أثير ـ تاريخ عمان
يعتبر الحديث عن نشأة المدرستين الرستاقية، والنزوانية في عمان من أصعب حقب التاريخ العماني ، بل يعتبر من أكثر الموضوعات تعقيدا ، وغموضا . وحينما نقرأ في كتب السير، والمؤلفات العمانية الفقهية، والتاريخية عن الفرقة الرستاقية والنزوانية، فهذا يعني الحديث عن قضية عزل الأمام الصلت بن مالك الخروصي سنة 227هـ /885م، وانقسام العلماء على أثر تلك القضية بين مؤيد، ومعارض، ومحايد، والذي بالتالي فتح بابا في التأويل، والخوض في قضية مشروعية عزل الإمام أو من عدمها ، وتجد ذلك جليا في مخطوط بيان الشرع ،إذ كتب مؤلفها “في زمن الصلت بن مالك اختلف أهل عمان وافترقوا على فرق شتى في أمر الصلت ، وراشد بن النظر ، وموسى بن موسى الأزكوي وعزان بن تميم”.
وهذا الإختلاف السياسي هو السبب، والرابط الأساسي لظهور الطائفتين النزوانية والرستاقية في عمان، وبالأخص حينما اتخذ الخلاف في هذه المسألة شكلا جدليا بين العلماء العمانيين انعكس بجلاء في كتاباتهم، وانقسامهم إلى مدرستين فكريتين سياسيتين منذ أواخر القرن الثالث، وخلال القرن الرابع الهجري/ التاسع، والعاشر الميلاديين .
والجدير بالذكر أن مسمّى المدرستين إلى رستاقية ونزوانية لا تعني بأن الرستاقية هم من علماء الرستاق، والنزوانية يعني بهم علماء نزوى بل العكس، فنجد مثلا إن أكثر، وأشهر علماء الرستاقية ليسوا من الرستاق، كأبي محمد بن بركه البهلوي ، وأبي الحسن البسيوي ، وأحمد بن عبدالله الكندي النزوي ، وكذلك الحال لعلماء المدرسة النزوانية من أمثال أبو سعيد الكدمي الذي كان عميدها، ورأس المناظرين عنها.
ونستدل من ذلك كله بأن أفكار المدرستين كانت منتشرة في جميع المدن العمانية ، والدليل على ذلك بأن بعض الأئمة الذين حكموا عمان كان لديهم قضاة من المدرستين ، كذلك تجد بأن الأستاذ في بعض الأحيان ينتمي إلى المدرسة الرستاقية كالشيخ مالك بن غسان الصلاني وتلميذه ينتمي إلى المدرسة النزوانية كالعلامة محمد بن روح بن عربي ، وبالمثل نجد إن الشيخ العلامة محمد بن أبي الحسن النزوي من المدرسة النزوانية وتلميذه أبو الحسن البسيوي من المدرسة الرستاقية، ولذا لم يكن التلميذ في عمان ليتبع أستاذه في كل شيء، مما يدل على سعة الأفق، والحرية الفكرية التي كان يتمتع بها العلماء في طرح أفكارهم آنذاك، وإن كانت تخالف آراء شيوخهم من العلماء المتقدمين في واحدة من أروع نماذج استقلالية الفكر عند العمانيين في تلك الفترة الحرجة التي كانوا يمرّون بها .
ولا يعلم المؤرخون السبب الحقيقي وراء تسمية هذا الصراع بين الفرقتين بين نزوانية ورستاقية ، إلا اننا نجد أن هذا المصطلح قد ذكر لأول مرة في مخطوط بيان الشرع لمؤلفه الشيخ القاضي محمد بن ابراهيم الكندي، وهو من علماء النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. وخلاصة القول في موضوع تسمية المدرستين، بأنه جاء طبيعيا بحكم ما كانت تشكّله المدينتين من أهمية في ذلك الوقت ، إذ كانتا تمثلان عصب الحياة السياسية فضلا عن كونهما مركزين علميين يستقطبان كل أهل عمان عبر التاريخ.
أصل الاختلاف بين المدرستين
إن عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي في عمان ونزوى تحديدا كان الشرارة الأولى لذلك الصراع الفكري الحاد بين علماء الفرقة الرستاقية وعلماء الفرقة النزوانية ، وقد تعدى هذا الصراع والمناظرات بين الفرقتين الجانب السياسي ، إلى مسائل عقائدية معقدة كالوقوف والولاية والبراءة ، وهذا الأمر دفع بالعالم أبي سعيد الكدمي، وهو أبرز علماء المدرسة النزوانية بأن يكتب كتابا أسماه “الإستقامة” ناقش فيه هذه المسائل في ظل فوضى سياسية وحروب أهلية، وتدخل خارجي باستثناء بعض الفترات التي هدأت فيها الأمور كفترة عهد الإمام سعيد بن عبدالله بن محبوب بن الرحيل ( 320هـ/932م – 328هـ/939/ ) .
