد نعيش الآن زمن تصارع الدكتاتوريات على المال والثروة والنهب والخطف والقتل بلا ضمير، إنّه زمن (الفرهود) الذي لا يُبقي ولا يذر، كنّا نسمع في المثل الشعبيّ ونحن صغار حول فكرة التخصّص في العمل والقيادة والإنتاج (اعطِ الخبز لخبّازته حتى وإن أكلت نصفه)، لأنك ستضمن أنك تأكل النصف المتبقي ناضجاً ومُشبعاً وصحيّاً، ومن يخبزون السياسة والحكم والإدارة الآن في وطني لا يفهمون في الطحين ولا في الحطب ولا في العجين، فيأكلون الحنطة كلّها قبل أن تصل إلى الفرن، فأيّة نبوءة أكثر تحقّقاً من نبوءة السياب هذه؟
حدثنا عن “ليلة سقوط الموصل”
ربّما قلت كلّ ما عندي حول هذه الليلة في ما سطّرته في كتاب (صوت البركان) ولم يعد لديّ ما أضيفه، كانت لحظة الكتابة استثنائية بمعنى الكلمة، لا أعرف كيف استطعت أن أستحضر الموصل بأحيائها وأسمائها وصفاتها على نحو ما تجلّى في كتابتي تلك، كتبت ما كتبت بعنوان (ليلة سقوط الموصل) وأنا في أقصى حالات اليأس من كلّ شيء، ليلة ليلاء ليس لدي الآن ما يمكن أن أضيفه عليها من كلام مفيد، لكنّه بوسعي القول إنّها أقسى ليلة مرّت في حياتي، شعرت فيها بقدرٍ عالٍ من الهوان والهزيمة والاندحار، وعرفت فيها أنّه لا قيمة لثقافتي وشهاداتي وسمعتي الأكاديمية وشعري وكلّ ما أنتجت من كتب، ليلة سقوط الموصل هي ليلة سقوط إنسانيتي وأنا أرى أسرتي تسير خلفي نحو المجهول.
حوار الشيطان كان كوميدياً بامتياز كيف اهتديت لصياغة هكذا حوار استثنائي؟
حقيقةً لا أدري كيف دهمتني هذه الحكاية فجأة وأنا أكتب عن فكرة الشيطان، حين أدركتُ أنّ الشيطان الحقيقيّ هو الإنسان ليس غير، وما الشيطان/الفكرة سوى وسيلة من ابتداع شياطين البشر لتمرير سبلهم الخبيثة في احتكار الجريمة، واحتراف السلب (سلب الأرواح والأموال والقيم والمعتقدات والأديان والقوانين والتاريخ والجغرافيا والخيال والحلم والحب)، الشيطان بصورته الرمزية كائن أعزل وبسيط يثير الشفقة في ظلّ عنف الشيطنة البشرية الطاغية وهي تأكل الأخضر واليابس، نحن عادةً نلقي باللائمة على الشيطان في كلّ ما نفعل من أشياء مشينة وهو بريء طبعاً من ذلك، ولعلّ كوميديا هذا الحوار ليس سوى صورة من صور الكوميديا العراقية التي حفلت بالسخرية من شراسة الإنسان.
أصدرت أكثر من خمسين كتاباً في الشعر والنقد .. برأيك أين الشعر اليوم في ظل كل ما يحصل من دمار من حولنا؟





