مدادنقاش في سبيل الجحيم
في مقال رأي نشر عام 2015، تصف سعدية مفرح نقاشات تتحول من تبادل الرؤى إلى خصومة، وترى أن الإصرار على فكرة واحدة يبدل الأدوار بين الضحية والجلاد.
نقاش في سبيل الجحيم!
سعدية مفرح
لا أدري من أين يأتي البعض بهذه الكمية من الثقة بالنفس وهو يطالبك أن تتبنى وجهة نظره حول موضوع ما بالكامل، لا بالاقتناع التام بأن وجهة نظره هي الحقيقة المطلقة، كما يفعل أغلبنا في أي نقاش ثنائي أو جماعي، بل يتجاوز ذلك ليفرض عليك رأيه فرضا، ولحظتها تجد نفسك محاصرا بالكامل ومن كل الجهات حولك لتبني وجهة نظر من كنت تظن أنك في عملية نقاش أو حوار معه لتكتشف في نهاية أنها كانت حربا استخدم فيها خصمك كل الأسلحة المسموح بها والمحرمة دوليا لا ليقتل ولا ليأخذ أسيرا في حضيرة أفكاره ورؤاه بل ليعيد خلقك من جديد على شاكلته تماما. إنه يستنسخ نفسه وأفكاره مستعينا بجسدك وملامحك ولغتك.
يحدث هذا معي كثيرا؛ أجدني قد تورطت في نقاش عقيم مع أحدهم حول قضية ما، وعندما أكتشف أننا نسير في طريق مسدود تماما وأن من كنت أحاوره قد تحول إلى مجرد خصم وأن كمية الأوكسجين المتبقية في غرفة الأفكار لا تكاد تكفي لفكرتين متصادمتين، أنسحب، أعني أنني في تلك اللحظات وعند تلك النقطة اليابسة من الكلام أدير نفسي الى الخلف استعدادا للرجوع بكل ما لدي من رؤى وأفكار الى الخلف أو الى نقطة الصفر.. ولكن هيهات!
لا أتذكر أنني نجحت في تكملة تلك الخطوة المتراجعة إلى الخلف هربا من الطريق المسدود إلا في مرات قليلة، أما ما تعودت عليه، فبعد نجاح الند الذي حولك في خضم النقاش إلى خصم بسحبك الى الشبك تكون قد استسلمت لمصيرك المحتوم مسبقا، أي الانتقال من مرحلة النقاش والحوار الى مرحلة التقاتل في سبيل البقاء النهائي للأقوى، والأكثر اصرارا على تلك الحرب البائسة!
أزعم أن كثيرا من الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء والأزواج والزملاء ممكن أن تختفي لو أن كل هؤلاء قد تدربوا على آلية معينة للنقاش حول كل ما يختلفون حوله، أو لو أنهم اقتنعوا بفكرة بسيطة تلخصها الآية الكريمة؛ ” لكم دينكم ولي دين”، لكن الإصرار على أن هناك فكرة واحدة فقط يجب أن يؤمن بها الجميع وبنفس الدرجة من الحماسة وبكل تفريعاتها الدقيقة، هو السم الذي سيقضي على البشرية في النهاية خاصة إن كانت تلك الفكرة فكرة دينية!
قبل أيام كنت في نقاش حول قضية شخصية مع صديق، سرعان ما تحولت ونحن نتعاطى ما يؤدها أو يدحضها إلى قضية شبه عامة، ووجدتني أمارس الدور نفسه الذي أرفضه الآن والذي زعمت قبل قليل أنني ضحيته، فصحيح أنني ضحية مثالية لهذا النوع من النقاشات في الآونة الأخيرة، أي منذ أن دخلت عالم تويتر حيث أفكارنا الطازجة تظهر إلى الملأ حول مختلف القضايا المزمنة والمستجدة بلا رتوش ولا حواجز ولا تشذيب غالبا، إلا أنني من جانب آخر الجلاد ، أو الضحية التي استمرأت دور الجلاد حتى تماهت معه وصارت تتصرف مثله.
في نقاشي مع ذلك الزميل سرعان ما حولته إلى خصم فسعيت إلى شيطنته ، من دون أن أشعر، فقط لأنني كنت قادرة على ذلك، ولم أتراجع حتى رأيته ، في لحظة خاطفة، يتصرف كما كنت أتصرف دون نجاح في مثل تلك الحالات التي سبق وأن مررت بها وكنت الضحية فيها؛ لقد أدار رأسه محاولا تغيير موضوع النقاش للحديث عن آخر مباراة لكرة القدم بين برشلونة ويوفنتوس!
يا إلهي…
هل آصبحت جلاداً بعد أن كنت أتململ من دور الضحية؟ يبدو ذلك، ويبدو أن لا فرق واقعي في ساحات النقاش ما بين الضحية والجلاد ، فكل واحد من الطرفين يقوم بدور الضحية تارة ودور الجلاد تارة وبنفس الموقف الواحد. المهم أن يخرج منتصرا بفكرته، حتى لو كان يعلم تماما أنها الفكرة التي سترسل كل سكان الكرة الأرضية إلى الجحيم!