وبالنسبة لهذه المصطلحات المتعلقة بالخلافات العقائدية التي وصل لها الحال بين المدرستين، فإننا نجد بأن علماء الرستاقية، والنزوانية قد عمدوا إلى تسييسها، وتوظيفها مع واقعهم السياسي آنذاك، وبما يبرر مواقفهم اتجاه السلطة ويضفي عليها طابع الشرعية من منطلق ديني عقائدي، ليتمكنوا من إقناع العامة بآرائهم، ووجهات نظرهم ، والتي أصبحت مثار جدل كبير من حيث مدى انطباق تلك المصطلحات على من كان سببا في عزل الإمام الصلت بن مالك من حيث البراءة منهم ،أو موالاتهم، أو الوقوف عنهم .
منطلقات الفكر السياسي للمدرسة الرستاقية
بنت المدرسة الرستاقية مواقف فكرها السياسي على البراءة من الخارجين على الإمام الصلت بن مالك ، والبراءة من العلماء الذين أيدوا عزله، أو الذين وقفوا في الحياد، ولم ينصروا الإمام بالفعل أو القول ، لأنهم يرون بأن العالم موسى بن موسى وجماعته عزلوا الإمام ظلما وعدوانا ودون مبرر مقنع لينصبوا بديلا عنه الإمام راشد بن النظر اليحمدي.
ومن أبرز علمائها : ابن بركة ، وابو الحسن البسيوي .
منطلقات الفكر السياسي للمدرسة النزوانية
بنى علماء المدرسة النزوانية فكرهم السياسي على الشك في حادثة العزل بما أن مر على تلك الحادثة سنين طويلة اندثر من خلالها العلماء الذين عاصروا تلك الأحداث ، فمنهم من حاول إيجاد العذر لمن قام بعزل الإمام ، ومنهم من وقف على أقل تقدير عن الخوض في تلك القضية، وعدم الخوض في خلاف مضى عليه زمنا طويل ، وقد دللّت على ذلك مقولة الكدمي التي قال فيها صراحة ” وإنما ذلك شيء زائل قد انقضى، ومضى ، إلا أن يكون ذلك قائما بعينه ، ينتهك حرمة الله ويضيع فرائض الله “.
ولذلك يعتبر الكثير من الباحثين أن المدرسة النزوانية هي مدرسة معتدلة في فكرها توفيقية تتبنى موقفا وسطا بين المدرسة التي أيدت عزل الإمام عكس المدرسة الرستاقية المتشددة .
ومن أبرز علماء المدرسة النزوانية : ابن روح ، وابو سعيد الكدمي.
ايجابيات هذا الصراع
ورغم أن الصراع الفكري السياسي العقائدي بين المدرستين أثّر بشكل سلبي على استقرار عمان ، إلا انه أنعش، وأثرى الجانب الفكري بشكل إيجابي جدا من خلال ذلك الكم الكبير من المؤلفات، والسير، والمقالات، والشروح، والأدلة التي كانت حاضرة بقوة بين علماء الفرقتين ، ككتاب الموازنة لابن بركة ، وكتاب الحجة على من أبطل السؤال في الحدث الواقع بعمان لأبو الحسن البسيوي ، وكتاب الإستقامة والمعتبر لأبو سعيد الكدمي، وكتاب الإهداء لأحمد بن عبدالله الكندي .
كما ساهم علماء المدرستين إلى رفد المجتمع العماني بالكم الكبير من البحوث المستفيضة في مجال نظام الحكم في الإسلام من خلال مناقشات، ومناظرات أصحابهما حول كيفية شكل الحكم، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، والإنعكاسات السلوكية، والإجتماعية، والإقتصادية، والسياسية من جراء ذلك، والتي من خلالها تطورت النظرية السياسية عن العمانيين حول الإمامة، وأنواعها، وشروطها، وموجبات العزل .
سلبيات هذا الصراع
أما بالنسبة للآثار السلبية التي خلّفها الصراع بين علماء الفرقة الرستاقية والفرقة النزوانية فقد كان كبيرا، وأدى إلى إضعاف وحدة المجتمع العماني، وتماسكه ،وبالتالي ضعف عمان التي لم تستطع الصمود أمام الأخطار التي كانت تهددها ، ومن جانب آخر أدى كل ذلك إلى تراجع الدور القيادي الذي كان يمارسه العلماء فيما مضى ، وأخذت كل فرقة تنصب لها إماما تعارض به الفرقة الأخرى، فتمزّقت البلاد، وانقسمت، فقامت دولة النباهنة في عمان محل الإمامة المتمزقة في تلك الفترة .
المرجع : قضية عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي ، تأليف علي بن سعيد الريامي ، بيت الغشام للنشر والترجمة ، الطبعة الأولى :2015م ،مسقط .