تحليل ورأيكلُّ الشوارعِ تؤدي إلى عُمان
نص تأملي مؤرخ في جنيف يوم 26 يوليو 2015، يستعيد حضور عمان في الذاكرة والطفولة والأصدقاء، ويربط حب الوطن بأعمال أفراده اليومية في الأسرة والمجتمع.
موسى الفرعي
جنيف 26 يوليو 2015
أشياءُ كثيرةٌ تُستدعى هنا، أوروبا رغمَ جماليتها ورغم أنها تملأُ الذاكرةَ بصورٍ جماليةٍ كثيرة، رغم الشعاراتِ التي تُرفعُ ما يُعاشُ منها وما يَظلُّ حبيسَ قالبهِ اللغويِّ، إلا أن المكان يَفتقدُ لأمرٍ سريٍّ هام وهو ذلك الإحساس بالأشياء وما يحتويه المكانُ من ذكرياتٍ وطفولةٍ رؤىً حاضرةٍ، وما بنينا عليه آتٍ أجمل، من هذه النافذة فأوروبا رغم ما سبق إلا أنها فقيرةٌ جدا في حضرةِ الترابِ العماني، وشوارعُها خاليةٌ من الأصدقاء ومن ضحكاتهم، خاليةٌ من الإحساسِ الذي تَنفخهُ عُمانُ بداخلي والذي يُذيبُ كلَّ بلادِ الله في بلدٍ واحدٍ هي خلاصةُ البلدان.
هل معنى ذلك أن البلادَ الأخرى لا تملك هذه القدرة؟؟
قطعا لا أعني ذلك، فالأمر يُقاسُ برؤيةِ فردٍ بعينه، بثقافتهِ ورؤاه وبانتمائه وما تشكّله شجرةٌ في بلده، وبما أن الإنسانَ هنا مقياسُ كلِّ شيءٍ فحُقَّ لكلِّ فردٍ أن يدَّعي ذلك بحبهِ الفائض عن جسده، على أن لا يدَّعي من الواقعِ ما يّفتقرُ لمعطياتِ ذلك، ومن هذه النافذة لي أن أقول إن عُمان هي تلك الخلاصةُ من الناحيةِ العاطفية الخاصة التي قد يتشابه الآخر فيها ومن معطيات الواقع الواضحة التي حتما سيختلف الآخر عنها كثيرا، فكلُّ شبرٍ لنا فيه ذكرى وضحكةُ طفلٍ وابتسامةُ رجلٍ مسن أو امرأةٍ عابرة، وكلُّ مساحةٍ في سطرٍ من صفحاتِ واقعه شاهدةٌ على تفرده السياسيِّ المنحازِ للإنسانِ وهذا ما يَنعكسُ على الواقعِ الاجتماعي ويَشتركُ فيه بطبيعةِ الحالِ كلُّ فردٍ من أفراد هذا الوطن العظيم.
ما أجمل عُمان وأعظمها حين نُبصرها في أعينِ العابرين وأسئلتهم الدائمة، وما أشدَّ سحرها ودهشتها حين نعيشُها من الداخل. لستُ أدري ما الذي يَستدعي كلَّ ما سبق، كلُّ الذي أعرفه أني هنا أراقبُ العابرينَ والمغتسلينَ بيومياتهم فأرى فيما يُرى تلك النوارسَ البيضاءَ وهي تَخرجُ صباحاً لتمارسَ عملها لخدمةِ هذا الوطنِ العظيمِ بعد إجازةِ عيدِ الفطرِ المبارك والتي يَسكنُ جلَّها الاحساسُ الكبيرُ بالمسؤوليةِ والبناء، وأرى تلك المرأةَ العمانيةَ المسكونةَ بالوطن إلى أن أصبحتْ صورةً متطابقةً من عظمته.
لستُ أدري ما الذي يستدعي كلَّ ما سبق، كلُّ الذي أعرفهُ أني فخورٌ جداً بمن عرفتُ وفخورٌ أكثرَ بمن لا أعرفُ، فما نَجهلهُ من عملٍ سواءٌ كان وطنياً عاماً أو خاصاً، فتربيةُ طفلٍ ما في أقصى عُمان تربيةً صالحة هو عمل وطني خاص أجهلهُ أنا إلا أنهُ عملٌ يَنسحبُ على الوطنيةِ العامة، ورجلٌ يقومُ بدوره العمليِّ لخدمةِ الوطن الكبير حتى إن كنت أجهل ما يقومُ به هو عملٌ ينسحبُ على أُسرةٍ في الطرفِ الآخر من عُمان، فكلُّ ما نجهلُ – الإيجابيّ منه – يظلُّ أعظمَ مما نرى لأننا نَجهلُ خفاياهُ وتحدياتِه التي تُكسَّرُ من أجلِ هذا الوطن، هكذا أعرف من يُحِبُ ومن يُحَبُ
لستُ أدري ما الذي يستدعي كلَّ ما سبق، غالباً كي أقولَ شكرا لكلِّ واحدٍ منكم فرداً فرداً في عُماننا الأحب والأعظم